فَأَما الْقسم الأول وَهُوَ تأسيس الدّين فَهُوَ أثبتها قَاعِدَة وأدومها مُدَّة وأخلصها طَاعَة
وَلَيْسَ يَخْلُو انْتِقَال الْملك بِهِ من ثَلَاثَة أَسبَاب
أَحدهَا
أَن يخرج الْملك من منصيب الدّين حَتَّى يتَوَلَّى عَلَيْهِ غير أَهله وَيظْهر مِنْهُ خلاف عقده فتنفر مِنْهُ النُّفُوس إِن لَان وتعانده إِن خشن تعصيه
[ ١٥٣ ]
الْقُلُوب وَإِن أَطَاعَته الأجساد فيتطلب النَّاس للخلاص مِنْهُ أسبابا ويفتحون للوثوب عَلَيْهِ أبوابا يستهلون فِيهَا بذل النُّفُوس وَالْأَمْوَال حفظا لدينهم فَيصير ملكه عرضة للطَّالِب وحريمه غنيمَة للسالب وَقد قَالَ حَكِيم الرّوم
لَا يزَال الجائر من الْمُلُوك ممهلا حَتَّى يتخطى إِلَى أَرْكَان الْعِمَارَة ومباني الشَّرِيعَة فَإِذا قَصدهَا اقْتَرَبت مدَّته
وَالسَّبَب الثَّانِي
أَن يكون الْملك مِمَّن قد استهان بِالدّينِ وهون أَهله فأهمل أَحْكَامه وطمس أَعْلَامه حَتَّى لَا تُؤَدّى فروضه وَتوفى حُقُوقه إِمَّا لضعف عزمه فِي الدّين وَإِمَّا لانهماكه فِي اللَّذَّات فَيرى النَّاس أَن الدّين أقوم ولحقوقه وفروضه ألزم فَيصير دينه مذحولا وَملكه محلولا
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
إِذا أَقبلت الدولة خدمت الشَّهَوَات للعقول وَإِذا أَدْبَرت خمدت الْعُقُول للشهوات
وَالسَّبَب الثَّالِث
أَن يكون الْملك مِمَّن قد احدث بِدعَة فِي الدّين شنعة وَاخْتَارَ فِيهِ أقوالا بشعة يُفْضِي استمرارها إِلَى تبديله ويؤول إِلَى تَغْيِيره وتعطيله فتأبى نفوس النَّاس بِغَيْر دين قد صَحَّ لَهُم معتقده واستقرت فِي الْقُلُوب أُصُوله وقواعده فَيصير دينه مرفوضا وَملكه منقوضا
فَإِذا طَرَأَ على الدّين هَذِه الْأَسْبَاب الثَّلَاثَة ونهض إِلَى طلب الْملك
[ ١٥٤ ]
من يقوم بنصرة الدّين وَيدْفَع ٣٢ آتبديل المبتدعين وَيجْرِي فيهم على السّنَن الْمُسْتَقيم أذعنت النُّفُوس لطاعته واشتدت فِي مؤازرته ونصرته وَرَأَوا أَن بذل النُّفُوس لَهُ من حُقُوق الله المفترضة وَأَن النُّصْرَة لَهُ من أوامره الملتزمة فَملك الْقُلُوب والأجساد واستخلص الأعوان والأجناد فَإِن نالوا مَعَه من الدُّنْيَا حظا وجمعوا بِهِ بَين صلاحي الدّين وَالدُّنْيَا صَار مجتذبا إِلَى الْملك لَا جاذبا ومرغوبا إِلَيْهِ لَا رَاغِبًا ولان لَهُ كل صَعب وَهَان عَلَيْهِ كل خطب وتوطد لَهُ من اس الْملك مَا لَا يُقَاوم سُلْطَانه وَلَا تغل أعوانه لفرق مَا بَين ملك الطَّالِب وَالْمَطْلُوب وتباين مَا بَين طَاعَة الْخَاطِب والمخطوب