وَأما الْقسم الثَّالِث فَهُوَ تأسيس المَال والثروة فَهُوَ أَن يكثر المَال فِي ٣٢ ب قومه فَيحدث لَهُم بعلو الهمة طَمَعا فِي الْملك وَقل أَن يكون هَذَا الْأَمر إِلَّا فِيمَن لَهُ بالسلطنة اخْتِلَاط وبأعوان الْملك امتزاج فيبعث مطامع الراغبين فِيهِ على طَاعَته وَتَسْلِيم الْأَمر إِلَى زعامته
وبعيد أَن يتم ذَلِك إِلَّا عِنْد ضعف الْملك ووهائه وَفَسَاد أعوانه وزعمائه
وَقيل فِي منثور الحكم
المَال رُبمَا سود غير السَّيِّد وقوى غير الأيد
فَإِذا انْتقل بِهِ الْملك كَانَ أَوْهَى الْأَسْبَاب قَاعِدَة وأقصرها مُدَّة لِأَن المَال ينفذ مطامع طالبيه وَيذْهب باقتراح الراغبين فِيهِ
وَقد قيل
من ودك لأمر ولى مَعَ انقضائه
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
[ ١٥٦ ]
الَّذِي يتوكل على غنائه سُقُوطه سريع
فَإِن اقْترن بِسَبَب يَقْتَضِي ثُبُوت الْملك ثَبت وَإِلَّا فَهُوَ وشيك الزَّوَال سريع الِانْتِقَال
وَاعْلَم أَن الدولة تبتدئ بخشونة الطباع وَشدَّة الْبَطْش لتسرع النُّفُوس إِلَى بذل الطَّاعَة ثمَّ تتوسط باللين والاستقامة لاستقرار الْملك وَحُصُول الدعة ثمَّ تختم بانتشار الْجور وَشدَّة الضعْف لانتقاض الْأَمر وَقلة الحزم
وبحسب هَذِه الْأَحْوَال الثَّلَاثَة يكون مُلُوكهَا فِي الآراء والطباع
وَقد شبه المتقدمون الدولة بالثمرة فَإِنَّهَا تبدو حَسَنَة الملمس مرّة الطّعْم ثمَّ تدْرك فتلين وتستطاب ثمَّ تنضج فَتكون أقرب للْفَسَاد والاستحالة
وكما تبتدأ الدولة بِالْقُوَّةِ وتختم بالضعف كَذَلِك تبتدأ بِالْوَفَاءِ وتختم بالغدر لِأَن الْوَفَاء مشيد والغدر مشرد
[ ١٥٧ ]