وتدبيرهم الَّذِي يحقط عَلَيْهِم طاعتهم ويستخلص بِهِ نصرتهم يكون بأَرْبعَة شُرُوط إِن استكملها صلحوا بِهِ واستقاموا لَهُ وَإِن أخل بهَا فسدوا عَلَيْهِ وأفسدوا ملكه
أَحدهَا تقويمهم بالأدب الَّذِي يحفظ عَلَيْهِ وفور نجدتهم وَكَمَال تجنيدهم ليصلحهم بذلك لأَنْفُسِهِمْ ثمَّ لنَفسِهِ ثمَّ لرعيته
[ ١٧٠ ]
فَأَما صَلَاحهمْ لأَنْفُسِهِمْ فَيكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء
أَحدهَا معطاة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ أجناد الْمُلُوك من الارتياض بالركوب والخبرة بالحروب لِأَنَّهَا صناعَة تجمع بَين علم وَعمل
وَالثَّانِي اختصاصهم بالجندية واقتصارهم عَلَيْهَا حَتَّى لَا ينقطعوا عَنْهَا بكسب سواهَا فيصيروا مقصرين فِيهَا
وَالثَّالِث أَن يقفوا فِي اللَّذَّات على اعْتِدَال مُبَاح لَا يقطعون إِلَيْهَا فتلهيهم وَلَا يمْنَعُونَ مِنْهَا فتغريهم
وَأما صَلَاحهمْ لنَفسِهِ فَيكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء
أَحدهَا أَن تَسْتَقِر محبته فِي نُفُوسهم حَتَّى ينصحوه
وَالثَّانِي أَن تعظم هيبته فِي قُلُوبهم حَتَّى يطيعوه
وَالثَّالِث أَن يعتقدوا أَن صَلَاح ملكه عَائِد عَلَيْهِم وفساده مُتَعَدٍّ إِلَيْهِم
وَأما صَلَاحهمْ لرعيته فَيكون بِثَلَاثَة أَشْيَاء
أَحدهَا أَن يكف نَفسه عَن أذاهم
وَالثَّانِي أَن يذب عَنْهُم من أَرَادَهُم
وَالثَّالِث أَن يكون عونا لَهُم على منافعهم
فَإِذا صَحَّ لَهُ حملهمْ على هَذَا التَّأْدِيب واستقاموا على هَذَا التَّهْذِيب كَانُوا أصلح جند لأسعد ملك
[ ١٧١ ]
كتب الْإِسْكَنْدَر إِلَى معلمه يسترشده فِي جنده فَكتب إِلَيْهِ
تفقد جندك فَإِنَّهُم أَعدَاء ينْتَقم بهم من أَعدَاء
وَمَعْنَاهُ أَنهم اعداء إِذا فسدوا ينْتَقم بهم من أَعدَاء إِذا صلحوا
وَالشّرط الثَّانِي
أَن يرتبوا على حسب عنائهم فِي الحروب وذبهم عَن الْملك ومسارعتهم إِلَى الطَّاعَة حَتَّى يعلمُوا أَن سَعْيهمْ مشكور ونصحهم مذخور ٣٦ ب يتقدمون بِهِ ويتجازون عَلَيْهِ فَإِن ذَلِك مفض بهم إِلَى ثَلَاث خِصَال تصلح بهَا أُمُورهم وينتظم بهَا تدبيرهم
إِحْدَاهُنَّ أَن يزْدَاد محسنهم طَاعَة وَنصحا طلبا للزِّيَادَة فِي التَّقْدِيم ورغبة مضاعفة الْجَزَاء
وَالثَّانيَِة أَن يرغب من قصر مِنْهُم أَو أَسَاءَ فِي مثل مَا ناله المحسن من منزلَة وَجَزَاء فيتأسى بِهِ فِي الطَّاعَة ويساويه فِي المناصحة
وَالثَّالِثَة أَن يكف المقصر عَن طلب مَا لَا يسْتَحقّهُ ويتأخر عَن مقَام لَا يستوجبه ويرضى بالخمول إِن صغرت همته ويقنع بالتقصير إِن ضعفت منته فَإِن حركته حمية لم يتَرَدَّد إِن لم يزدْ
[ ١٧٢ ]
وَالشّرط الثَّالِث
أَن يقوم بكفاياتهم حَتَّى لَا يحتاجوا فَإِن الْحَاجة تدعوهم إِلَى خصْلَة من ثَلَاث لَا خير فِي وَاحِدَة مِنْهُنَّ
إِمَّا أَن يتسلطوا على أَمْوَال الرّعية
وَإِمَّا أَن يعدلُوا إِلَى من يقوم لَهُم بالإكفاء
وَإِمَّا أَن يشتغلوا بمكسب فيوهنوا وَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهِم لم يغنوا مَا بذلوا انفسهم إِلَّا لقِيَامه بكفايتهم
وَقد قيل
من وثق بإحسانك أشْفق على سلطانك
وَمَتى اقتطعهم طلب الْكسْب ضعف فِي أنفسهم رجاؤه وَقل فِي أَعينهم عطاؤه ثمَّ إِن بدر عَلَيْهِم الْعَطاء فَلَا يحوجون إِلَى الْمُطَالبَة فَإِن المطالب جرئ وَفِي جرأتهم خرق للحشمة ووهن للهيبة وَقل مَا يخْتل الْملك إِلَّا بِمثلِهِ لِأَن بهم تدفع الخطوب الملمة فَإِذا كَانُوا هم الْخطب الملم فبمن يدْفَعُونَ إِلَّا بالتلطف والإنصاف فهم كالمثل السائر فِي قَول الشَّاعِر
(بالملح يصلح مَا يخْشَى تغيره فَكيف بالملح إِن حلت بِهِ الْغَيْر) // من الْبَسِيط //
وَقد كَانُوا يرَوْنَ الْقَصْد فِي إعطائهم قدر الْكِفَايَة أولى من التَّوسعَة عَلَيْهِم بِالزِّيَادَةِ لِأَن الزِّيَادَة تؤول بهم إِلَى إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ مذمومتين
[ ١٧٣ ]
إِمَّا إِلَى صرفهَا فِي الْفساد ليفسدوا
وَإِمَّا إِلَى الِاسْتِغْنَاء بهَا فيتقاعدوا
حكى ابْن ابْن قُتَيْبَة أَن أبرويز ٣٧ آقال لِابْنِهِ شيرويه وَهُوَ فِي حَبسه
لَا توسعن على جندك فيستغنوا عَنْك وَلَا تضيقن عَلَيْهِم فيضجوا مِنْك وأعطهم عَطاء قصدا وامنعهم منعا جميلا ووسع لَهُم فِي الرَّجَاء وَلَا توسع عَلَيْهِم فِي الْعَطاء
[ ١٧٤ ]
وَالشّرط الرَّابِع
أَن لَا تنطوي عَنهُ أخبارهم وَلَا تخفى عَلَيْهِ آثَارهم وهم رُعَاة دولته وحماة رَعيته
فَإِن تدلس سقيمهم وَستر جميلهم للقبيح سرى فيهم أَخبث الْأَمريْنِ لِأَن الشَّرّ أنفر بَين الْخَيْر فمالوا وأمالوا
وتلحقهم ثَلَاث آفَات خطرة تقدح فِي صَلَاحهمْ وتمنع فِي فلاحهم إِحْدَاهُنَّ أَن يكرهوا زمن السَّلامَة والمسالمة ويستقلوا مُدَّة الدعة لبوار نفاقهم وفتور أسواقهم فيجعلوا لفتق الرتوق أسبابا ويفتحوا لمخارجة الْعَدو أبوابا يتوصلون بهَا إِلَى مطامع حسمها السَّلَام والدعة فَإِن استدركت غوائلهم وَإِلَّا فهم الْخطب الأطم والفدح الْأَعَمّ
وَالثَّانيَِة
أَن يتَوَصَّل الْعَدو إِلَى استمالتهم لفرصة الْغَفْلَة عَنْهُم فَإِذا لم يمنعهُ التيقظ وَلم يكفه التحفظ وسهام الرغائب صائبة ظفر بكيده فاصطلم وَمَال بِهِ فاحتكم
وَالثَّالِثَة
أَن يَبْعَثهُم الإغفال على التسلط ويدعوهم الإهمال إِلَى التبسط
[ ١٧٥ ]
تطاولا للسلطنة فَلَا يقبضوا يدا عَن إِرَادَة يستهلكون بهَا الْأَمْوَال ويستأصلون بهَا الْأَحْوَال فتكثر بهم الرزايا وتهلك بهم الرعايا ويكونوا أضرّ بِالْملكِ من كل متغلب وأذكى فِيهِ من كل متوثب وَهَذَا لَا ينحسم إِذا اسْتمرّ إِلَّا بالزواجر الْقَاهِرَة وهم يَده الباطشة فيستعين بمستقيمهم إِن ظفر بِتَسْلِيم مُسْتَقِيم وَإِلَّا فَإلَى عطب يؤول إِلَى الْفساد فبعيد أَن يعم فسادهم وَفِي الْملك ثبات
فَإِن ٣٧ ب أسعده الْفضل بصلاحهم استدرك مَا يستأنفه بالبحث عَن أَحْوَالهم المستقلة وَلم يغْفل عَن صَغِير لكبير فَإِن كبار الْأُمُور تبدو صغَارًا كالنار يصير إغفال قليلها ضرا مَا لم يسْتَدرك
وأصعب مَا يعانيه الْمُدبر للدولة سياسة الْجند لِأَن بهم يقهر حَتَّى يسوس وَإِذا عجز بفسادهم صَار مقهورا وَإِن ساسهم بحزمه حَتَّى انقادوا كَانَ لَهُم بِالْقُوَّةِ سُلْطَانا وَكَانُوا لَهُ بِالطَّاعَةِ أعوانا وَقد قيل
من عَلَامَات الدولة قلَّة الْغَفْلَة