فَإِذا وضح مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَوَاعِد الْأَخْلَاق من مَحْمُود الْفَضَائِل ومذموم الرذائل فشريف الْأَفْعَال لَا يتَصَرَّف فِيهِ إِلَّا بشريف الْأَخْلَاق سَوَاء كَانَ طبعا أَو تطبعا لِأَن الْأَفْعَال نفائج الْأَخْلَاق ونوازع الهمم وَقد نبه الله تَعَالَى على ذَلِك فِي كِتَابه الْعَزِيز بقوله لنَبيه ﷺ
﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾
لِأَن النُّبُوَّة لما كَانَت أشرف منَازِل الْخلق لاشتمالها على مصَالح الدّين وَالدُّنْيَا ندب الله تَعَالَى لَهَا من قد أكمل فَضَائِل الْأَخْلَاق وَحَازَ أشرف الأعراق وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(بعثت بمكارم الْأَخْلَاق)
كَذَلِك الْإِمَارَة والإمامة لما كَانَت تالية لحالها وَجب أَن تكون
[ ٤٤ ]
مشاكلة لخصالها فَلَزِمَ أَن ينتدب لَهَا من قد أنهضته الْفَضَائِل حَتَّى تهذب واستقل بحقوقها حَتَّى تدرب ليسوس الرعايا بآلته ويباشر التَّدْبِير بصناعته فَلذَلِك كَانَ الْخُلَفَاء الراشدون رضوَان الله عَلَيْهِم أَحَق من تكاملت فيهم فَضَائِل ١٠ ب الْأَخْلَاق طبعا وتطبعا وَأولى من صدرت عَنْهُم محَاسِن الْأَفْعَال سجية وتصنعا لأَنهم رُعَاة مطاعون ودعاة إِلَى الْحق مجابون ليَكُون الْأَفْضَل سائسا للمفضول والأعدل مُقَومًا للجهول فيجتذبهم بِكَمَال فضائله إِلَى الِاقْتِدَاء بأخلاقه وطرائقه فَأكْثر الرعايا أَتبَاع لأمرائهم وملوكهم فِي الْخَيْر وَالشَّر وَالْجهل وَالْجد والهزل
قَالَ النَّبِي ﷺ
(إثنان من النَّاس إِذا صلحا صلح النَّاس وَإِذا فسدا فسد النَّاس الْعلمَاء والأمراء)
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
الْملك كالبحر تستمد مِنْهُ الْأَنْهَار فَإِذا كَانَ عذبا عذبت وَإِذا كَانَ مالحا ملحت
[ ٤٥ ]