وَيَنْبَغِي للْملك أَن لَا يمْضِي الْأُمُور المستبهمة بهاجس رَأْيه وَلَا ينفذ عَزَائِمه المحتملة ببداهة فكره تَحَرُّزًا من إفشاء سره وأنفة من الِاسْتِعَانَة بِغَيْرِهِ حَتَّى يشاور ذَوي الأحلام والنهى ويستطلع بِرَأْي ذَوي الْأَمَانَة والتقى ٢٠ ب مِمَّن حنكتهم التجارب فارتاضوا بهَا وَعرفُوا موارد الْأُمُور وحقائق مصادرها فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ استبداده بِرَأْيهِ أضرّ عَلَيْهِ من إذاعة سره وَلَيْسَ كل الْأُمُور أسرار مكتومة وَلَا الْأَسْرَار المكتومة بمشاورة النصحاء فَاشِية مَعْلُومَة
قَالَ النَّبِي ﷺ
(مَا سعد أحد بِرَأْيهِ وَلَا شقى عَن مشورة)
وَقَالَ لِمعَاذ بن جبل
(استشر فَإِن المستشير معَان والمستشار مؤتمن وَاحْذَرْ الْهوى فَإِنَّهُ قَائِد الأشقياء)
[ ٩٩ ]
وَقد قيل
الاستشارة عين الْهِدَايَة وَقد خاطر من اسْتغنى بِرَأْيهِ
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
حق على الْعَاقِل أَن يضيف إِلَى رَأْيه آراء الْعلمَاء وَيجمع إِلَى عقله عقول الْحُكَمَاء فَالرَّأْي الْفَذ رُبمَا زل وَالْعقل الْفَرد رُبمَا ضل
ويعتمد على استشارة من صَلَاحه يكون مَوْصُولا بصلاحه إِذا كَانَ عريا من الْهوى فالهوى مخدعة الْأَلْبَاب ومضلة الصَّوَاب
[ ١٠٠ ]
والعداوة تصد عَن النصح والإنصاف وتبعث على الْغِشّ والإجحاف وَلَا يَصح مَعَ أحد هذَيْن رَأْي لمشير وَلَا يخلص فيهمَا
قَالَ النَّبِي ﷺ
(حبك الشَّيْء يعمي ويصم)
أَي يعمي عَن الرشد ويصم عَن الموعظة
وَكَذَلِكَ حَال البغض الَّذِي هُوَ ضِدّه لِأَنَّهَا خُرُوج من الْعدْل إِلَى تَقْصِير أَو سرف
[ ١٠١ ]
وَإِذا ظفر بِالرَّأْيِ مِمَّن لَا يرَاهُ للمشورة أَهلا أخفاه حَتَّى لَا يتخطى عَلَيْهِ غير أَهله وَلم يستنكف من الْعَمَل بِهِ فَإِن القرائح لَيست على قدر الأخطار والرتب وَإِنَّمَا هِيَ ذخائر مستودعة فِيمَن منحها من نبيه وخامل كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ
(النَّاس معادن كمعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة)
فَلَا يتَصَوَّر قبح الْحَاجة إِلَى رَأْي من قل فَلَيْسَ يُرَاد للمباهاة والافتخار فتلتمس فِيهِ أَعْيَان ذَوي الأخطار وَإِنَّمَا يُرَاد للصَّوَاب وَالِانْتِفَاع كالضالة ٢١ آلا يمنعهُ من أَخذهَا مهانة ملتقطها وكاللؤلؤة لَا يمنعهُ من لبسهَا ذلة غائصها وَكفى بالإنسان سَعَادَة أَن تسهل عَلَيْهِ المطالب فيدرك مُرَاده بِأَهْوَن سعي وَأَقل عناء
وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِذا عمل بِالرَّأْيِ أَن يعزيه إِلَى قَائِله وينسبه إِلَى صَاحبه فيوتهن بمهانته ويعاب بذلته وَإِنَّمَا يتَنَبَّه بِهِ على صَوَاب مَا يَأْتِي وسداد مَا يُرِيد
[ ١٠٢ ]
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(كلمة الْحِكْمَة ضَالَّة الْحَكِيم حَيْثُ مَا وجدهَا فَهُوَ أَحَق بهَا)
قَالَ بعض البلغاء
من كَمَال عقلك استظهارك على عقلك
وَقَالَ بعض البلغاء
إِذا أشكلت عَلَيْك الْأُمُور وَتغَير لَك الْجُمْهُور فَارْجِع إِلَى رَأْي
[ ١٠٣ ]
الْعُقَلَاء وافزع إِلَى استشارة الْعلمَاء وَلَا تأنف من الاسترشاد وَلَا تستنكف من الاستمداد فَلِأَن تسْأَل وتسلم خير من أَن تستبد وتندم
قَالَ بعض الْعلمَاء
من اسْتغنى بِرَأْيهِ ضل وَمن اكْتفى بعقله زل
وَإِذا لم يَأْته الرَّأْي عفوا وَلَا وصل إِلَيْهِ من غَيره تَبَرعا أَكثر من استشارة ذَوي الْأَلْبَاب وَلَا سِيمَا فِي الْأَمر الْجَلِيل والخطب المستبهم فَإِن لكل عقل ذخيرة من الصَّوَاب وحظا من التَّدْبِير ولقل مَا فضل عَن الْجَمَاعَة رَأْي لَا يعرف صَوَابه وَيشكل عَلَيْهِم أَمر لَا يفهم جَوَابه
وَليكن أهل المشورة متصافين فِي الْمحبَّة برَاء من عَدَاوَة أَو بغضة ليعرف كل وَاحِد مِنْهُم لصَاحبه بِالصَّوَابِ إِذا ظفر بِهِ وَلَا يَبْعَثهُ الْحَسَد والعناد على رده فَإِن تعاندوا شغلهمْ العناد عَن الِاجْتِهَاد فَلَنْ يحظوا بِرَأْي وَلم يظفروا بصواب لالتباس الرَّأْي بنفور العناد
وَيَنْبَغِي أَن يجمعهُمْ على المشورة فِي ٢١ ب بديهة الرَّأْي ليجتهد
[ ١٠٤ ]
كل وَاحِد مِنْهُم رَأْيه ويستكمل خاطره ليتخصص برتبة الْمُجيب وَيجمع فِي حظوة الْمُصِيب
فَإِن اجْتَمعُوا فِي ابْتِدَاء الرَّأْي كَانُوا فِيهِ بَين أَمريْن
إِمَّا أَن يقودهم أول رَأْي مِنْهُم إِلَى مُتَابَعَته فيصيروا مفوضين لرأي وَاحِد قلدوه وهم أكفاء وتابعوه وهم نظراء
وَإِمَّا أَن يَخْتَلِفُوا فيتنابذوا ويتشاغل كل وَاحِد مِنْهُم بنصرة رَأْيه حَقًا كَانَ أَو بَاطِلا فَيخرج بالمناظرة عَن حكم الْمُجْتَهد والمنابذة عَن حكم المتأيد
وكما أَن الأصوب إفرادهم فِي ابْتِدَاء الرَّأْي فَكَذَلِك الأصوب أَن لَا يطلع بَعضهم على استشارة بعض ليجتهد كل وَاحِد مِنْهُم فكره ويستنفد وَسعه حَتَّى إِن حظي بدرك الصَّوَاب تخصص برتبة التعويل وتميز بنباهة الْقبُول
وَليكن مَعَ ذَلِك غير وان فِي الْفِكر وَلَا مقصر فِي الارتئاء تعويلا على رَأْي من شاوره لِئَلَّا يصير فِي الرَّأْي مفوضا وَفِي الْأَمر مُقَلدًا