قَالَ بعض الْحُكَمَاء
الاستسلام إِلَى رَأْي المشير هُوَ الْعدْل الْخَفي
وَإِذا أظهرُوا كوامل آرائهم عرضهَا على عقله وسبرها بفكره وتصفح مباديها وعواقبها وسألهم عَن أَسبَابهَا ونتائجها وباحثهم عَن أُصُولهَا وفروعها سُؤال منصف لَا متعنت وطالب للصَّوَاب لَا للرَّدّ ليستوضح الْحق من الْبَاطِل وَيعلم الصَّحِيح من الْفَاسِد وَلَا يُبْدِي لَهُم رَأْيه إِن خالفهم وَلَا أَنه يَأْخُذ بِهِ وَيعْمل عَلَيْهِ إِن وافقهم ليجري الْأَمر على
[ ١٠٥ ]
استبهامه حَتَّى يعْمل بِهِ ليظْهر بِالْفِعْلِ دون الْعَزْم ليستفيد بذلك أَربع خِصَال
إِحْدَاهُنَّ صَوَاب رَأْيه وَصِحَّة رويته
وَالثَّانيَِة معرفَة عقل المشير وصواب رَأْيه
وَالثَّالِثَة وضوح مَا استعجم ٢٢ آمن الرَّأْي وانفتاح مَا استغلق من الصَّوَاب
وَالرَّابِعَة طي عزمه عَن الإشاعة والتحرز فِيهِ من خطر الإشاعة
فَإِذا تقرر لَهُ الرَّأْي الَّذِي لَا يخالطه فِيهِ ارتياب وَلَا تعارضه فِيهِ شُبْهَة أَمْضَاهُ وَلم يؤاخذهم بعواقب الإكداء ودرك الزلل فَإِنَّمَا على الناصح الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَان النجح لِأَن أقضية الله خافية وأقداره غالبة لَا يَدْفَعهَا رَأْي مُجْتَهد وَلَا يصد عَنْهَا روية مناصح فَلم يتَوَجَّه إِلَيْهِ لوم إِن أكدى وَلم يقْدَح فِيهِ ذمّ إِن أَخطَأ
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
الْحَوَائِج تطلب بالعناء وتدرك بِالْقضَاءِ
قَالَ الشَّاعِر
[ ١٠٦ ]
(ألم تَرَ أَن الدَّهْر يلْعَب بالفتى وَلَا يملك الْإِنْسَان دفع الْمَقَادِير) // من الطَّوِيل //
وَمَتى عرف مِنْهُ تعقب المشير بلوم أَو ذمّ أسلم إِلَى رَأْيه وَهُوَ ملوم ووكل إِلَى تَدْبيره وَهُوَ مَذْمُوم فَبَقيَ بالمتاركة فَردا لَا يعاضد ومهملا لَا يساعد وَبِه من الْحَاجة إِلَى مشورة ذَوي الرَّأْي مَا لَا يجد مِنْهُ بدا
قَالَ الشَّاعِر
(من كَانَ ذَا عضد يدْرك ظلامته إِن الذَّلِيل الَّذِي لَيست لَهُ عضد) // من الْبَسِيط //
[ ١٠٧ ]
فضعفت منته بالمتاركة وَقلت مساعدته بالإهمال فتموجت بِهِ الخطوب وتنكرت عَلَيْهِ الْقُلُوب
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
لَو كَانَت الْمُلُوك تعرف مِقْدَار حَاجتهم إِلَى ذَوي الرَّأْي من النَّاس مثل الَّذِي يعرف أهل الرَّأْي من حَاجتهم إِلَى الْمُلُوك لم أر عجبا أَن ترى مواكب الْمُلُوك على أَبْوَاب الْعلمَاء كَمَا ترى مواكب الْعلمَاء على أَبْوَاب الْمُلُوك
٢٢ - ب
[ ١٠٨ ]