ليكن من دأب الْملك تَهْذِيب نَفسه بسبر أخلاقه وتصفح أَحْوَاله وأفعاله فَإِنَّهُ لَا يحبذ عَلَيْهَا بإنكار وَإِن استنكرت وَلَا يواجه عَلَيْهَا بإكبار وَإِن أكبرت وَلَا يسمع لَهَا بذم وَإِن ذمت وَلَا يلقى فِيهَا إِلَّا بِمَا يرضيه من سداد مختلها ٢٩ ب وَصَلَاح معتلها
فَإِن ترك نَفسه وَهُوَ مَتْرُوك محتشم وأهملها وَهُوَ مُطَاع مُعظم قَادَهُ الْهوى فِي الْقُدْرَة إِلَى مساوئ الْأَخْلَاق وَسَاقه الإهمال والمتاركة إِلَى قبائح الْأَفْعَال
قَالَ بعض الألباء
من عمل عملا فِي السِّرّ يستحيي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَة فَلَيْسَ لنَفسِهِ عِنْده قدرَة
[ ١٤١ ]
فيهذب الْملك نَفسه بِنَفسِهِ ويستعين فِي صَلَاحهَا بحزمه ويراقب وليه كَمَا يراقب عدوه وَلَا تحدث لَهُ الثِّقَة والأنسة والانبساط ترك التحفظ عِنْد ولي أَو نسيب فَمن عرف مِنْهُم زلته اسْتَقل هيبته
وَقد يصير الموَالِي المؤنس عدوا وموحشا فينم بِمَا علم
قَالَ بعض الْعلمَاء
ليكن استحياؤك من نَفسك أَكثر من استحيائك من غَيْرك
وَقيل
مَا أَحْبَبْت أَن تسمعه أذناك فأته وَمَا كرهت أَن تسمعه أذناك فاجتنبه
فَهَذِهِ جملَة كَافِيَة فِي أَخْلَاق الْملك الرشيد وَالله ولي التَّوْفِيق والتسديد
[ ١٤٢ ]
الْبَاب الثَّانِي فِي سياسة الْملك
تمهيد
قَالَ أقضى الْقُضَاة ﵀
حق على من مكنه الله تَعَالَى من أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده أَن يُقَابل جزيل نعْمَته بِحسن السريرة وَيجْرِي من الرّعية بجميل السِّيرَة
قَالَ الله تَعَالَى ٣٠ آ
﴿يَا دَاوُد إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى﴾
وَقَالَ ﷿
﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾
[ ١٤٣ ]
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(من سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء)
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ
لَو ضَاعَت سخلة على شاطئ فرات لَخَشِيت أَن يسألني الله عَلَيْهَا
وَحكي أَن عُثْمَان بن عبد الله وقف على مُحَمَّد بن سَمَّاعَة القَاضِي وَهُوَ فِي مجْلِس قَضَائِهِ يحكم بَين النَّاس فَقَالَ
[ ١٤٤ ]
إسمع لَا سَمِعت يَا ابْن سَمَّاعَة وَأنْشد يَقُول
(لقد كلفت يَا مِسْكين أمرا تضيق لَهُ قُلُوب الخائفينا)
(أتعلم أَن رب الْعَرْش قَاض وتقضي أَنْت بَين العالمينا) // من الوافر //
فَقَامَ ابْن سَمَّاعَة من مَجْلِسه ودموعه تجْرِي على خديه
فَلَيْسَ أحد أَجْدَر بالحذر والإشفاق وَأولى بِالنّصب وَالِاجْتِهَاد مِمَّن تقلد امور الرّعية لِأَنَّهَا أَمَانَة الله الَّتِي أَمنه عَلَيْهَا ورعيته الَّتِي استرعاه فِيهَا واستخلفه على أمورها وَهُوَ تَعَالَى ولي السُّؤَال عَنْهَا
وَلِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حسم مواد الِاعْتِرَاض مِنْهَا على أَفعاله وكف ألسنتها عَن رد مَا رَآهُ فِي اجْتِهَاده وَأوجب عَلَيْهَا طَاعَته وألزمها الانقياد لحكمه وَأمرهمْ أَن يتصرفوا بَين أمره وَنَهْيه فَقَالَ تَعَالَى
﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم﴾
[ ١٤٥ ]
وَجعل صَلَاح جَمَاعَتهمْ بصلاحه وَفَسَاد أُمُورهم بفساده لِأَنَّهُ قلب وهم أَطْرَاف وقطب وهم أكناف
٣٠ - ب
قَالَ بعض الْعُقَلَاء
رشاد الْوَالِي خير من خصب الزَّمَان
وأرشد الْوُلَاة من حرس بولايته الدّين وانتظم بنظره صَلَاح الْمُسلمين لِأَن الدّين يصلح سرائر الْقُلُوب وَيمْنَع من ارْتِكَاب الذُّنُوب وَيبْعَث على التأله والتناصف وَيَدْعُو إِلَى الألفة والتعاطف وَهَذِه قَوَاعِد لَا تصلح الدُّنْيَا إِلَّا بهَا وَلَا يَسْتَقِيم الْخلق إِلَّا عَلَيْهَا وَإِنَّمَا السلطنة زِمَام لحفظها وباعث على الْعَمَل بهَا وَلَو أهملوا ونوازع الْأَهْوَاء جاذبة وَاخْتِلَاف الآراء مُتَقَارِبَة لتمارحوا وتغالبوا وَلما عرف حق من بَاطِل وَلَا تميز صَحِيح من فَاسد وَلَيْسَ فِي الْعقل مَا يجمعهُمْ على حكم يتساوى فِيهِ قويهم وضعيفهم ويتكافأ فِيهِ شريفهم ومشروفهم فَلذَلِك وقفت مصالحهم على دين يقودهم إِلَى جمع الشمل واتفاق الْكَلِمَة وَيَنْقَطِع بِهِ تنازعهم وتنحسم بِهِ مواد أطماعهم وَاخْتِلَافهمْ وَتصْلح بِهِ سرائرهم وتنحفظ بِهِ أمانتهم
[ ١٤٦ ]
وَرُبمَا أهمل بعض الْمُلُوك الدّين وعول فِي أُمُوره على قوته وَكَثْرَة أجناده وَلَيْسَ يعلم أَن أجناده إِذا لم يعتقدوا وجوب طَاعَته فِي الدّين كَانُوا أضرّ عَلَيْهِ من كل ضد مباين لاقتراحهم عَلَيْهِ مَا لَا ينْهض بِهِ وتحكمهم عَلَيْهِ بِمَا لَا يثبت لَهُ فَإِن سمعُوا بنابغ نبغ عَلَيْهِ قوي طمعهم فِي اجتياح أَمْوَاله وَلم يقنعهم اسْتِيعَاب حَاله وَكَانَ مِنْهُم على شفا جرف هار لَا يَأْمَن سطوتهم بِهِ
وَقد قيل
من جعل ملكه خَادِمًا لدينِهِ انْقَادَ لَهُ كل سُلْطَان وَمن جعل دينه خَادِمًا لملكه طمع فِيهِ كل إِنْسَان
[ ١٤٧ ]