وللكبر أَسبَاب
فَمن أقوى أَسبَابه كَثْرَة المتقربين وإطراء المتملقين
الَّذين قد استبضعوا الْكَذِب والنفاق وَاسْتَحَبُّوا الْمَكْر وَالْخداع لدناءة أنفسهم وضعة أقدارهم فَإِذا وجدوا لنفاقهم سوقا ولكذبهم تَصْدِيقًا جَعَلُوهُ فِي ذمم النوكى سلما تسلقوه ومغنما أحرزوه فاعتاضوا بِهِ دينا وعوضوا مِنْهُ شَيْئا وَحكم الممدوح بكذب قَوْلهم على صدق علمه بِنَفسِهِ وَجعل لَهُم طَرِيقا إِلَى الِاسْتِهْزَاء بِهِ لأَنهم صدعوه فانصدع وخدعوه فانخدع
وَمن ١٢ آأجل ذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ
(احثوا فِي وُجُوه المداحين التُّرَاب)
[ ٥٢ ]
وَقَالَ ﷺ
(إيَّاكُمْ والمدح فَإِنَّهُ الذّبْح)
وَقيل لأنوشروان
لم تتهاونون بالمدح إِذا مدحتم
فَقَالَ لأننا رُبمَا رَأينَا ممدوحا هُوَ بالذم أَحَق
وَقيل
حب الْمَدْح وَاسِطَة بَين الْفَضَائِل والرذائل فَهِيَ آخر الرذائل وَأول الْفَضَائِل
[ ٥٣ ]
وَحمل هَذَا على إِطْلَاقه ذَلِك
وَالصَّوَاب أَن يعْتَبر فَإِن أحب الْمَدْح ليلتذ بِسَمَاع مَا لَيْسَ فِيهِ كَانَ رذيلة ونقصا وَإِن أحبه ليفعل مَا يمدح بِهِ كَانَ فَضِيلَة لِأَنَّهُ يبْعَث على فعل الْفَضَائِل وَمَا بعث عَلَيْهَا كَانَ مِنْهَا
وَهَذَا أَمر يَنْبَغِي لكل عَاقل أَن يراعيه من نَفسه وَيفرق بَين متملقه احتيالا لما لَدَيْهِ وَبَين من يخلص لَهُ النَّصِيحَة من أهل الصدْق وَالْوَفَاء الَّذين هم مرايا محاسنه وعيونه وأمناء مشهده ومغيبه
قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد ﵇
شفتا الصّديق رحمتان وشفتا الْعَدو تنطق بالعداوة
وَقيل لبَعض الْحُكَمَاء
من أولى بك مِنْك وأصدق فِي نصيحتك من نَفسك لَك
قَالَ
من صدقني إِن نزعت ونبهني إِن غفلت
فَإِن أغفل هَذَا الْفرق والتمييز واستسهل الاغترار والتجويز داهن نَفسه ونافق عقله واستفسد أهل الْوَفَاء والصدق وَصَارَ مأكلة النِّفَاق والملق فأعقبه أَذَى ومضرة وتورط بِهِ فِي شُبْهَة وحيرة واكتسب بِهِ هجنة ومعرة
وَقد قيل
الْمُنَافِق نصف حسده بِلَا عقل
وَالسُّلْطَان أولى من حذر ذَلِك وتوقاه لِأَن حَضرته لِكَثْرَة الراغبين فِيهَا كالسوق الَّتِي يجلب إِلَيْهَا مَا ينْفق فِيهَا وكل دَاخل عَلَيْهِ إِنَّمَا يُرِيد التَّقَرُّب إِلَيْهِ بقوله وَفعله إِمَّا طَالبا للمنزلة وَإِمَّا ١٢ ب اجتذابا للمنفعة وَإِمَّا حذرا من الْمُخَالفَة
فَإِذا لم يزجرهم عقل وَلم يَكفهمْ
[ ٥٤ ]
دين مرحوا فِي نفاقهم فخانوا وشانوا
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
(لَا يمنعن أحدكُم رهبة السُّلْطَان أَن يَقُول بِحَق إِذا رَآهُ فَإِنَّهُ لَا يقرب من أجل وَلَا يباعد من رزق)
فَإِذا اتسق لَهُم النِّفَاق ورأوه من أرْفق الأرزاق عدلوا عَن زواجر الْعقل والمناصحة إِلَى مساعدة الْملك على رَأْيه لأَنهم قد علمُوا مِنْهُ إِيثَار الْمُوَافقَة على الْهوى وَحب الْمَدْح والإطراء فَجعلُوا ذَلِك أربح بضائعهم لَدَيْهِ وألطف وسائلهم إِلَيْهِ وَهُوَ سهل التَّكَلُّف لَا يجد المتوسل المتقرب بِهِ مسا فيتصور ذمه حمدا وَقد اكْتسب بِهِ ذما ويتوهم قبيحه حسنا وَقد أورثه قباحة وشينا ثمَّ لَا يجد ناصحا سليما وَلَا مراقبا رحِيما لِأَن النصح عِنْده بائر مرذول وَالْخداع إِلَيْهِ نَافق مَقْبُول فَإِن روقبت هفواته بالإغضا وسوعد عَلَيْهَا بِالرِّضَا طاح فِي إغوائه ومرح فِي غلوائه فطمس بهجة محاسنه وأوهى جلالة قدره وَقد قَالَ العتابي الشَّاعِر
[ ٥٥ ]
(لوم يعيذك من سوء تقارفه أبقى لعرضك من قَول يداجيكا)
(لقد رمى بك فِي تيهاء مهلكة من كَانَ يكتمك الْعَيْب الَّذِي فيكا) // من الْبَسِيط //
وَهَذَا مِمَّا يجب أَن يتوقاه الْملك ويحذره ليكفى مخادعة الْهوى ويميزه عَن مداهنة النَّفس
قَالَ النَّبِي ﷺ
(إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعل لَهُ واعظا من نَفسه)
[ ٥٦ ]
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
من لم يكن لَهُ من نَفسه واعظ لم تَنْفَعهُ المواعظ
[ ٥٧ ]