ثمَّ الْخلق الثَّالِث وَهُوَ السماحة وَالعطَاء فَإِن وقف على حَده
[ ١١٠ ]
وَهُوَ بذل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الْحَاجة وإيصاله إِلَى مُسْتَحقّه بِحَسب الطَّاقَة كَانَ مَحْمُود الْبَذْل مشكور الْعَطاء
وَإِن تجَاوز هَذَا الْحَد فَأعْطى فِي غير حق وبذل من غير تَقْدِير صَار مَنْسُوبا إِلَى التبذير والإضاعة وَصَارَ بِإِزَاءِ تبذيره حُقُوق مضاعة
قيل كل شرف فبإزائه حق مضيع
وَإِذا انْتَشَر أَن أَمْوَاله تنَال بِغَيْر اسْتِحْقَاق وتدرك بِغَيْر سعي ثارت بِهِ مطامع المحتذين وتكاثرت عَلَيْهِ وُفُود السَّائِلين الَّذين ألفوا كلف الاحتراف واستبدلوا بِهِ دني الاقتراف فَإِن رام رضى جَمِيعهم لم يطق لاتساع آمالهم وَقُوَّة أطماعهم وَلَو أطَاق لأفسد سعي اتِّبَاعه وتخبثت نيات أشياعه إِذْ سوى فِي الْعَطاء بَينهم وَبَين من لم يسع ٢٣ ب سَعْيهمْ وَلَا سد فِي الموازرة والمظاهرة مسدهم
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
لَا خير فِي السَّرف وَلَا سرف فِي الْخَيْر
[ ١١١ ]
وَإِن خص بالعطاء قوما وَحرم قوما لم يكن بَين من أعطَاهُ وَهُوَ غير مُسْتَحقّ وَبَين من حرمه فرق ولحقه من ذمّ من حرمه أَضْعَاف مَا لحقه من حمد من وَصله وَلَيْسَ يمْنَع هَذَا من التَّبَرُّع بالصلة وَمن مُرَاعَاة من أمت بجرمة إِذا ظَهرت أَسبَابهَا وتلوح صوابها لِأَن الْمُلُوك مطَالب ذَوي الْحَاجَات وذخائر ذَوي الحرمات
وَهَذَا فِي حُقُوق الساسة من الْوَاجِبَات
والسخاء خلق مركب من الْحيَاء والإيثار