ثمَّ الْخلق الرَّابِع الْمُقَابل لهَذَا الْخلق وَهُوَ الْبُخْل والإمساك الْمُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق النصحاء وتنكر الألباء واستطالة الْأَعْدَاء فَإِن الْأَمْوَال تصير إِلَى الْمُلُوك لتوضع فِي حَقّهَا وتفرق على مستحقها لَا ليعدل بهَا عَن الْعَطاء إِلَى الْمَنْع وَعَن التَّفْرِقَة إِلَى الْجمع
وَقد قيل
من جمع المَال لنفع غَيره أطاعوه وَمن جمعه لنفع نَفسه أضاعوه
[ ١٢١ ]
وَإِذا شح وَمنع اعْتقد كل مَمْنُوع أَنه غَرِيم مماطل مُسْتَحقّ مَدْفُوع لَا يعْذر إِن منع وَلَا يشْكر إِن أعطي يرى أَن أَيَّام السَّلامَة مغرم وَأَن أَيَّام الِاخْتِلَاط مغنم فَهُوَ على رصد من تقلب الزَّمَان وتوقع الْغَيْر والحدثان ثمَّ تَدعُوهُ الضَّرُورَة إِن تطاولت بِهِ الْمدَّة إِلَى الْخِيَانَة فِي أَمَانَته والغش فِي نصيحته وَقبُول الرشا فِي مضرته فيعكس عَلَيْهِ قَوَاعِد دولته وَيفْسد لَهُ نظام مَمْلَكَته
قَالَ بعض الْحُكَمَاء
إِذا بخل ٢٤ آالملك كثرت أراجيف النَّاس عَلَيْهِ وفسدت مَوَدَّتهمْ لَهُ
وَإِذا اعتدل فِيهِ هَذَانِ الخلقان فِي الْعَطاء وَالْمَنْع فَلم ينقبض فِي حق وَلم ينبسط فِي بَاطِل وسرف صلح واستصلح
وَقَالَ هِشَام بن عبد الْملك
إِنَّا لَا نعطي تبذيرا وَلَا نمْنَع تقتيرا إِنَّمَا نَحن خزان الله ﷿ فَإِذا أحب أعطينا وَإِذا كره أَبينَا وَلَو كَانَ كل قَائِل يصدق وكل سَائل يسْتَحق مَا جبهنا قَائِلا وَلَا رددنا سَائِلًا
وَالْبخل خلق مركب من القحة والأسف
[ ١١٣ ]
فَهَذِهِ أَخْلَاق إِذا أَخذ الْملك نَفسه بتعديلها فِيهِ اتسقت لَهُ السياسة العادلة وانتظمت لَهُ السِّيرَة الفاضلة
فَإِن خرج الْملك عَن الْقَصْد والاعتدال الْمَحْمُود فِي الْعَطاء وَالْمَنْع إِلَى أحد الطَّرفَيْنِ المذمومين من زِيَادَة فِي الْعَطاء بسخائه أَو زِيَادَة فِي الْمَنْع ببخله فقد تَنْقَسِم أَحْوَال الْمُلُوك فِيهَا أَرْبَعَة أَقسَام
أَحدهمَا ملك سخي على نَفسه سخي على رَعيته
وَالثَّانِي ملك بخيل على نَفسه بخيل على رَعيته
وَالثَّالِث ملك سخي على نَفسه بخيل على رَعيته
وَالرَّابِع ملك بخيل على نَفسه سخي على رَعيته
وَقد اخْتلفت طوائف الْأُمَم أَي الْأَرْبَعَة أقرب إِلَى الصَّوَاب وَأبْعد من الْعَيْب وَإِن لم يخل بِالْخرُوجِ عَن الِاعْتِدَال من خطأ وعيب على أَرْبَعَة آراء
فرأي الرّوم أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ الْبَخِيل على نَفسه وعَلى رَعيته لِأَنَّهُ مستبق وَغير مستهلك
ورأي الْهِنْد أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ السخي على نَفسه السخي على رَعيته لِأَنَّهُ منتفع وَنَافِع
ورأي الْفرس أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ السخي على نَفسه الْبَخِيل ٢٤ ب على رَعيته لأَنهم يرَوْنَ تنعيم النُّفُوس من الْوَاجِبَات فَكَانَ حق نَفسه أَحَق بِهِ من حق غَيره
ورأي الْعَرَب أَن أقربهم إِلَى الصَّوَاب وأبعدهم من الْعَيْب هُوَ الْبَخِيل على نَفسه السخي على رَعيته لِأَنَّهُ إِيثَار غَيره على نَفسه
[ ١١٤ ]
وَقد جَاءَ الْقُرْآن بِمَا يظْهر هَذَا فِي قَول الله ﷿
﴿ويؤثرون على أنفسهم وَلَو كَانَ بهم خصَاصَة وَمن يُوقَ شح نَفسه فَأُولَئِك هم المفلحون﴾
وَقد ظهر ذَلِك فِي أشعار الْعَرَب حَتَّى قَالَ بَعضهم
(وَإنَّك إِن أَعْطَيْت بَطْنك همه وفرجك نالا مُنْتَهى الذَّم أجمعا) // من الطَّوِيل //
[ ١١٥ ]