في ذكر جملة من الكبار والصغائر
اعلم - وفقنا الله وإياك لاجتناب مناهيه واجتلاب مراضيه والوقوف مع حدود السنة الغراء والحفظ من ارتكاب البدع والأهواء-.
أنه لا يجوز للمرء أن ينكر أن ينكر فعلًا حتى يعلم أنه منكر، ولا يشترط في المنكر أن يكون عالمًا بغيره من الأحكام.
فرأيت من المتعين إفراد باب لذكر جمل من الكبائر والصغائر وأردفه بباب مختصر فيما نهى عنه ﷺ نهيًا يقتضي التحريم والكراهية، ثم أردفها بباب فيه ذكر جمل من المنكرات المألوفات والبدع المحدثات، كل ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار، وربما أشير في بعضها إلى طرق من الأدلة النبوية ليكون عدة للمنكر بما اشتمل عليه من الزجر والترهيب.
والله أسال الهداية وبه أستعين.
اعلم:
أن العلماء اختلفوا في حد الكبيرة وتمييزها عن الصغيرة.
فجاء عن ابن عباس -﵄- أن كل شئ نهي الله عنه فهو كبيرة.
وبهذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني.
وحكى القاضي عياض هذا عن المحققين لأن كل مخالفة فهي بالنسبة إلى إجلال الله تعال كبيرة. وضعف الغزالي في الإحياء هذا القول.
[ ١٣١ ]
وذهب جماهير العلماء إلى انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر.
وهو الصحيح لقوله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١].
ولقوله ﷺ «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر» رواه مسلم.
وفي معناه أحاديث كثيرة.
ثم اختلف هؤلاء في ضبط الكبائر/ وحدها لتتميز عن الصغيرة:
روى عن ابن عباس ﵁ قال: «الكبائر كل ذنب ختمه الله تعالى بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب» رواه ابن أبي طلحة وأخرجه ابن جرير في تفسيره.
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس معناه وقيل: إنَّه كل ما أوجب الله عليه النار في الآخرة والحَّد في الدنيا. رواه أبو صالح عن ابن عباس أيضًا.
وبه قال الضحاك واختاره البغويّ وجماعة.
وقيل: هو كل ذنب أوعد الله عليه النار. قاله الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.
وفي رواية حكى القاضي حسين والحليمي قال: حد الكبيرة هو كل محرم بعينه منهيًا عنه لمعنى في نفسه فتعاطيه كبيرة وتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو وجوهًا من التحريم ليكون فاحشة، والفاحشة أعظم من الزنا، ومثاله أن الزنا كبيرة فإذا زنا بحليلة جاره يكون فاحشة، ولهذا عدها النبي ﷺ من أكبر الكبائر.
قال والصغيرة: حدها تعاطي ما تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه ولا يستوفى معنى المنصوص عليه فيكون
[ ١٣٢ ]
صغيرة، فتعاطيه على وجه يجمع وجهين أو وجوهًا في التحريم يكون كبيرة.
مثاله: القبلة واللمس والمفاخذة صغيرة، ولو كان مع حليلة جاره القريبة له يكون كبيرة.
وقال الغزالي (في البسيط) الضابط الشامل في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف ولا إحساس بندم، بل يرتكبها متهاونًا بها مستجرئًا عليها فهي كبيرة، وكل معصية حمله عليها غلبة نفسه وفترة مراقبته التقوى ولا ينفعك عن ندم ينغص عليه تلذذه بها فهذا ليس بكبيرة، هذا معنى كلامه.
وقال الشيخ أبو محمد عز الدين بن عبد السلام -﵀- في قواعده: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة، فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد/ الكبائر المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو ربت عليه فهي من الكبائر.
فمن سبَّ الرب ﷾ ورسوله أو استهان بالرسل أو كذب واحدًا منهم أو ضمخ الكعبة بالعذرة، أو ألقى المصحف في القاذورات فهي من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنها كبيرة.
وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو أمسك مسلمًا لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم مع كونه من الكبائر.
وكذلك لو كذب على إنسان كذبًا يعلم أنه يقتل بسببه، أما إذا كذب عليه كذبًا يؤخذ منه بسببه ثمرة فليس من الكبائر.
فإن وقع في مال خطير فهو ظاهر، وإن وقع في حقير فيجوز أن يجعل من الكبائر فطامًا لهذه المفاسد.
كما جعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر ويجوز أن يضبط ذلك بنصاب السرقة.
[ ١٣٣ ]
قال: والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور سبب والحاكم مباشر، فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشر أولى.
قال: وقد ضبط بعض العلماء الكبائر بأنها كل ذنب قرن به وعيد أو حد أو لعن، فعلى هذا علم أن كل ذنب مفسدة كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد أو لعن أو أكبر من مفسدته فهو كبيرة.
ثم قال: والأولى أن تضبط الكبيرة بما يشبه أصغر الكبائر المنصوص عليها والله أعلم.
وقال أبو عمرة بن الصلاح في فتاوية: الكبيرة كل ذنب كبر وعظم عظمًا يصح معه أن يطلق عليه اسم الكبيرة، ووصف بكونه عظيمًا على الإطلاق. قال: فهذا حد الكبيرة ثم لها أمارات تعرف بها.
منها إيجاب الحد.
ومنها الإيعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب والسنة.
ومنها: وصف فاعلها بالفسق نصًا.
ومنها اللعن كقوله: لعن الله من غير منار الأرض.
في أشباه لذلك لا نحصيها. وعند هذا نعلم أن عدد الكبائر غير محصور.
انتهى.
وقال الواحدي وغيره: حد الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع بوصف أنواع من/ المعاصي بأنها كبائر، وأنواع بأنها صغائر، وأنواع لم توصف وهي مشتملة على صغائر وكبائر.
[ ١٣٤ ]
قالوا: وهذا شبيه بإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة وساعة إجابة الدعاء بالليل واسم الله الأعظم ونحو ذلك مما خفي، والله أعلم.
وقال القرطبيّ في تفسيره: كل ذنب عظم الشرع التوعد عليه بالعقاب وشدَّده أو عظم ضرره في الوجود فهو كبيرة وما عداه صغيرة.
وقال النووي في (الروضة): في حد الكبيرة أوجه:
أحدها: أنها المعصية الموجبة للحد.
الثاني: أنها ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما وجد لهم وهم إلى ترجيح الأول أميل، لكن الثاني أوافق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.
والثالث: كل فعل نصَّ الكتاب على تحريمه أو وجب في جنسه حد من قتل أو غيره كترك فريضة تجب على الفور والكذب في الشهادة والرواية على ما ذكروه. انتهى.
واعلم: أن الصغائر لا مطمع في حصرها.
أما الكبائر فالخلاف في حصرها منتشر جدًا وهي على كبيرة وأكبر منها ولهذا جاء في الحديث إن من أكبر الكبائر كذا وإن من الكبائر كذا كما سيأتي.
وقد روى سعيد بن جبير أن رجلًا سأل ابن عباس كم الكبائر أسبع؟ فقال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار. خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ومعناه أن الصغيرة إذا أصر المرء عليها صارت كبيرة، وسيأتي الكلام في حد الإصرار إن شاء الله تعالى.
وها أنا أذكر لك من الكبائر ما ذكره الرافعيّ والنوويّ وابن الرفعة وغيرهم.
[ ١٣٥ ]
فمنها الشرك بالله وهو أعظمها:
قال الله تعالى ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة: ٧٢].
ومنها قتل النفس التي حرم الله بغير حق:
لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٩٣].
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «لن يزال المرء في فسحة من دينه/ ما لم يصب دمًا حرامًا».
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم».
وروى الترمذي وحسنه عن أبي سعيد وأبي هريرة -﵄- قالا: قال رسول الله ﷺ «لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار».
وروى الترمذي أيضًا وحسنه والطبراني عن ابن عباس -﵄- قال: سمعت نبيكم ﷺ يقول:
[ ١٣٦ ]
«يأتي المقتول متعلقًا رأسه بإحدى يديه متلببًا قاتله باليد الأخرى تشخب أوداجه دمًا حتى يأتي به العرش، فيقول المقتول لرب العالمين: هذا قتلني، فيقول الله للقاتل: تعست ويذهب به إلى النار».
قلت: نص الشافعي﵀في كتاب الشهادات من مختصر المزني على أنه: أكبر الكبائر بعد الشرك قتل النفس.
ومنها الزنا:
قال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة﵁أن رسول الله صلى الله وسلم عليه قال:
«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
وخرج أحمد والطبراني عن عثمان بن أبي العاص﵁عن رسول الله ﷺ قال: «تفتح أبواب السماء نصف الليل، فينادي مناد هل من داع فيستجاب له هل من سائل فيعطى، مناد هل من مكروب فيفرج عنه، فلا يبقى مسلم يدعو الله﷿بدعوة إلا استجاب الله ﷿ له إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارًا».
وفي رواية للطبراني «أن الله-تعالى-يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إلا لبغي بفرجها أو عشارًا».
[ ١٣٧ ]
وقال ﷺ: «بينا أنا نائم أتاني رجلان-فذكر الحديث-إلى أن قال ثم انطلقا بي، فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا، وأسوأه منظرًا فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء قتلى الكفار، ثم انطلق بي فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخًا، وأنتنه ريحًا كأن ريحهم المراحيض، قلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الزانون والزواني».
رواه ابن خزيمة وابن حيان في صحيحهما في حديث عن أبي إمامة. وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر﵁- قال قال رسول الله ﷺ «تعبد عابد من بني إسرائيل فعبد الله في صومعته ستين سنة/فأمطرت الأرض فاخضرت، فأشرف الراهب من صومعته فقال: لو نزلت فذكرت الله تعالى فازددت خيرًا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان فبينما هو في الأرض لقيته امرأة فلم يزل يكلمها حتى غشيها ثم نزل الغدير يستحم فجاء سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرغيفين ثم مات، فوزنت عبادة ستين سنة بتلك الزنية، فرجحت الزنية بحسناته ثم وضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته فغفر له».
واعلم:
أن زنا الشيخ أقبح وأفحش وأعظم عند الله من زنا الشاب، لما روى الطبراني عن عبد الله بن بسر﵁عن النبي ﷺ قال: «إن الزناة تشتعل وجوهم نارًا».
[ ١٣٨ ]
وروى البيهقي عن ابن عمر﵄عن النبي ﷺ قال: «الزنا يورث الفقر».
وخرج الخرائطي من حديث أنس﵁عن النبي ﷺ قال: «المقيم على الزنا كعابد وثن».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة﵁قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر».
وروى البزار عن بريدة﵁عن النبي ﷺ قال: «إن السموات السبع والأرضين السبع لتلعن الشيخ الزاني، وإن فروج الزناة ليؤذي أهل النار نتن ريحها».
وروى الطبراني عن نافع مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة مسكين مستكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله».
ومن أفحش أنواع الزنا وأقبحها زنا الرجل بزوجة جاره.
[ ١٣٩ ]
وفي الصحيحين عن ابن مسعود﵁- قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه مسلم أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال أن تزاني حليلة جارك».
وروى أحمد عن المقداد بن الأسور﵁مرفوعًا بإسناد جيد: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره».
ومن أفحش أنواعه أيضًا الزنا بزوجة المجاهد، لأنها على القاعد كأمه.
وفي صحيح مسلم عن بريدة﵁/ قال قال رسول الله ﷺ «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف رجلًا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى، ثم التفت إلينا رسول الله ﷺ فقال فما ظنكم».
زاد النسائي في رواية «أترون يدع له من حسناته شيئًا».
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم ﵀: الزنا على مراتب بعضها أشر من بعض الزنا بالأجنبية التي لا زوج لها عظيم، وأعظم منه الزنا بالأجنبية التي لها بعل وأعظم منه الزنا بذوات المحارم، وزنا الثيب أقبح من زنا البكر، وزنا الشيخ أقبح من زنا الشاب، وزنا الحر أقبح من زنا العبد، وكذا العالم أقبح من زنا الأمي.
[ ١٤٠ ]
ومنها اللواط:
وفي النسائي وصحيح ابن حبان عن ابن عباس﵁عن النبي ﷺ قال: «لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط».
وخرج الطبراني من حديث جابر﵁عن النبي ﷺ قال فيه «وإذا كثر اللوطية رفع الله ﷿ يده عن الخلق فلا يبالي في أي واد هلكوا».
وخرج الطبراني والحاكم وصحح إسناده من أبي هريرة﵁أن النبي ﷺ قال: «لعن الله سبعة من خلقه من فوق سبع سمواته ورد اللعنة على واحد منهم ثلاثًا، ولعن الله كل واحد منهم لعنه تكفيه، قال: ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من عمل عمل قوم لوط، ملعون من ذبح لغير الله، ملعون من أتى شيئًا من البهائم، ملعون من عق والديه، ملعون من جمع بين امرأة وبنتها، ملعون من غير حدود الأرض، ملعون من ادعى إلى غير مواليه».
والأحاديث فيها كثيرة ليس هذا المختصر محل استيفائها.
واعلم:
أن الله سبحانه لم يجمع على امة من الأمم من أنواع العقوبات ما جمع على اللوطية، فإنه سبحانه طمس أبصارهم، وسود وجوههم، وأمر جبريل ﵇ أن يقتلع قراهم من أصلها ثم يقبلها عليهم فجعل عليها سافلها ثم خسف
[ ١٤١ ]
بهم، ثم أمطر عليهم حجارة من السماء، وهذه العقوبات/ لم يجمعها على امة غيرهم لشدة مفسدة هذا الذنب العظيم وفحشه وقبحه وشدة غضب الله على أهله ومقته لهم.
وقد أجمع الصحابة على قتل فاعله، وإن تنوعت آراؤهم في كيفية قتله: فحرقه خالد بن الوليد بأمر أبي بكر الصديق ﵁. وقال ابن عباس: ينظر أعلى بناء في القرية فيلقى منه ثم يتبع بالحجارة. وقد رجم أبو الدرداء لوطيًا. وحرق ابن الزبير آخر كما فعل خالد بن الوليد.
وقال مجاهد: لو أن اللوطي اغتسل بكل قطرة في الأرض وكل قطرة في السماء لم يزل نجسًا.
وقد روي عن أنس بن مالك﵁قال رسول الله ﷺ: «من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله تعالى إليهم حتى يحشره معهم».
قال بن القيم: وهذا المعنى صحيح وإن لم يصح الحديث. قال الله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].الآية. قال عمر﵁أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم. وقال تعالى ﴿إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧].
قال النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب﵃-: هما الرجلان يعملان العمل الواحد يدخلان به الجنة ويدخلان به النار.
[ ١٤٢ ]
وقال يزيد بن هارون وقد سئل عن اللوطي فقال: الذي يأتي الغلام بين فخذيه هو اللوطي وعليه الحد والذي يأتيه في دبره فهو كافر.
وعن مجاهد عن أبي هريرة قال: من أتى صبيًا فقد كفر. ومنها شرب الخمر ولو قطرة واحدة.
وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناده عن عمارة بن حزم أنه سمع عبد لله بن عمرو بن العاص﵃وهو في الحجر بمكة وسئل عن الخمر فقال: والله إن عظيمًا عند الله تعالى لشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله ﷺ، فذهب فسأله ثم رجع، فقال: سألته عن الخمر. فقال: هي أكبر الكبائر وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وخالته وعمته. وخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر بن مردوديه بإسناد رجاله ثقات. وروي ابن أبي حاتم أيضًا عن ابن عباس﵁أنه كان يعد الخمر أكبر الكبائر.
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر﵄قال: «من شرب الخمر في الدنيا/ ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة».
قال الخطابي-رحمه الله تعالى-: وهذا وعيد بأنه لا يدخل الجنة، لأن من دخل الجنة لا يحرم شربها.
وفي المسند وصحيح ابن حبان وغيرهما عن أبي موسى أن النبي ﷺ
[ ١٤٣ ]
قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله ﷿ من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهر يجري من فروج المومسات-يعني الزاني-يؤذي أهل النار ريح فروجهن».
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها، مدمن الخمر، وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق والعاق لوالديه».
وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عباس﵁قال: قال رسول الله ﷺ «من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن».
وفي صحيح مسلم عن جابر﵁قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر حرام، وإن على الله عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قيل يا رسول الله: وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار أو عصارة أهل النار».
وفي سنن ابن ماجة وصحيح ابن حبان عن أبي مالك الشعري قال: قال رسول الله ﷺ «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير».
[ ١٤٤ ]
وروى النسائي عن ابن عمر﵄أن النبي ﷺ قال: «من شرب الخمر فجعلها في بطنه لم يقبل منه صلاة سبعًا، وإن مات فيها مات كافرًا، فإن أذهب عقله عن شيء من الفرائض لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، وإن مات فيها مات كافرًا».
وفي صحيح ابن حبان عن ابن عمر ﵄ وأيضًا قال: قال رسول الله ﷺ «من شرب الخمر فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربه فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد/ الرابعة كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار».
وفي المسند بإسناد حسن عن أسماء بنت يزيد﵂قالت: قال رسول الله ﷺ: «من شرب الخمر لم يرض الله تعالى عنه أربعين ليلة، فإن مات مات كافرًا، فإن عاد كان حقًا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار».
روى الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن عائشة﵂عن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر سخط الله عليه أربعين صباحًا، فإن عاد فمثل ذلك، وما يدريه لعل منيته تكون في تلك الليالي، فإن عاد سخط الله عليه أربعين صباحًا، فهذه عشرون ومائة ليلة، فإن عاد فهو في ردغة الخبال، قيل: وما ردغة الخبال؟ قال: عرق أهل النار وصديدهم».
[ ١٤٥ ]
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًا وفي هذا القدر كفاية. اللهم إنا نسألك العافية والحفظ من أسباب سخطتك وغضبك يا أرحم الراحمين:
ومنها السرقة: وكفى بها إثمًا وعارًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده».
ومنها القذف:
قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
- وفي الصحيحين عن أبي هريرة﵁قال: قال ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات».
- وفيهما أيضًا عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال».
[ ١٤٦ ]
وعن طيسلة بن علي النهدي قال: «أتيت ابن عمر فقلت: أخبرني عن الكبائر. فقال/ هن تسع، قلت وما هن؟ قال: الإشراك بالله، وقذف المحصنة. قال: قلت: قتل النفس؟ قال: نعم. ورغمًا، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، واكل الربا واكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا». رواه ابن جرير من طريقين موقوفًا، ورواه غيره مرفوعًا.
قلت: مما يتساهل به كثير من الجهال من الرجال والنساء قول بعضهم لعبده: يا مخنث، ويعني به المعنى الفاحش، أو لجاريته: يا قحبة، يا زانية، وما أشبه ذلك.
وقد ذكر النبي ﷺ أنه يقام عليه الحد يوم القيامة، لأنه ليس للعبد أن يطالب سيده بحق القذف في الدنيا.
وكذلك قول بعضهم للصغير: يا ابن القحبة، أو يا ولد الزنا، وما أشبه ذلك، وهو من الذنوب العظام الكبائر التي توجب الحد في الدنيا والمقت من الله يوم القيامة.
فروع تقع كثيرًا يجب الاحتراز من مثلها: لو قال له: لطت بك أو لاط بك فلان يحد لقذفهما.
ولو قال: لطت بك فهو إقرار باللواط يحد للقذف أيضًا.
ولو قال له: يا قواد، فكناية في قذف الزوجة.
ولو رمى بحجر فقال من رماني بهذا فأمه زانية حد إن كان يعرف الرامي وإلا فلا.
ولو قال فلان زنى وأنت أزنى منه فقد قذفهما.
[ ١٤٧ ]
ولو قال له يا زاني أو كلمة نحوها مما توجب الحد فقال له الآخر بل أنت الزاني حد كل منهما ولا يتقاصان.
ولو قال لأجنبي يعرف أبوه: لست ابن فلان. حد.
ولو قذف صغيرة لا يوطأ مثلها عزر.
ولو قذف جماعة [بـ] كلمة واحدة حد لكل واحد حدًا على الجديد.
ولو قذف واحدًا بكلمتين حد حدين.
ولو قال: يا زاني، يا ابن الزانية، حد حدين لهما.
ونظائر هذه المسائل كثيرة محلها في كتاب اللعان والقذف من كتب الفقه. والله أعلم.
ومنها شهادة الزور:
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فقال: «الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور أو قال شهادة الزور».
وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن خريم بن فاتك أنه ﷺ قال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١]».
وفي المسند عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ، «من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار».
[ ١٤٨ ]
وروى ابن ماجة والحاكم وصحح إسناده عن ابن عمر﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار».
والأحاديث في هذا كثيرة.
ومنها غصب المال:
وشرط بعض العلماء أن يكون ربع دينار فصاعدًا وإلا فهو صغيرة. والغصب نوع من الظلم والله لا يحب الظالمين.
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر﵁عن النبي ﷺ فيما روى عن ربه ﵎ أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا». وفيه أيضًا قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة».
وروى الطبراني عن علي﵁عن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى «اشتد غضبي على من ظلم من لم يجد له ناصرًا غيري».
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ قال الله ﵎: «وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله
[ ١٤٩ ]
وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلومًا وقدر على أن ينصره فلم يفعل».
وقال ﷺ لمعاذ﵁- «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب».
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
ومنها الفرار من الزحف:
قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦].
وتقدم ذكره في السبع الموبقات.
ومنها أكل الربا:
قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
وفي صحيح مسلم «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء».
وعن مسعود﵁عن النبي ﷺ قال: «الربا ثلاث وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه».
رواه الحاكم/ قال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
[ ١٥٠ ]
وروى البيهقي في الشعب عن أبي هريرة﵁مرفوعًا: «الربا سبعون بابًا أدناها كالذي يقع على أمه».
وخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام﵁عن النبي ﷺ قال: «الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاث وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام».
وخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن حنظلة﵁قال: قال رسول الله ﷺ «درهم ربا يأكله الرجل، وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية».
وخرج الطبراني عن البراء بن عازب﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «الربا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمه».
وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة﵁عن النبي ﷺ قال: «الربا سبعون حوبًا أيسرها أن ينكح الرجل أمه».
وخرج أحمد عن أبي هريرة﵁قال قال رسول الله ﷺ «رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق قال: فأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات، ترى من خارج بطونهم. قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أكلة الربا».
وخرج الأصبهاني من حديث أبي سعيد﵁أن رسول الله ﷺ لما عرج به إلى السماء، نظر في سماء الدنيا، فإذا رجال بطونهم كأمثال
[ ١٥١ ]
البيوت العظام قد مالت بهم بطونهم، وهم منضدون على سابلة آل فرعون، يوقفون على النار كل غداة وعشي يقولون: ربنا لا تقم الساعة أبدًا، قلت يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال أكلة الربا من أمتك، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.
قوله: منضدون قال الأصبهاني: أي طرح بعضهم على بعض.
والسابلة: المارة.
أي يتوطأهم آل فرعون كل غداة وعشي.
وخرج الطبراني عن عون بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إياك والذنوب التي لا تغفر، فمن غل شيئًا أتي به يوم القيامة، وأكل الربا فمن أكل الربا بعث يوم القيامة/ مجنونًا يتخبط، ثم قرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]».
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيمها مدمن خمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه».
والأحاديث فذ هذا الباب كثيرة جدًا وفي هذا كفاية لمن أراد الله هدايته وتوفيقه.
[ ١٥٢ ]
ومنها أكل مال اليتيم بغير حق:
خرج أبو يعلى وابن حبان في الصحيح عن أبي برزة﵁أن رسول لله ﷺ قال: «يبعث الله يوم القيامة قومًا من قبورهم تأجج أفواهم نارًا، وقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الم تر أن الله يقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]».
وتقدم أنه أحد السبع الموبقات.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن «وإن أكبر الكبائر عند الله الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار من الزحف في سبيل الله، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم».
وذكر القرطبي في تفسيره عن أبي سعيد الخدري﵁قال: حدثت النبي ﷺ عن ليلة أسرى به قال: «رأيت قومًا لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسفلهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا».
ومنها عقوق الوالدين:
وفي صحيح البخاري قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ١٥٣ ]
«أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس».
وتقدم الحديث قبله.
وخرج النسائي والبزار والحاكم بأسانيد صحاح عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان عطاؤه وثلاثة لا يدخلون الجنة-وفي رواية حرم الله عليهم الجنة-العاق لوالديه، والديوث، والرجلة من النساء».
والديوث: وهو الذي يقر أهله على الزنا.
والرجلة: المتشبهة بالرجال.
/ وخرج الطبراني عن ثوبان﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا ينفع معهن عمل، الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف».
وروى أحمد عن معاذ﵁قال أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات قال: «لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت، ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك» وذكر بقية الحديث.
[ ١٥٤ ]
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن أبي بكر﵁عن النبي ﷺ قال: «كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة قبل الممات».
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًا وخرج الأصبهاني عن العوام بن حوشب قال:
نزلت مرة حيًا وإلى جانب ذلك الحي مقبرة، فلما كان بعد العصر انشق منها قبر فخرج منها رجل رأسه رأس حمار وجسده جسد إنسان فنهق ثلاث نهقات ثم انطبق عليه القبر، فإذا عجوز تغزل شعرًا أو صوفًا فقالت امرأة ترى العجوز قلت: ما لها؟ قالت: تلك أم هذا، قلت: وما كان قصته؟ قالت: كان يشرب الخمر، فإذا راح تقول له أمه يا بني اتق الله إلى متى تشرب هذا الخمر؟
فيقول: إنما أنت تنهقين كما ينهق الحمار، قالت: فمات بعد العصر، فهو ينشق عنه القبر بعد العصر كل يوم فينهق ثلاث نهقات ثم ينطبق عليه القبر.
تنبيه:
صح عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» فيجب برها ويحرم عقوقها. والعم بمنزلة الأب كذلك.
ومنها قطع الرحم:
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣].
[ ١٥٥ ]
وقال رسول الله ﷺ: «الرحم متعلقة بالعرش تقول «من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله». رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂.
وخرج أحمد وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ/ «إن الرحم شجنة من الرحمن تقول يا رب: إني قطعت يا رب إني أسئ إلي يا رب إني ظلمت يا رب، فيجيبها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك».
قوله شجنة: بكسر الشين المعجمة وضمها وبإسكان الجيم بعدهما نون قال أبو عبيد: يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
وخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن أبي بكرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ «ما من ذنب أجدر أن يؤجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره الله له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».
وخرج أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة﵁قال قال رسول الله ﷺ: «إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم».
[ ١٥٦ ]
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قاطع» قال سفيان: يعني قاطع رحم.
وخرج أحمد ابن حبان في صحيحه والحاكم عن أبي موسى﵁عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة، مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر».
وروى الطبراني عن عبد الله بن أبي أوفى﵁عن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم».
قال القرطبي في تفسيره في أوائل سورة النساء: اتفقت الأمة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطعها محرم.
ومنها الكذب على رسول الله ﷺ:
وفي الصحيحين عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
وفيهما أيضًا عن علي﵁قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ١٥٧ ]
«لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار».
وروى الطبراني عن واثلة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر أن يقول الرجل علي ما لم أقل».
ومنها كتم الشهادة بلا عذر:
قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وروى الطبراني عن أبي موسى﵁عن النبي ﷺ قال: «من كتم الشهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور».
ومنها اليمين الغموس:
وفي الصحيحين عن ابن مسعود/ ﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان، قال عبد الله ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداقه من كتاب الله ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]». الآية.
وخرج الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن أنيس﵁قال قال رسول الله ﷺ: «من أكبر الكبائر الإشراك بالله،
[ ١٥٨ ]
وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، والذي نفس بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت في قلبه كية يوم القيامة».
اليمين الغموس: هي الكاذبة التي يقطع بها مال مسلم بغير حق وسميت غموسًا لأنها تغمس صاحبها في الإثم في الدنيا وفي النار في الآخرة.
وخرج الحاكم وصحح إسناده عن الحارث بن البرصاء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار ليبلغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثًا».
وفي صحيح مسلم عن أبي أمامة الحارثي أن رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة، قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبًا من أراك».
والأحاديث في هذا كثيرة.
ومنها الفطر في رمضان بلا عذر:
روى البخاري تعليقًا وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه مسندًا عن أبي هريرة﵁-
[ ١٥٩ ]
أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر يومًا في رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه».
ومنها الخيانة في كيل أو وزن أو ذرع:
قال الله تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٢] الآيات.
وروى ابن ماجة عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر/ الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، لولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم شديدًا».
وروى مالك موقوفًا على ابن عباس قال: ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب، ولا فشا في قوم الزنا إلا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق، ولا حكم قوم بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الدم ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ١٦٠ ]
«آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان. زاد مسلم في رواية «وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم».
ومنها تقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
وقال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
وروى جماعة عن سعد بن أبي وقاص﵁أنهم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
وقد روى مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
[وخرج الحاكم وصحح إسناده عن ابن عباس﵁عن النبي ﷺ قال:] «من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر».
ورواه الترمذي أيضًا وابن أبي حاتم وفي كل طرقه حسين بن قيس الرحبي.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي قتادة-يعنى العدوى-قال: قرأ علينا كتاب عمر ﵁: من الكبائر جمع بين الصلاتين-يعني بغير عذر-والفرار من الزحف والنهبة.
[ ١٦١ ]
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إسناده صحيح.
وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة سمعت إسحاق يقول صح عن النبي ﷺ أن تارك الصلاة كافر.
وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ﷺ: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
حكي القرطبي عن عمرو/ بن دينار قال: كان رجل من أهل المدينة له أخت فاشتكت فكان يعودها فماتت فدفنها فكان هو الذي نزل في قبرها فسقط من كمه كيس فيه دنانير فاستعان ببعض أهله فنبشوا قبرها فأخذ الكيس ثم قال: لأكشفن حتى انظر حال أختي فكشف عنها فإذا القبر مشتعل نارًا، فجاء إلى أمه فقال أخبريني ما كانت أختي تعمل؟ فقالت قد ماتت أختك فما سؤالك عن عملها، فلم يزل بها حتى قالت: كان من عملها أنها كانت تؤخر الصلاة عن مواقيتها، وكانت إذا نام الجيران قامت إلى بيوتهم فألقمت أذنها أبوابهم فتجس عليهم وتخرج أسرارهم، فقال: بهذا هلكت أختي.
ومنها ضرب المسلم بلا حق:
وتقدم حديث «لا يقفن أحدكم موقفًا يضرب فيه رجلًا ظلمًا فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدافعوا عنه».
وروى الطبراني بإسناد جيد عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان.
[ ١٦٢ ]
ومنها سب الصحابة ﵃:
وقد نقل غير واحد من الأئمة الإجماع على تكفير من سب أم المؤمنين عائشة ﵂، واختلف العلماء في تكفير من سب أبا بكر وعمر ﵄، وكذلك في من سب غيرهما من الصحابة ﵃.
والأقوال في ذلك كثيرة جدًا، والحاصل منها أن الساب دائر بين ارتكاب كفر أو كبيرة من الكبائر.
نسأل الله تعالى الحفظ من أسباب سخطه وموجبات عذابه.
ومنها أخذ الرشوة في الحكم وإن كان بحق:
وروى أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة في صحيحه والحاكم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ: «لعن الراشي والمرتشي».
وخرج الطبراني بإسناد جيد عن ابن عمرو .. -﵄أيضًا عن النبي ﷺ قال: «الراشي والمرتشي في النار».
وروى أحمد عن ثوبان﵁قال: لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي والرائش-يعني الذي يمشي بينهما.
وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس﵄قال:
[ ١٦٣ ]
الرشوة في الحكم كفر وهي بين الناس سحت. / وروى الحاكم عن ابن عباس مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: «من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا وبما كرهوا جئ به يوم القيامة مغلولة يده، فإن عدل ولم ترتشي ولم يحف فك الله عنه، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشي وأبي فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمى به إلى جهنم فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام».
قال الشافعي: وإذا أخذ القاضي رشوة على قضائه فقضاؤه مردود وإن قضى بحق والرشوة مردودة.
ومنها الدياثة:
وهي أن يقر أهله على الفساد، وقد تقدم في العقوق: ثلاث حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر الخبت في أهله.
وخرج الطبراني من حديث مالك بن يخامر ويقال ابن أخمير أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقبل الله من الصقور يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا. قال: قلنا يا رسول الله من الصقور؟ قال الذي يدخل على أهله الرجال».
ومنها القيادة:
وهي الجمع بين رجل وامرأة أجنبية سواء كان الجامع رجلًا أو امرأة.
ومنها السعاية عند السلطان بمضرة مسلم:
ومنها منع الزكاة:
قال تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله
[ ١٦٤ ]
فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾.
وقال ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها منها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح من نار فأحمى عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار».
ثم ذكر مانع زكاة الإبل ومانع زكاة البقر والغنم.
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁.
وروى الطبراني بإسناد صحيح عن ابن-مسعود﵁قال لا يكوي رجل يكنز فيمس درهم ولا دينارًا يوسع جلده حتى يوضع كل دينار على حده.
/ وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة﵁- قال قال رسول الله ﷺ: «وأما أول ثلاثة لا يدخلون الجنة فأمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله من ماله وفقير فخور».
وروى أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي: -﵁قال قال رسول الله ﷺ «أربع فرضهن الله في الإسلام فمن جاء بثلاثة لم يغنين عنه شيئًا حتى يأتي بهن جميعًا الصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت».
[ ١٦٥ ]
وروى الطبراني عن أنس بن مالكرضي الله عنه-عن النبي ﷺ قال: «مانع الزكاة يوم القيامة في النار».
والأحاديث في ذم مانع الزكاة وتغليظ عقوبته يوم القيامة كثيرة جدًا.
ومنها نسيان القرآن بعد تعلمه:
روى أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه عن أنس﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها».
وروى أبو داود عن سعد بن عبادة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من امرئ يقرأ القرآن ثم ينساه إلا لقي الله تعالى وهو أجزم».
قال ابن الأعرابي معناه يلقى الله تعالى خالي اليد عن الخير، كن باليد عما تحويه اليد. وقال آخر: معناه لا حجة له.
ومنها إحراق الحيوان بالنار:
قال بعض العلماء: ولو كان قملة أو برغوثًا أو غيرهما.
[ ١٦٦ ]
ومنها ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة:
قال الرافعي ﵀: والتوقف محال في بعض هذه الخصال كقطع الرحم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إطلاقهما ونسيان القرآن الكريم، وإحراق مطلق الحيوان بالنار.
ومنها اليأس من رحمة الله:
قال تعالى ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
ومنها الأمن من مكر الله:
قال الله تعالى ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وقد روى ابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر في تفسيرهما بإسنادهما عن ابن مسعود﵁أنه قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس/ من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله».
قال الحافظ ابن كثير: إسناده صحيح بلا شك، وقد رواه البزار مرفوعًا بإسناد فيه نظر. انتهى.
وروي ابن المنذر في تفسيره عن إياس بن عامر قال: لقيت عليًا﵁في العمرة فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أكبر الكبائر؟ قال: الأمن من مكر الله تعالى، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله.
ومنها الوقيعة في أهل العلم والقرآن:
ومنها الظهار:
ومنها أكل لحم الخنزير والميتة بلا عذر:
ومنها امتناع المرأة من فراش زوجها بلا عذر:
[ ١٦٧ ]
قال ﷺ: «إذا دعا رجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح». رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.
وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان عن جابر بن عبد الله﵄قال: قال رسول الله ﷺ «ثلاثة ى تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى عنها، والسكران حتى يصحو».
وروى النسائي بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي تستغني عنه».
ومنها السحر:
وقد تقدم أنه إحدى السبع الموبقات.
وروى النسائي عن الحسين عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه».
وروى أحمد عن علي بن زيد عن الحسن بن عثمان بن أبي العاص قال:
[ ١٦٨ ]
سمعت رسول الله ﷺ: «كان لنبي الله داود ساعة يوقظ فيها أهله يقول يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه الساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عاشر».
وروى البزار بإسناد جيد عن عمران بن حصين﵁قال رسول الله ﷺ: / «ليس منا من تطير، أو تطير له، أو تكهن، أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ».
وخرج الطبراني عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فإن الله يغفر له ما سوى ذلك لمن يشاء من مات لا يشرك بالله شيئًا، ولم يكن ساحرًا يتبع السحرة، ولم يحقد على أخيه».
وفي صحيح ابن حبان عن أبي موسى ﵁ قال قال رسول ﷺ «لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر، ولا قاطع رحم».
وخرج ابن المنذر في تفسيره من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا مؤمن بسحر ولا قاطع رحم، ولا كاهن، ولا منان».
قال الرافعي والنووي وغيرهما: تعلم السحر وتعليمه حرام على الصحيح ودرجاته متفاوتة وهذا إن لم يحتج في تعليمه إلى اعتقاد هو كفر، وأما فعله فيحرم إجماعًا، ومن اعتقد إباحته كفر، ولا يظهر السحر إلا على فاسق،
[ ١٦٩ ]
وكذلك علم الطبائع والتكهن، وإتيان الكهان وتعلم الكهانة والتنجيم أو الضرب بالرمل والشعير والحصى والشعبذة وتعليم ذلك وأخذ العوض عليه حرام، والله أعلم.
ومنها وطء امرأته في الحيض:
وقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من أتى حائضًا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا فصدقه كفر بما أنزل على محمد ﷺ».
ورواه أبو داود إلا أنه قال: «فقد برئ مما أنزل على محمد ﷺ».
ومنها النميمة:
قال ﷺ: «لا يدخل الجنة نمام». رواه البخاري ومسلم عن حذيفة ﵁.
وخرج أبو الشيخ في كتاب التوبيخ عن العلاء بن الحارث مرسلًا أن رسول الله ﷺ قال: «الهمازون واللمازون والمشاءون بالنميمة الباغون للبراء العيب يحثرهم الله تعالى في وجوه الكلاب».
/ وفي الصحيحين عن ابن عباس﵁أن رسول الله ﷺ مر بقبرين يعذبان فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنثر من بوله». الحديث.
[ ١٧٠ ]
وهذا لفظ البخاري.
قال الغزالي: النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كقوله فلان يقول فيك كذا.
وليست النميمة مخصوصة بذلك، بل حدها كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث وسواء كان الكشف بالقول أو الكناية أو الرمز وإلا بماء أو نحوهما، وسواء كان المنقول من الأقوال والأعمال وسواء كان عيبًا أو غيره.
فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، وينبغي للإنسان أن يسكت عن ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية. وإذا رآه يخفي حال نفسه فهو نميمة.
قال: وكل من حملت إليه نميمة وقيل له قال فيك فلان كذا ألزمه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الخبر.
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله.
الثالث: أن يبغضه في الله فإنه بغيض عند الله.
الرابع: أن لا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله قلت، بل يكون الإخبار وعدمه سواء لا يؤثر عنده ظنًا فمتى ظن وجود ذلك أو أحس من نفسه بنفور عن المنقول عنه أو استقبال به فهو آثم، إذ ليس سالمًا من بعض تصديق النمام.
الخامس: أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث عن تحقيق ذلك.
السادس: أن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته.
وقد روي أن رجلًا نم عند عمر بن عبد العزيز﵀فقال له: إن
[ ١٧١ ]
شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١].
وإن شئت عفونا عنك قال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود أبدًا. انتهى.
١ - فصل
هذا جملة ما أعده الرافعي والنووي وابن الرافعة من الكبائر، وها أنا أذكر جملة منها ذاهبًا فيها إلى ما اختاره جماعة من العلماء أن: «كل ذنب قرن به وعيد شديد أو لعن فهو كبيرة».
مع أن أكثر ما أذكره ما أرى أنه يتوقف فيه إلا من لم يقف على ما ورد فيه من الوعيد أو [لم] يعلم صحته، وقد ذكرت هذا الفصل إلى آخرة نسجًا على غير منوال لعدم وقوفي على مصنف مفرد في الكبائر، ثم لما أتممت الكتاب وقفت على مصنف الحافظ شمس الدين الذهبي، ومصنف الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم الجوزية-رضي الله تعالى-فوجدتهما أهملا كتير [اّ] مما ذكرته مع وضوح الدليل فيه، وذكرا أيضًا أشياء ما كنت ذكرتها فألحقها كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
والله أسأل المعونة والتوفيق.
فمنها الغيبة:
وهو الداء العضال والسم الذي هو أحلى في الألسن من الماء الزلال. وقد قال الله تعالى ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
[ ١٧٢ ]
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله».
فإذا اتفق الناس على أن غصب المال كبيرة، وقتل النفس كبيرة، فلما المانع أن يكون تناول العرض كبيرة، وقد جمعهم في الحرمة من أوتي جوامع الكلم.
بل قال القرطبي-رحمه الله تعالى-في تفسيره: لا خلاف في أن الغيبة من الكبائر.
وفي الصحيحين عن أبي بكرة﵁أن النبي ﷺ قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت».
وفي بعض نسخ أبي داود عن أبي هريرة﵁قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق. ومن الكبائر السبتان بالسبة».
وخرج أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح عن عائشة﵂أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه «أتدرون ما أربى الربا عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم./ قال: فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم».
ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
[ ١٧٣ ]
وروى أبو داود والترمذي وصححه عن عائشة﵂قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا قال بعض الرواة تعني: أنها قصيرة.-فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته». قالت: وحكيت له إنسانًا فقال: «ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا».
وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة﵁أن الأسلمي لما جاء إلى رسول الله ﷺ رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب. قال: فسكت رسول الله ﷺ ثم سار ساعة فمر بجيفة حمار شائل برجله فقال: أين فلان وفلان؟ فقالوا: نحن ذا يا رسول الله. فقال كلا من جيفة هذا الحمار. فقالا: غفر الله لك. من يأكل من هذا؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفًا أشد من أكل هذه الجيفة».
فانظر رحمك الله أي وعيد أعظم من هذا، إذ جعل اغتيابهما أشد من أكل الميتة المحرمة المعدودة من الكبائر. وروى أبو الشيخ في كتاب التوبيخ عن عمرو بن العاص﵁أنه مر على بغل ميت فقال لبعض أصحابه: «لأن يأكل أحكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم».
وخرج أحمد عن ابن عباس﵄قال: ليلة أسري بالنبي ﷺ قال: نظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس.
[ ١٧٤ ]
وخرج أبو داود عن أنس﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوهم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم».
وأخرج أحمد بإسناد رجاله ثقات عن جابر قال: كنا مع النبي ﷺ/ فارتفعت ريح منتنة فقال رسول الله ﷺ: «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين».
وقد جاء في حديث مرفوع «الغيبة أشد من الزنا».
خرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما.
وخرج الإمام أحمد وغيره بإسناد رواته ثقات عن أبي بكرة قال بينما أنا أماشي رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد رجل عن يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا فقال رسول الله ﷺ: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى فأيكم يأتين بجريدة فاستبقنا فسبقته فأتيته بجريدة فكسرها بنصفين فألقى على ذا القبر قطعة وعلى ذا القبر قطعة قال: إنه ليهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول».
وخرج ابن جرير الطبري وغيره من طريق علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال أتى رسول الله ﷺ بقيع الغرقد، فوقف على قبرين فقال: «أدفنتم فلانة أو فلانًا قالوا: نعم يا رسول الله قال: اقعد فلان الآن فضرب. قال: والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع
[ ١٧٥ ]
ولقد تطاير قلبه نارًا، ولقد صرخ سمعها الخلائق إلا الثقلين الإنس والجن، ولولا تريج في قلوبكم وتزييدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع، ثم قال: الآن يضرب هذا، والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع ولقد تطاير قلبه نارًا، ولقد صرخ صرخة سمعها الخلائق إلا الجن والإنس. قالوا: يا رسول الله وما ذنبهما قال: أما فلان فكان لا يستبرأ من البول، وأما فلانة فكان يأكل لحوم الناس».
وروى الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» عن عثمان﵁قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغيبة والنميمة يجبان الإيمان كما يعضد الراعي الشجرة».
وبالجملة فالأحاديث في الغيبة كثيرة جدًا ليس هذا محل استيفائها.
وفي الصحيح قال: قال رسول الله ﷺ: / «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد أغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته».
تنبيه
اعلم أن الغيبة كما قال ﷺ هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو سمعه وإجماع الأئمة على هذا.
سواء ذكرت شيئًا في بدنه كقولك: أعمش، أحول، أقرع، قصير، طويل، أسود، أصفر-ونحو هذا.
أو ذكرت شيئًا في نسبه كقولك: كان أبوه فاسقًا، أو مكاسًا، أو زبالًا، أو إسكافًا، أو حائكًا، أو صعلوكًا-ونحو ذلك.
[ ١٧٦ ]
أو ذكرت شيئًا في خلقه كقولك: إنه سيء الخلق، متكبر، أحمق، جبان، عاجز، ضعيف القلب، عجول، خليع، وعبوس، ليس في عينه من أحد شيئًا-ونحو هذا.
أو ذكرت شيئًا من أفعاله كقولك: إنه خائن، سارق، كاذب، يشرب الخمر، كسلان، لا يعرف البيع والشراء، لا ينصح في شغله، متهاون في الصلاة: لا يحسن الركوع والسجود، لا يتحرز عن النجاسات، ليس بارًا بوالديه، يغتاب الناس، قليل الأدب، كثير الكلام، كثير الأكل، ينام في غير وقته، يجلس في غير موضعه، لا يحسن الكتابة، لا يعرف علم كذا لا يبحث كما ينبغي، لا ينصف في المناظرة، لا يسلم إذا ظهر الحق، كثير الدعوى، ونحو هذا.
أو ذكرت شيئًا في ملبسه كقولك: واسع الكم، طويل الذيل، كبير العمامة، وسخ الثياب، يلبس ما لا يليق به، ونحو هذا.
فكل هذا وأشباهه وإن كنت صادقًا فأنت به مغتاب وعاص لربك وآكل لحم أخيك. كذلك إذا ذكرت شيئًا يكرهه في ولده كقولك: إنه قبيح، أو دلع، أو قليل الأدب، أو ليس فيه تربية ونحو هذا.
أو ذكرت زوجته أنها تكثر الخروج من البيت، أو تحكم عليه، أو يحبها، أو هي عجوز، أو قبيحة، أو بذيئة اللسان، أو لا تعرف التقانة، أو لا تحسن الطبخ، أو قليلة النظافة في بيتها، ونحو هذا.
أو ذكرت خادمه أو مملوكه بأنه: آبق، أو سارق، أو قبيح، أو قليل الأدب، ونحو هذا.
وفي هذه الأنواع الثلاثة الغيبة غيبتان، غيبة من ذكرته، وغيبة من هو منسوب إليه من والد أو زوج أو سيد/ إذا كان يكره ذلك.
[ ١٧٧ ]
وكذلك إذا ذكرت دابته بأنها جموح مثلًا أو عاجزة، أو قطوفة أو لا تساوي كذا، أو ذكرت داره بأنها قليلة المرافق أو مظلمة ضيقة، أو ضيع ما صرف عليها ونحو ذلك.
فكل ما تعلم أن أخاك يكرهه لو بلغه فهو غيبة محرمة فاجتنبه.
واعلم:
أن الغيبة باللسان إنما حرمت لأن فيها تفهم الغير نقصان الذي اغتبته.
فكذلك إذا أفهمته بغير اللسان، فالتعريض فيه كالتصريح، والفعل فيه كالقول، وكذلك الإشارة والإيماء والغمز والرمز والكتابة والحركة، وكل ما يفهم منه المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام.
قال النووي﵀-: بلا خلاف وكذلك إذا حاكيته بأن تلبس لبسته أو تمشي مشيته أو تنظر نظره ونحو ذلك من حركاته.
قال الغزالي: بل أشر من الغيبة لأنه أعظم في التفهم وأنكى للقلب.
قال: وأخبث الغيبة القراء المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صيغة أهل ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة، ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الرياء والغيبة.
وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلينا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام، أو يقول: نعوذ بالله من قلة الحياء، نسأل الله أن يعصمنا وإنما قصده أن يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدعاء.
وكذلك قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما نبتلي به كلنا فيذكر نفسه ومقصوده أن يذم غيره، وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون
[ ١٧٨ ]
مغتابًا ومرائيًا ومزكيًا لنفسه، ويجمع بين ثلاث فواحش، وهو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة ومن ذلك أن يذكر عيب إنسان فلا ينتبه له بعض الحاضرين فيقول سبحان الله ما أعجب هذا حتى يصغي/ إلى المغتاب ويُعلم ما يقوله فيذكر الله ويستعمل اسمه تعالى آلة في تحقيق خبثه، فهو يمن على الله سبحانه بجهله جهلًا منه واغترارًا وكذلك يقول لقد ساءني ما جرى على صديقنا فلان من الاستخفاف فنسأل الله تعالى أن يروح سره، ويكون كاذبًا في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدعاء بل لو قصد الدعاء لأخفاه عقيب صلاته ولو كان يغتنم لاغتنم أيضًا بإظهار ما يكره.
وكذلك يقول المسكين: قد بلي بآفة عظيمة تاب الله علينا وعليه فهو في كل ذلك يظهر الدعاء، والله تعالى مطلع على خبث ضميره وخفي قصده وهو بجهله لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما يتعرض له الجهال إذا جاهروا ومن ذلك الإصفاء إلى الغيبة على سبيل التعجب بأنه إنما يظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب بالغيبة فيندفع فيها، فكأنه يستخرج المغيبة منه بهذا الطريق فيقول: عجبًا ما علمت أنه كذلك ما عرفته إلى الآن إلا بالخير وكنت أحسب فيه غير هذا، عافانا الله تعالى من بلائه، فإن ذلك تصديق للمغتاب والتصديق بالغيبة غيبة، بل الساكت شريك المغتاب ولا يخرج من إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه، فإن خاف بقلبه، فإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام غيره لزمه، فإن لم يفعل عصى، وإن قال بلسانه: اسكت وهو يشتهي بذلك بقلبه فهو نفاق ولا يخرجه عن الإثم ما لم يكرهه بقلبه، ولا يكفيه أن يشير باليد أن أسكت أو يشير بحاجبه أو جبينه أو غير ذلك فإن ذلك استخفاف للمذكور بل ينبغي أن يعظمه فيذب عنه صريحًا.
قال رسول الله ﷺ: «من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق».
[ ١٧٩ ]
وقال ﷺ: «من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقًا على الله أن يعتقه من النار». انتهى.
قال النووي﵀في «الأذكار»: ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس.
/ فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق أو كان من أهل الفضل والصلاح كان الاعتناء بما ذكرنا أكثر.
وروينا في كتاب الترمذي عن أبي الدرداء﵁عن النبي ﷺ قال: «من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة».
قال الترمذي: حديث حسن، انتهى.
واعلم:
أنه كما يحرم عليك أن تحدث غيرك بمساوئ الإنسان كذلك يحرم عليك أن تحدث نفسك بذلك وتسيء الظن به ولا تضر الخواطر وحديث النفس بذلك وإنما المحرم عقد الظن، وعلامته أن يتغير القلب كما كان عليه، وينفر عنه نفورًا لم يعهده وتستثقله وتنفر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاهتمام بشأنه، فهذه كلها من علامات عقد الظن وتحقيقه وهو حرام.
قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢].
[ ١٨٠ ]
وقال صلى الله عليه «إياكم والظن أكذب الحديث».
ومنها البهت:
وهو كما تقدم: ذكرك أخاك بما ليس فيه وربما يكون أشد من الغيبة، لأن بعض الناس قد لا يشق عليه ذكره بما فيه لوفور عقله ويشق عليه أن يفترى عليه الكذب. ففي الغيبة أذى بصدق، وفي البهت أذى بكذب.
وقد روى الطبراني بإسناد جيد عن جيد عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من ذكر امرأ بشيء ليس فيه ليعيبه به، حبسه الله في نار جهنم حتى يأتي بنفاذ ما قال فيه».
وفي رواية: «أيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا، فإن حقًا على الله تعالى أن يعذبه يوم القيامة حتى يأتي بنفاذ ما قاله».
وقد جاء في حديث مرفوع إلى النبي ﷺ «من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال».
رواه أبو داود من حديث ابن عمر، والطبراني وزاد «وليس بخارج».
[ ١٨١ ]
والحاكم وصحح إسناده.
الردغة: هي الوحل الشديد.
وقد جاء في الحديث أن ردغة الخبال هي عصارة أهل النار.
ومعنى قوله: «وليس بخارج منها أنه لا يخرج حتى يثبت ما قال» ومحال أن ينقلب الكذب صدقًا، / فكأنه علق خروجه على ما يستحيل وجوده.
كما قال تعالى «لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط».
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ «خمس ليس لهن كفارة الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف ويمين جائرة يقتطع بها مال بغير حق».
وقد اتفق جمهور العلماء على أن الأربعة من الكبائر وإفراد البهت عنها تخصيص من غير مخصص.
ومنها عدم الاستنزاه من البول:
لما في الصحيحين أن رسول الله ﷺ. مر بقبرين يعذبان فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى. إنه كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله».
وقد بوب البخاري﵀في صحيحه باب «من الكبائر أن لايستتر من بوله».
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أكثر عذاب القبر من البول».
[ ١٨٢ ]
رواه أحمد وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولا علة له.
وروى الطبراني عن أبي أمامة﵁عن النبي ﷺ قال: «اتقوا البول فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر».
ومنها تهاون القادر بالحج:
إلى أن يموت كذا عدة بعضهم من الكبائر معتمدًا على حديث الحارث عن علي﵁قال قال رسول الله ﷺ: «من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى حج بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا». وذلك أن الله تعالى يقول ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
رواه الترمذي والبيهقي.
والحارث هذا هو الأعور لا تقوم به حجة.
وقد رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة بنحوه ولا يصح أيضًا.
ومنها التكذيب بالقدر:
قال الله تعالى ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
[ ١٨٣ ]
وفي سؤال جبرائيل قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره».
وخرج ابن حبان والحاكم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت قال/ رسول الله ﷺ: «ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة، المكذب بقدر الله، والزائد في كتاب الله، والمتسلط بالجبروت ليزل من أعز الله، والمستحل من عزتي ما حرم الله، والتارك لسنتي».
وعن أبي الدرداء﵁عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة عاق، ولا مكذب بقدر، ولا مدمن خمر». رواه
والأحاديث في هذا كثيرة.
ومنها الهجر فوق ثلاثة أيام:
إلا لبدعة في المهجور وتظاهر بفسق أو نحو ذلك.
لما في الصحيحين عن أبي أيوب﵁قال قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».
وعن أبي هريرة﵁قال قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار».
[ ١٨٤ ]
رواه أبو داود والنسائي بإسناد على شرط البخاري ومسلم.
وعن هشام بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاث ليال فمن هجر فوق ثلاث ليال فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صرامهما، وأولهما فيئًا يكون سبقه بالفيء كفارة له، وإن سلم ولم يقبل ورد عليه سلامه ردت عليه الملائكة ورد على الآخر الشيطان، فإن ماتا على صرامهما لم يدخلا الجنة جميعًا أبدًا».
رواه أحمد بإسناد صحيح والطبراني وابن حبان في صحيحه.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ولفظه «لا يحل أن يصطرما فوق ثلاثة أيام، فإن اصطرما فوق ثلاث لم يجتمعا في الجنة أبدًا».
رواه الطبراني والحاكم وصحح إسناده من حديث ابن عباس بنحوه وقال في آخره «وإن ماتا وهما متهاجران لا يجتمعان في الجنة».
وخرج الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح عن فضالة بن عبيد﵁أن رسول الله ﷺ قال: «من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار إلا أن يتداركه الله برحمته».
[ ١٨٥ ]
وخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي خراش أنه سمع النبي ﷺ يقول: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه».
وخرج البراز بإسناد رجاله رجال الصحيح/ عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رجلين دخلا في الإسلام فاهتجروا، لكان أحدهما خارجًا من الإسلام حتى يرجع». يعني الظلم منها.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرئ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا، اتركوا هذين حتى يصطلحا».
وفي صحيح ابن حبان عن معاذ بن جبل﵁عن النبي ﷺ قال: «يطلع الله تعالى إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن». [رواه أحمد من حديث عبد الله بن عمرو إلا أنه قال فيه «فيغفر لعباده إلا اثنين مشاحن وقاتل نفس].
وخرج ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس-رضي الله
[ ١٨٦ ]
عنهما -عن النبي (ﷺ):
«ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا، رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان».
لفظ ابن ماجة. وقال ابن حبان: «ثلاثة لا تقبل صلاتهم» فذكره.
والأحاديث في هذا كثيرة مصرحة بما يقتضي أنه من الكبائر.
وقد عده ابن القيم وغيره منها، والله أعلم.
ومنها بيع الحر وأكل ثمنه:
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجرته».
ومنها أن يستأجر أجيرًا ويستوفى منه العمل ثم لا يوفيه أجرته.
لحديث أبي هريرة -﵁- المتقدم.
وإن كان هذا داخلًا في مطلق الظلم، وهو نوع منه، ولكن قد ورد فيه وعيد خاص ليتبين رتبته من الظلم، وهو نوع منه، لأن الظلم وإن كان كبيرة من حيث الإطلاق، ولكن بعضه أكبر من بعض.
وقد روى ابن ماجة بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «أعطي الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».
[ ١٨٧ ]
رواه أبو يعلى وغيره من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث جابر.
ومنها/ البغي:
كذا عده الحافظ الذهبي من الكبائر، واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢].
وبقوله (ﷺ): «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم».
ورواه ابن ماجة والترمذي وصححه.
ومنها الغدر ونقص العهد:
وفيه حديث أبي هريرة ﵁.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو -﵁- أن النبي (ﷺ) قال: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».
[ ١٨٨ ]
وقد جاء في الصحاح وغيرهما من طرق عن جماعة من الصحابة «أن الله إذا جمع الأولين والآخرين يوم القيامة ينصب لكل غادرٍ لواء عند إسته يقال: هذه غدرة فلان بن فلان».
وفي صحيح مسلم عن علي -﵁- حديث الصحيفة وفيها قال رسول الله (ﷺ): «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منهم يوم القيامة عدلًا ولا صرفًا».
ومعنى قوله أخفر: أي غدر ونقض العهد.
وفي صحيح ابن حبان عن عمرو بم حمق قال سمعت رسول (ﷺ) يقول: «أيما رجل أمن رجلًا على ذمةٍ ثم قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرًا».
وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي بكرة -﵁- أن رسول الله (ﷺ) قال: «من قتل معاهدًا في عهده لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام».
[ ١٨٩ ]
ومنها عدم الوفاء بالبيعة لفوات غرض دنيوي:
لما في الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعةٍ بعد العصر فحلف بالله ليأخذها بكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن/ أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف».
وخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن علي -﵁- قال: الكبائر الشرك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة.
ومنها إتيان الكهان والعرافين والمنجمين مع التصديق لهم فيما يقولون:
وقد صرح القرطبي في تفسيره قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] بأن ذلك من الكبائر.
وكذا عده الحافظ شمس الدين الذهبي، والشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابيهما من الكبائر.
واستدلا عليه بما في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي (ﷺ) عن النبي (ﷺ) قال:
[ ١٩٠ ]
«من أتى عرافًا فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يومًا».
قال البغوي: العراف هو الذي يدعي معرفة الأمور المقدمات، وأسباب يستدل بها على مواقعها، كالمسروق من الذي سرقه، ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك.
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد (ﷺ)».
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
والكاهن: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضها ويخطئ أكثرها، ويزعم أن الجن تخبره.
وقد روى البزار هذا الحديث عن جابر بإسناد صحيح.
وخرج الطبراني عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ):
[ ١٩١ ]
«من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد برئ بما أنزل على محمد (ﷺ)، ومن أتاه غير مصدق لم تقبل له صلاة أربعين يومًا».
وخرج أيضًا عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «من أتى كاهنًا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال كفر».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة، والله ولي التوفيق.
ومنها أن يقول الإنسان مطرنا بنوء كذا [أو بنجم كذا] معتقدًا أن للنوء تأثيرًا في ذلك:
لما في الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني -﵁- قال: صلى بنا رسول الله (ﷺ) بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس بوجهه فقال هل تدرون ما قال ربكم؟ / قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
وفي بعض طرق البخاري فأما من قال: مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا. فهو مؤمن بالكوكب كافر بي.
[ ١٩٢ ]
قال الشافعي -رحمة الله-: من قال مطرنا بنوء كذا وهو يريد أن النوء نزل بالماء فهو كافر حلال دمه إن لم يتب.
وقال في الروضة: إن اعتقد أن النوء هو الممطر الفاعل حقيقة كفر وصار مرتدًا.
وهو معنى كلام الشافعي وكذا قال ابن عبد البر، ثم قال: وإن اعتقد أن النوء ينزل الله به الماء [وأنه سبب الماء] على ما قدره [الله] وسبق في عمله فهذا. وإن كان وجهًا مباحًا فإن فيه أيضًا كفرًا بنعمة الله تعالى وجهلًا بلطف حكمته.
ومنها تصوير ما في مثله روح في الثياب والحيطان ونحو ذلك:
لما في الصحيحين أن رجلًا جاء إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها فقال له ادن مني فدنا ثم قال: ادن مني فدنا حتى وضع يده على رأسه أنبئك بما سمعت من رسول الله (ﷺ)، سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «كل مصورٍ في النار يجعل الله له بكل صورة صورها نفسًا فيعذبه في جهنم».
قال ابن عباس: فإن كنت لا بد فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفس له.
وفيهما عنه قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون».
وروى الترمذي وصححه عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما وأذنان
[ ١٩٣ ]
يسمعان ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاثة بمن جعل مع الله إلهًا آخر، وبكل جبار عنيد والمصورين».
قوله عنق من النار: أي طائفة وجانب منها.
والأحاديث في هذا كثيرة في الصحاح وغيرهما.
قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة حرام شديد التحريم، وهو أشد من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرهما.
وأما تصوير صورة الشجر وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان/ فليس بحرام هذا الحكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان فإن كان معلقًا على حائط أو ثوب ملبوس أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا فهو حرام.
وإن كان في بساط يداس أو في مخدة أو وسادة ونحوهما مما يمتهن فليس بحرام، ولكن هل يمنع دخول ملائكة الرحمة ذلك البيت؟
الأظهر أنه عام في كل صورة وإن الملائكة يمتنعون من الجميع، لا طلاق الأحاديث يعني قوله (ﷺ): «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة».
قال: ولا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له. هذا تلخيص مذهبنا وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.
وقال بعض السلف إنما نهي عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها
[ ١٩٤ ]
ظل وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر (ﷺ) الصورة فيه لا يشك أحد أنه مزموم وليس بصورته ظل مع ما في الأحاديث المطلقة في كل صورة.
وقال الزهري: النهي في الصور على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقمًا في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملًا بظاهر الأحاديث وهذا مذهب قوي.
وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره.
قال القاضي: إلا ما ورد من لعب البنات الصغار والرخصة في ذلك لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لأبنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب لهن للبنات منسوخ بهذه الأحاديث والله أعلم.
ومنها اتخاذ شيء فيه الروح غرضًا يرمى إليه:
لما في الصحيحين أن ابن عمر مرَّ بفتيان قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله (ﷺ) لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا.
ومنها قتال المسلم لغير سبب شرعي:
لما في الصحيحين عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
وفيهما أيضًا عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله (ﷺ): قال
[ ١٩٥ ]
«لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار».
وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال: قال رسول الله (ﷺ):
«إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا، فقلنا أو قيل: يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه قد أراد قتل صاحبه».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ):
«من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».
ومنها/ لعن المسلم لغير سبب شرعي، ولعن من لا يستحق للعن:
كذا عده الشيخ شمس الدين ابن القيم والحافظ الذهبي وغيرهما.
لقوله (ﷺ): «لعن المؤمن كقتله في الإثم».
وهذا هو الأظهر عند النووي، وقيل إن لاعن المؤمن يقطعه بلعنته عن نعم الآخرة كما يقطع القاتل المقتول عن منافع الدنيا، وفي هذا بعد، والله أعلم.
وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ):
«لا يكونون اللاعنون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».
[ ١٩٦ ]
ومعناه أنهم لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار، ومعنى قوله ولا شهداء: أي لا يكونون شهداء على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم وهذا هو الأصح. وقيل لا يرزقوا الشهادة.
وروى الترمذي وحسنه عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «لا يكون المؤمن لعانًا».
وخرج الطبراني بإسناد جيد عن سلمة بن الأكوع قال: كنا إذا رأينا الرجل يلعن أخاه رأينا أن قد أتى بابًا من الكبائر.
وروى [أبو داود] عن أبي الدرداء -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ):
«إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماءِ دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينًا وشمالًا فإن لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لُعن فإن كان أهلًا لها، وإلا رجعت إلى قائلها».
ومنها التسبب في لعن الوالدين:
لقوله (ﷺ): «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ أبا الرجل فيسب أباه ويسبّ أمه فيسب أمه».
رواه البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ﵁.
[ ١٩٧ ]
ومنها السبتان بالسبة:
لما رواه أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي هريرة -﵁- عن النبي (ﷺ) قال: إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة».
ومنها السباب مطلقًا:
وتقدم في الصحيحين «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «المستبان ما قالا، فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم».
وعن أبي ذر -﵁- أنه سمع النبي (ﷺ) يقول:
«لا يرمى الرجل رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».
رواه البخاري في كتاب «الأدب» من صحيحه.
وروى البزار بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو يرفعه قال:
«سباب المسلم كالمشرف على الهلكة».
ومنها تتبع عورات المسلمين:
كذا عده ابن القيم في الكبائر.
واستدل عليه بما رواه الترمذي أن النبي (ﷺ) خطبهم يومًا بصوت رفيع
[ ١٩٨ ]
فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه/ لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته».
ومنها قوله في يمينه وإلا كنت يهوديًا أو نصرانيًا أو كافرًا أو نحو هذا الكلام وهو كاذب:
وكذا عدة ابن القيم في الكبائر أيضًا.
لما في الصحيحين عن ثابت بن الضحاك -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال».
وعن بريدة قال رسول الله (ﷺ): «من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا».
رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وروى ابن ماجة عن أنس -﵁- قال: سمع رسول الله (ﷺ): رجلًا يقول أنا إذًا يهوديًا فقال (ﷺ): وجبت.
وروى أبو يعلي والحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة -رضي الله
[ ١٩٩ ]
عنه- عن النبي (ﷺ) قال: «من حلف على يمين فهو كما حلف، إن قال هو يهودي فهو يهودي، وإن قال هو نصراني فهو نصراني، وإن قال هو بريء من الإسلام فهو بريء من الإسلام ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم [قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى» قوله من جثي جهنم] أي من جماعات جهنم. وادعاء الجاهلية: قولهم يا آل فلان ويا آل فلان يا آل قيس ويا آل يمن، ونحو هذا كذا قال الهروي.
وقال النووي -رحمة الله- تعالى- في «الأذكار» فيما إذا قال: هو يهودي أو نصراني ونحو ذلك إن قال ذلك وأراد حقيقة تعليق خروجه من الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرمًا فتجب عليه التوبة، وهي أن يقلع في الحال عن المعصية، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إليه أبدًا، ويستغفر الله ويتوب ويقول: لا إله إلا الله محمدًا رسول الله. انتهى.
ومنها التنابز بالألقاب المكروهة عند من لقب بها من غير ضرورة من تعريف ونحوه:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
قال القرطبي -رحمة الله- في تفسير هذه الآية: من فعل ما نهى الله عنه من السخرية والهمز واللمز فذلك فسوق وذلك لا يجوز.
[ ٢٠٠ ]
وقال النووي -رحمة الله- في الأذكار: اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه سواء كان صفة له كالأعمى والأعرج والأحول والأصفر، أو كان صفة لأبيه أو لأمه أو غير ذلك مما يكرهه.
ومنها الحلف بغير الله تعالى:
لما في الصحيحين عن ابن عمر -﵄- عن النبي (ﷺ) قال:
«إن الله -تعالى- ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».
وعنه أنه سمع رجلًا يقول لا والكعبة/ فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».
رواه الترمذي وحسنه وابن حيان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وفي رواية للحاكم «سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «كل يمين يحلف بها دون الله شرك».
وخرج الطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود -﵁- قال: لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلى من أن أحلف بغيره وأنا صادق.
[ ٢٠١ ]
وروى أبو داود وغيره عن بريدة -﵁- أن رسول الله (ﷺ) قال: «من حلف بالأمانة فليس منا».
ومنها أن ينتسب الإنسان إلى غير أبيه أو يتولى غير مواليه:
لما في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص -﵁- أن رسول الله (ﷺ) قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام».
وفي صحيح البخاري عن أبي ذر -﵁- أنه سمع رسول الله (ﷺ) يقول: «ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن ادعى رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه -يعني رجع إليه- ما قال».
في الصحيحين أن في صحيفة علي ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ) قال: «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله يوم القيامة منه صرفًا ولا عدلًا».
وروى أحمد وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس
[ ٢٠٢ ]
-﵄- قال: قال رسول الله (ﷺ): «من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وروى أحمد أيضًا وابن ماجة بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله (ﷺ): «من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من قدر سبعين عامًا أو مسيرة سبعين عامًا».
لفظ أحمد
وقال ابن ماجة «وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام».
وفي صحيح ابن حبان عن عائشة -﵄- قالت: قال رسول الله (ﷺ): «من تولى/ غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار».
وروى أبو داود عن أنس قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة جدًا.
ومنها الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع:
وكذا عده الحافظ الذهبي والعلامة شمس الدين ابن القيم.
[ ٢٠٣ ]
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله (ﷺ) قال:
«اثنان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت».
وفي معنى الحديث أقوال.
أصحهما: إن معناه: هما من أعمال الكفر وأخلاق الجاهلية.
والثاني: أن يؤدي إلى الكفر.
وقيل غير ذلك
رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم إلا إنهما قالا: قال رسول الله (ﷺ):
«ثلاثة هي من الكفر».
ومنها النياحة:
وتقدم الحديث قبله.
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: لعن رسول الله (ﷺ) النائحة والمستمعة.
وروى الترمذي وحسنه عن حذيفة -﵁- أنه قال: إذا أنا مت فلا يؤذن علي أحد، فإني أخاف أن يكون نعيًا، وإني سمعت رسول الله (ﷺ) ينهي عن النعي.
وفي الصحيحين عن أبي بردة قال: وجع أبو موسى ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة، فلم يستطيع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أنا
[ ٢٠٤ ]
بريء ممن برئ منه رسول الله (ﷺ)، إن رسول الله (ﷺ) بريء من الحالقة والصالقة والشاقة.
قولهم الصالقة: هي التي ترفع صوتها بالندب والنياحة.
والحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة
والشاقة: التي تشق ثوبها.
وروى أحمد بإسناد حسن عن ابن عباس -﵄- قال لما افتتح رسول الله (ﷺ) مكة رن إبليس رنة، فاجتمعت إليه جنوده فقال: أيئسوا أن ترد أمة محمد (ﷺ) على الشرك بعد يومكم هذا ولكن أفتنوهم في دينهم وافشوا فيهم النوح.
وروى البزار بإسناد رجاله ثقات عن أنس قال: قال رسول الله (ﷺ): «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة، مزمار عند نعمة/ ورنة عند مصيبة».
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله (ﷺ): «إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب».
[ ٢٠٥ ]
رواه ابن ماجة إلا أنه قال: قال رسول الله (ﷺ): «النياحة من أمر الجاهلية، وإن النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله تعالى لها ثيابًا من قطران ودرعًا من لهب النار».
القطران: قال ابن عباس هو النحاس المذاب.
وقيل غير ذلك
وروى الطبراني وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ﷺ):
«إن هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفين في جهنم، صف عن يمينهم وصف عن يسارهم، فينبحن على أهل النار كما تنبح الكلاب».
زاد غير الطبراني «في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة، ثم يأمر بهن إلى النار».
وروى أحمد عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله (ﷺ) قال:
«لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنَّة».
والأحاديث في وعيد النائحة وعظيم عقابها وما ينالها في الآخرة من سخط الله وأليم عقابه كثيرة جدًا.
وقد روى عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه سمع نائحة فأتاها فضربها بالدرة حتى وقع خمارها عن رأسها فقيل يا أمير المؤمنين المرأة قد وقع خمارها فقال: إنها لا حرمة لها.
رواه الثعلبي في تفسيره.
[ ٢٠٦ ]
وقد عد النياحة واللطم من الكبائر جماعة منهم الذهبي وابن القيم رحمها الله تعالى.
ومنها لطم الخدود وشق الجيوب في المصيبات ونشر الشعر:
تقدم حديث أبي موسى قبله.
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله (ﷺ): «لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور».
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ): «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية».
الجيب: هو طوق القميص ونحوه.
ودعوى الجاهلية، هو قولها يا ويلاه، ويا ثبوراه، واكاسياه، واناصراه، ونحو ذلك.
وروى أبو داود عن امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله (ﷺ) /: «أن لا نخمش وجهًا ولا ندعو ويلًا ولا نشق جيبًا ولا تنشر شعرًا».
[ ٢٠٧ ]
وقد صرح القرطبي في تفسير سورة الممتحنة بأن: النوح، وتخزيق الثياب، وجز الشعر، والخلوة بغير محرم، من الكبائر وأفعال الجاهلية.
ومنها أن يقول لمسلم يا كافر، أو عدو الله:
تقدم حديث أبي ذر وفيه من دعا رجلًا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله (ﷺ): «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه».
وفيهما أيضًا عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله (ﷺ) قال:
«من رمى مؤمنًا بكفر فهو كقتله».
وخرج البزار بإسناد رجاله ثقات عن عمر أن بن حصين قال: قال رسول الله (ﷺ): «ما أكفر رجل رجلًا إلا باء أحدهما بها إن كان كافرًا وإلا كفر بتكفيره».
فرع:
لو دعا مسلم على مسلم فقال: اللهم اسلبه الإيمان عصى بذلك.
وهل يكفر الداعي بمجرد هذا الدعاء؟ فيه وجهان حكاهما القاضي حسين في فتاويه أصحهما: لا يكفر، وفي معنى هذا قوله: لا ختم الله له بخير، ولا أماته الله على الإسلام، ونحو هذا.
[ ٢٠٨ ]
ومنها الطيرة:
كذا عدها الحافظ الذهبي ثم قال ويحتمل أن لا يكون إلا كبيرة ثم ذكر قوله (ﷺ): «الطيرة شرك».
رواه أحمد والترمذي وصححه وأبو داود وابن حبان في صحيحه.
قلت: وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن قطن ابن قبيصة عن أبيه قال سمعت قال رسول الله (ﷺ) يقول:
«العيافة والطيرة والطرق من الجبت».
قال أبو داود الطرق: زجر الطير.
والعيافة: الخط
قلت: وروى البزار بإسناد جيد عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله (ﷺ): «ليس منا من تطير أو تُطير له».
الحديث وقد تقدم بتمامه.
[ ٢٠٩ ]
ومنها سب الدهر معتقدًا أن له تأثيرًا فيما نزل به:
لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ): «قال الله ﷿: يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار».
وعنه قال: قال رسول الله (ﷺ): «قال الله ﷿ يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر، فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره».
رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وعنه أيضًا قال: قال رسول الله (ﷺ): «يقول الله تعالى: «استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول وادهراه وأنا الدهر».
رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
قلت: فإن اعتقد أنه الفاعل لذلك حقيقة كفر وصار مرتدًا كما تقدم.
ومنها عصر العنب للخمر واعتصارها وكذلك حملها وبيعها وشراؤها وأكل ثمنها:
لما روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله (ﷺ): «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه».
[ ٢١٠ ]
لفظ أبي داود.
وزاد ابن ماجة: «وآكل ثمنها».
وعن أنس ﵁ قال: «لعن رسول الله (ﷺ) في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشترى له».
رواه ابن ماجة والترمذي بإسناد رجاله ثقات.
وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وساقيها ومستقاها».
رواه أحمد بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد.
ومنها أن ينفق البائع سلعته بالحلف الكاذب:
لما في صحيح مسلم وغيره عن أبي ذر في ﵁ - عن النبي (ﷺ) قال:
«ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال فقرأها رسول الله (ﷺ) ثلاث مرات فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب».
[ ٢١١ ]
يعني المسبل إزاره خيلاء، والمنان عطاؤه.
وكذا جاء مفسرًا عند ابن ماجة وغيره.
وخرج الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم/ أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه».
الأشميط: تصغير أشمط وهو من أختلط أبيض رأسه بأسوده.
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ): «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم:
رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلًا بسلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وأخذها وهو على غير ذلك، ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفّي له وإن لم يعطه لم يف.
[ ٢١٢ ]
وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ): «أربعة يبغضهم الله البياع العلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني والإمام الجائر».
وخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال مر أعرابي بشاة فقلت تبيعها بثلاثة دراهم فقال: لا والله ثم باعها فذكرت ذلك لرسول الله (ﷺ) فقال: «باع آخرته بدنياه».
ومنها المماطلة بالزكاة بعد وجوبها:
لقوله (ﷺ): «مطل الغني ظلم».
وروى مسروق قال: قال عبد الله يعني ابن مسعود: «آكل الربا ومؤكله وشاهداه إذا علما والواشمة والمستوشمة ولأوي الصدقة والمرتد أعرابيًا بعد الهجرة ملعون على لسان محمد (ﷺ)».
رواه أحمد وبن خزيمة في صحيحه واللفظ له وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه.
لي الصدقة: هو المماطلة [بأدائها من وقت إلى وقت].
[ ٢١٣ ]
ومنها القمار:
[كذا عده القرطبي والذهبي] وغيرهما من الكبائر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وقال الله تعالى: ﴿تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
قال مجاهد: الأزلام: هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها.
وقال سفيان ووكيع: من الشطرنج وقيل غير ذلك.
والاستقسام بها: طلب القسم والنصيب وهو من أكل المال الباطل.
وسواء المقامرة بنرد أو شطرنج أو حمام أو غير ذلك.
ومنها إعطاء الربا:
لأن النبي (ﷺ): «لعن آكل الربا/ ومؤكله وتقدم في ذلك غير ما حديث».
ومنها الشهادة بالربا:
لأن النبي (ﷺ): لعن شاهداه.
[ ٢١٤ ]
وتقدم في الربا في حديث ابن مسعود قريبًا.
ومنها الاستيلاء على الماء الذي لا يختص بأحد ومنعه ابن السبيل:
وتقدم في حديث أبي هريرة في الصحيحين: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل».
وفي رواية نحوه قال فيه: «ورجل منع فضل ماء فيقول الله له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك».
ومنها المن بالعطاء:
وتقدم ذكره في [حديث أبي ذر في] الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
وعن أبي ذر أيضًا رفعه إلى النبي (ﷺ) قال:
«إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة -فذكر الحديث إلى أن قالت قلت: «فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: «المختال الفخور وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يحِبُّ كلَّ مُخْتَالٍ فَخورٍ﴾ [لقمان: ١٨] والبخيل والمنان والتاجر أو البائع الحلاف».
رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
وخرج ابن أبي عاصم في كتاب السنة بإسناد حسن عن أبي أمامة رضي الله
[ ٢١٥ ]
عنه قال: قال رسول الله (ﷺ):
«ثلاثة لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا، عاق ومنان ومكذب بقدر».
وروى أحمد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«لا يلج حائط القدس مدمن خمر ولا العاق ولا المنان عطاؤه».
ومنها إسبال الإزار والقميص والعمامة والطيلسان بطرًا وخيلاء وتعززًا:
كذا عده الذهبي وغيره.
وتقدم ذكره في الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
وفي الصحيحين عن ابن عمر أن رسول الله (ﷺ) قال:
«من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله (ﷺ) قال:
«بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«بينا رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
رواه أحمد والبزار بإسنادين رجال أحدهما/ رجال الصحيح.
[ ٢١٦ ]
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر ﵄ عن النبي (ﷺ) قال: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة».
الخيلاء: هو الكبر والعجب والافتخار.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله (ﷺ) قال:
«لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرَّ إزاره بطرًا».
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحيه عن المغيرة بن شعبة قال: رأيت رسول الله (ﷺ) آخذ بحجزة سيفان بن أبي سهل فقال: يا سفيان لا تسبل إزارك فإن الله لا يحب المسبلين.
وخرج أحمد بإسناد جيد وأبو يعلى والطبراني عن هبيب بن مغفل أنه رأى محمد القرشي قام فجر إزاره فقال هبيب سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«من وطئه في خيلاء وطئه في النار».
[ ٢١٧ ]
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار».
والأحاديث في هذا كثيرة.
ومنها جور الحكام من السلاطين والقضاة وغيرهم وحكمهم بغير ما أنزل الله:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسًا إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأبعدهم منه مجلسًا إمام جائر».
[و] رواه الطبراني إلا أنه قال: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر».
وفي الصحيحين ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ): «عُرض عليَّ أول ثلاثة يدخلون النار، أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه، وفقير فخور».
[ ٢١٨ ]
وروى أحمد وغيره بأسانيد جيدة عن أبي موسى أن رسول الله (ﷺ) قال:
«إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا فمن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا».
وقد روى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بطرق كثيرة غالبها صحيح أو حسن.
/وخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي (ﷺ) قال: «ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه إلا العدل».
وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه فكّه عدله أو غله جوره».
- وروى أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله (ﷺ) قال:
«من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، وإن غلب جوره عدله فله النار».
- خرج الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن
[ ٢١٩ ]
أبي أوفى ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان».
ورواه الحاكم وصحح إسناده إلا أنه قال:
«فإذا جار تبرأ الله منه».
ومنها غش الحكام لرعيتهم:
لما في الصحيحين عن معقل بن يسار ﵁ قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«ما من عبد يسترعيه الله -﷿- رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».
وخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن مغفل ﵁ قال:
أشهد لقد سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«ما من إمام ولا والٍ بات ليلة سوداء غاشًا لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة».
وفي رواية «ما من إمام يبيت غاشًا لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا».
[ ٢٢٠ ]
ومنها احتجاب السلطان والقاضي وغيرهما من الحكام عن أولى الحاجات والمسكنة:
لما روى أبو داود عن عمرو بن مرة الجهني أنه قال لمعاوية: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة».
فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس المسلمين.
ورواه الحاكم بنحو هذا اللفظ وقال صحيح الإسناد.
ورواه الترمذي إلا أنه قال فيه: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته».
الخلة بفتح الخاء: /هي الحاجة.
وخرج أحمد بإسناد جيد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (ﷺ):
«من ولي من أمر المسلمين شيئًا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة».
وخرج أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن عن أبي السماح الأزدي عن ابن عم
[ ٢٢١ ]
له من أصحاب النبي (ﷺ) أنه أتى معاوية فدخل عليه فقال: «سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«من ولي من أمر الناس شيئًا ثم أغلق بابه دون المسكين والمظلوم وذوي الحاجة أغلق الله ﵎ أبواب رحمته دون حاجته وفقره أفقر ما يكون إليها».
وخرج الطبراني عن أبي الدحداح أنه سمع رسول الله (ﷺ) يقول: «يا أيها الناس من ولي عليكم عملًا فحجب بابه عن ذوي حاجة من المسلمين حجبه الله أن يلج باب الجنة، ومن كانت همته الدنيا حرّم الله عليه جواري فإني بعثت بخراب الدنيا ولم أبعث بعمارتها».
ومنها أن يولى الإمام أو القاضي من لا يصلح محاباة لقربه منه أو محبته إياه وتركه من هو أهل الولاية.
لما روى حسين بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«من استعمل رجلًا من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين».
رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر الصديق ﵁ حين بعثني إلى الشام إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك أكثر ما أخاف عليكم بعد ما قال رسول الله (ﷺ):
«من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم».
[ ٢٢٢ ]
رواه الحاكم من طريق بكر بن خنيس وقال: صحيح الإسناد.
رواه أحمد باختصار، وفي إسناده رجل لم يسم.
وهذه الأحاديث وإن كانت لا تسلم من مقال فهي مما يستأنس به مع النظر إلى عظيم المفسدة في هذا الفعل وكونه تعرض للفسق والغش بتولية من ليس أهلًا للولاية محاباة من غير ضرورة.
وتقدم حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله (ﷺ):
«من التمس رضي الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضي الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».
روان ابن حبان في صحيحه.
ومنها/ الإحداث في الدين:
لقوله (ﷺ) في الحديث الصحيح:
«لعن الله من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا».
قال الشيخ شمس الدين بن القيم وهذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، فكلما كان الحدث أكبر كانت الكبيرة أعظم.
وقد عدَّ الحافظ الذهبي في الكبائر «من دعا إلى ضلالة أو سن سنة بنيئة».
وهذا معنى الإحداث في الدين، والله أعلم.
[ ٢٢٣ ]
ومنها الارتشاء في الحكم:
وتقدم أن أخذ الرشوة من الكبائر فكذلك دفعها لأن النبي (ﷺ) لعن الراشي والمرتشي.
وروى البزار عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«الراشي والمرتشي في النار».
قال الشيخ شمس الدين بن القيم: ويدخل في الرشوة هدايا العمل.
قلت: ويدل على هذا قول النبي (ﷺ):
«هدايا العمال غلول».
ومنها الكبر:
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢].
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ) يقول الله ﷿:
«العزّ إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته».
ورواه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة وجده قال: قال رسول الله (ﷺ): قال الله ﷿:
[ ٢٢٤ ]
«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار».
وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«ألا أخبركم بأهل النار، كل عتلٍ جواظ مستكبر».
وعن سراقة بن مالك أن رسول الله (ﷺ) قال:
«يا سراقة، ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ !».
قلت: بلى يا رسول الله.
قال: «أما أهل النار فكل جعظري جواظ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون».
رواه الطبراني بإسناد حسن، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وخرج أحمد عن حذيفة قال ﵁ قال: كنا مع النبي (ﷺ) في جنازة فقال: ألا أخبركم بشرّ عباد الله. الفظ المستكبر، ألا أخبركم بخير عباد الله الضعيف المستضعف ذو الطمرين، لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.
وعن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع رسول الله (ﷺ) يقول: «من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر كبَّه الله لوجهه في النار».
وفي رواية «لا يدخل الجنة إنسان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر».
رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
وعن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله (ﷺ) يقول «ما من رجل يموت وفي
[ ٢٢٥ ]
قلبه مثقال حبة من خردل من كبر تحل له الجنة أن يريح ريحها ولا يراها».
رواه أحمد أيضًا.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي (ﷺ) قال:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس».
بطر الحق: دفعه ورده.
وغمط الناس: احتقارهم وازدراؤهم.
وكذا جاء مفسرًا.
وفي رواية الحاكم: فقال: «ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس».
وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان».
رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.
[ ٢٢٦ ]
وروى الترمذي وحسنه، والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله (ﷺ) قال:
«يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال».
والأحاديث من هذا النوع كثيرة جدًا.
قلت: وأقبح الكبر وأفحشه كبر الفقراء.
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر».
العائل: الفقير.
وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عنه أيضًا قال: قال رسول الله (ﷺ):
«عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار، أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدى حق الله فيه، وفقير فخور».
وخرج الطبراني عن نافع مولى رسول الله (ﷺ) قال:
[ ٢٢٧ ]
«لا يدخل الجنة مسكين مستكبر، ولا شيخ زان ولا منان على الله بعلمه».
ومنها: العجب:
وقد صرح القرطبي وغيره أنه من الكبائر.
ومنها أذية المسلمين وشتمهم:
كذا/ عدَّه الحافظ الذهبي واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
قلت: وفي الطبراني من حديث أنس ﵄ أن النبي (ﷺ) قال للذي يتخطى رقاب الناس، يوم الجمعة رأيتك تتخطى رقاب الناس وتؤذيهم، من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ﷿.
ومنها الاختيال في المشي إعجابًا وتكبرًا:
وإن كان يدخل في مطلق الكبر والعجب ولكن ورد فيه أحاديث تخصه بالوعيد.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: ١٨].
وقد تقدم حديث ابن عمر «من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان».
[ ٢٢٨ ]
وفي صحيح ابن حبان عن خولة بنت قيس ﵂ أن النبي (ﷺ) قال: «إذا مشيت أمتي المطيطاء وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض».
رواه الترمذي وابن حبان أيضًا من حديث ابن عمرو.
والمطيطاء: ممدود ويقصر وهو التبختر ومدّ اليدين في المشي عجبًا.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله (ﷺ) قال:
«بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة».
وخرج أبو يعلى عن كريب قال: كنت أقود ابن عباس في زقاق أبي لهب فقال يا كريب، بلغنا مكان كذا وكذا.
قلت: أنت عنده الآن.
قال: حدثني العباس بن عبد المطلب قال بينا أنا مع رسول الله (ﷺ) في هذا الموضع إذ أقبل رجل يمشي يتبختر بين بردين وينظر إلى عطفيه أعجبته نفسه إذ خسف الله به الأرض في هذا الموطن فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة».
وقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
[ ٢٢٩ ]
قال: من فعل ذلك منهن تبرجًا وتعرضًا للرجال فهو حرام مذموم، وكذلك من ضرب بنعله من الرجال إن فعل ذلك عجبًا حرم، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجًا لم يجز انتهى.
ومنها اعتياد الكذب من غير ضرورة:
قال النووي ﵀: وإجماع الأمة/ منعقد على تحريمه.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، ومازال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا».
[وفي لفظ لمسلم «إن الصدق برّ وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يكتب صديقًا، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا»].
وفي صحيح ابن حبان عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
[ ٢٣٠ ]
«عليكم بالصدق فإنه مع البرّ وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار».
وخرج أحمد عن ابن عمرو ﵄ أن رجلًا جاء إلى النبي (ﷺ) فقال: يا رسول الله: ما عمل أهل الجنة؟
قال: «الصدق؛ إذا صدق العبد برَّ وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة».
قالوا: يا رسول الله: ما عمل أهل النار؟
قال: «الكذب؛ إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر يعني دخل النار».
وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب، يكذب الكذبة تحمل عنه تبلغ الآفاق فيصنع به ذلك إلى يوم القيامة».
ذكر هكذا مختصرًا في الأدب.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
«آية المنافق ثلاث، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر».
وخرج البزار وأبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سعد بن أبي
[ ٢٣١ ]
وقاص ﵁ أن النبي (ﷺ) قال:
«يطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب».
رواه أحمد من حديث أبي أمامة.
وروى الإمام مالك في الموطأ عن صفوان بن سليم قال: قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانًا قال: «نعم، قيل له أيكون المؤمن بخيلًا، قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذابًا، قال: لا».
وروى الطبراني عن ابن حبان في صحيحه عن أبي برزة قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول:
«ألا إن الكذب يسود الوجه، والنميمة عذاب القبر».
وروى الترمذي وحسنه عن ابن عمر عن النبي (ﷺ) قال:
«إذا كذب العبد تباعد عنه الملك ميلًا من نتن ما جاء به».
وروى الإمام أحمد/ وابن حبان في صحيحه والحاكم صحح إسناده عن عائشة ﵂ قالت:
«ما كان خلق أبغض إلى رسول الله (ﷺ) من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما تزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة».
لفظ ابن حبان
[ ٢٣٢ ]
ولفظ الحاكم قالت: «ما كان خلق أبغض إلى رسول الله (ﷺ) من الكذب وما جربه (ﷺ) من أحد وإن قل فيخرج من نفسه حتى يجدد لله توبة».
وخرج الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد حديثًا قالت فيه:
فقلت: يا رسول الله، إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه، أيعد ذلك كذبًا؟
قال: «إن الكذب يكتب كذبًا حتى تكتب الكذيبة كذيبة».
وخرج أيضًا عن أبي هريرة -﵁- عن النبي (ﷺ) أنه قال:
«من قال لصبي: تعالى، هاك، ثم لم يعطه فهي كذبة».
وروى أبو داود معنى هذا من حديث عبد الله بن عامر.
وأعلم:
أن من أقبح الكذب وأفحشه كذب الملوك، وتقدم في حديث أبي هريرة: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زانٍ وملك كذاب، وعائل مستكبر».
وخرج البزار بإسناد جيد عن سلمان -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ):
«ثلاثة لا يدخلون الجنة الشيخ الزاني، والإمام الكاذب، والعائل المراء».
هو يعني الفقير المعجب المتكبر.
[ ٢٣٣ ]
ومنها التحيل على إسقاط ما أوجب الله تعالى أو إباحة ما حرم الله تعالى:
كذا عدّه الشيخ شمس الدين بن القيم قال:
وقد مسخ الله اليهود قردة وخنازير على تحيلهم على استباحة ما حرم الله عليهم من صيد الحيتان يوم السبت.
وقد عاب الله تعالى أصحاب الجنة التي عزموا على صرمها ليلًا ليسقطوا نصيب المساكين بأن أتلفها عليهم وجعلها كالصريم عقوبة لهم على تحيلهم على إسقاط الحق الذي أوجب الله عليهم.
ولعن النبي (ﷺ) اليهود على استباحة ما حرّم الله عليهم من الشحوم فقال في الحديث الصحيح «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها».
وقال أيضًا: «لا تستحلوا محارم الله بأدنى الحيل».
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢].
والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار ما يجوز فعله وإبطان ما لا يجوز.
/فمخادعة الله حرام والحيل على استباحة الله بما حرم الله وإسقاط ما فرض مخادعة، انتهى.
[ ٢٣٤ ]
ومنها البخل الواجب شرعًا وربما يلتحق به البخل بالواجب عرفًا:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
والشح هو أشد البخل وقيل الشح هو الحرص على ما ليس عندك والبخل بما عندك.
وقيل البخل بالمال خاصة والشح بالمال والمعروف وقيل غير ذلك.
وفي صحيح مسلم عن جابر -﵁- أن رسول الله (ﷺ) قال:
«اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم».
وروى النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ):
«لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدًا».
هذا لفظ الحاكم.
وخرج أبو يعلى والطبراني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ﷺ):
[ ٢٣٥ ]
«ما محق الإسلام محق الشح شيء».
خرج الطبراني عن نافع قال سمع ابن عمر -﵄- رجلًا يقول الشحيح أغدر من الظالم فقال له ابن عمر كذبت، سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «الشحيح لا يدخل الجنة».
وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق -﵁- عن النبي (ﷺ) قال:
«لا يدخل الجنة خباب، ولا منان، ولا بخيل».
وروى الطبراني باسنادين أحدهما ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله (ﷺ): «خلق الله جنة عدن بيده ودلى فيها ثمارها وشق فيها أنهارها ثم نظر إليها فقال لها تكلمي فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقال وعزتي لا يجاورني فيك بخيل».
وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله (ﷺ): «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق».
وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر -﵁- عن النبي (ﷺ) قال:
«ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله فذكر الحديث إلى أن قال: «ويبغض الشيخ الزاني، والبخيل المتكبر».
وخرج الترمذي عن أبي هريرة -﵁- عن النبي (ﷺ) قال:
[ ٢٣٦ ]
"السخي قريب من الله/ قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل".
ومنها كفر إحسان المحسن:
كذا عدة الحافظ الذهبي شمس الدين والشيخ شمس الدين بن القيم.
واستدلالا عليه بقوله ﷺ:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
رواه أحمد وأبو داود.
وقال ﷺ: «من أعطى عطاء فوجد فليجد به ومن لم يجد فليثق به فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره».
رواه الترمذي وحسنه ابن حبان.
وقال الذهبي وقال بعض السلف: كفر النعمة من الكبائر وشكرها بالمجازاة أو بالدعاء.
قلت: في عد هذا ن الكبائر نظر.
ومنها الحسد:
وهو عبارة عن تمني زوال النعمة عن المحسود، وهو أول ذنب عصى الله تعالى به وهو ذنب إبليس الذي أوجب لعنته إلى يوم القيامة.
[ ٢٣٧ ]
وقد وصف الله تعالى به اليهود فقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
وقد عده ابن القيم وغيره من الكبائر.
وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال:
«لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد».
وروى أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. أو قال العشب».
وخرج الطبراني عن عبد الله بن بسر – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
ليس من ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه، ثم تلى رسول الله صلى الله علي وسلم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿[الأحزاب: ٥٨].
وروى البزار بإسناد جيد إلى الزبير أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٢٣٨ ]
«دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين».
ومنها سوء الجوار:
وقد عده الشيخ شمس الدين بن القيم أيضا وغيره من الكبائر.
لما في الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«من كان يؤمن بالله/ واليوم الآخر فلا يؤذي جاره».
وخرج البخاري عن أبي شريح ﵁ – قال رسول الله ﷺ:
«والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر، من هذا قال: من لا يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه؟ قال: شره».
وخرج الطبراني عن كعب بن مالك قال أتى النبي ﷺ رجل فقال يا رسول الله إني نزلت في محلة بني فلان وإن أشدهم لي أذى أقربهم لي جوارا فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليا يأتون المسجد فيقومون على بابه فيصيحون، ألا إن أربعين دارا جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه».
وخرج البزار والطبراني عن أبي جحيفة – ﵁ – قال جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره، قال أطرح متاعك على الطريق، فطرحه فجعل الناس يمرون عليه ويلعنون، فجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما لقيت من
[ ٢٣٩ ]
الناس، قال وما لقيت منهم، قال يلعنوني، قال لقد لعنك الله قبل الناس قال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي ﷺ فقال: «ارفع متاعك فقد كفيت».
وخرج أبو الشيخ في كتاب التوبيخ عن أنس – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ﷿، ومن حارب جاره فقد حاربني ومن حاربني فقد حارب الله ﷿».
وخرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رجل يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقاتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، وقال يا رسول الله: «إن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وأنها تصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها، قال هي في الجنة».
الأثوار: جمع ثور وهو القطعة من الأقط: شيء يتخذ من مخيض اللبن الغنمي.
وروى الطبراني والبزار بإسناد حسن عن أنس ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم».
[ ٢٤٠ ]
ورواه بنحوه الطبراني أيضا وأبو يعلى بإسناد جيد من حديث ابن عباس، والحاكم من حديث عائشة.
ومنها: أنه يستمع حديث قوم يكرهون سماعه إياه:
وقد عدّه الشيخ شمس الدين بن القيم في الكبائر أيضًا.
وقال الذهبي: يحتمل أن لا يكون كبيرة.
قلت: كونه من الكبائر أظهر والله أعلم.
لما روى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:
«من تحلم بحلم لم يره كلف أن يعقد بين شعيرتين ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ومن صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها الروس وليس بنافخ».
الآنك: بمد الهمزة وضم النون: هو الرصاص المذاب.
ومنها: الدخول على الظلمة بغير قصد صحيح بل إعانة لهم وتوقيرا ومحبه:
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴿[المائدة: ٢].
وقال تعالى:﴾ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
[ ٢٤١ ]
وعن جابر بن عبد الله – ﵁ – أن النبي ﷺ قال:
«ستكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد علي الحوض».
رواه أحمد والبار بإسناد رجاله رجال الصحيح، وابن حبان في صحيحه وهذا لفظه.
وعن كعب بن عجرة – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون من بعدي فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ولن يرد على الحوض».
رواه النسائي والترمذي وهذا لفظه وقال: حديث حسن صحيح.
وخرج الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – عن النبي ﷺ:
قال: «يكون أمراء يغشاهم غواش أو حواش من الناس يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه».
[ ٢٤٢ ]
ورواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحة إلا أنهما قالا:
«فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأنا منه بريء وهو مني بريء».
رواه الإمام أحمد أيضا بنحو هذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير.
تنبيه:
قد/ يقول من اعتاد الدخول على الملوك الظلمة والقضاة الخونة: إنما قصدي بذلك نصر مظلوم أو مساعدة ضعيف أو دفع ظلمة أو التسبب في معروف ونحو ذلك.
وهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يتناول من مآكلهم ومشاربهم ويشاركهم في مقاصدهم ومآربهم، ويقبل من أموالهم التي اكتسبوها من الجهات المحرمات ووجوه المظالم والمكوس والمصادرات ويداهنهم فيما يراه عندهم من المنكرات، فهذا لا يحتاج النظر في سوء حاله إلى دليل، إذ يشهد كل ذي بصيرة أنه ضال عن سواء السبيل، وأنه من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ويزعمون أنهم مصلحون ألا إنهم هم المفسود ولكن لا يشعرون.
ليت شعري كيف يمكن من يأكل من أموالهم أن ينكر قبيح أفعالهم، وأني يرجع الظالم منهم إليه وهو يرى منته في الصحبة وللقمة عليه، وكيف يقبل منه الكلام وباطنه قد امتلأ من ماله من الحرام.
واختصار الكلام في مثل هذا أليق والسلام.
وإن كان ممن يعف عن مآكلهم ومشاربهم ولا يقبل منهم إدرارًا ولا صلة وينكره عليهم ما قد يراه عندهم من المنكر فهذا في محل الاشتباه، والحالة ميزان
[ ٢٤٣ ]
يعلم به صحته من سقمه وهو أن يرى أنه كالمكره في دخوله عليهم وكلامه معهم ويود أن لو كفي بغيره ولو انتصر المظلوم بسواه، ولا يتبجح بصحبتهم ولا بالاجتماع عليهم ولا يجري في فلتات لسانه قلت للسلطان وقال لي السلطان وانتصر بي فلان فنصرته وطلب مني المساعدة فلان فساعدته ونح ذلك.
ولو قدم السلطان عليه أحدًا وقربه واعتقده وقام بما كان هو قائم به من المعروف لما شق عليه ذلك، بل يجد عنده انشراحًا بذلك وفرحًا به إذ كفاه الله التعرض إلى هذا الخطر العظيم بما لا يثق بصحة قصده، ولا يقطع بإخلاص نيته في القيام به وتقلده من تقلده وحصل هو على أجر نيته في ذلك.
فهذه الأحوال كلها مما يدل على صحة قصده وإن كان بعكس هذه الأمور فهو فاسد النية إذا بانت هذه العلامات أن ما قصده إلا طلب المنزلة عندهم وقيام الجاه عند/ العامة، والتميز على الأقران ونحو ذلك من القاصد الفاسد التي لا تنحصر والله تعالى مقلب القلوب ولا يغرب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم.
ومنها أن يكون بين المتباغضين ذا وجهين ولسانين يأتي هؤلاء بوجه ولسان وهؤلاء بوجه ولسان:
وهذه صفة المنافقين.
وخرج أبو داود وابن حبان في صحيحه عن عمار بن ياسر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار».
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الصمت" والطبراني عن أنس – رضي
[ ٢٤٤ ]
الله عنه – قال: قال رسول الله ﷺ:
«من كان ذا لسانين جعل الله له يوم القيامة لسانين من نار».
وفي صحيح البخاري أن ناسا قالوا لعبد الله بن عمر: إنا ندخل على سلاطيننا فنقول خلاف ما نتكلم به إذا خرجنا من عندهم. فقال: كنا نعد هذا نفاقًا على عهد رسول الله ﷺ.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«تجدون شر الناس ذي الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه».
ومنها أن يلازم الإنسان الشر والفحش حتى يترك الناس الاعتراض عليه ولينوا له الكلام ويخضعوا له اتقاء فحشه وشره:
وفي الصحيحين عن عائشة – رشي الله عنها – أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة فلما جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله: حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه قال: «يا عائشة: متى عهدتن فحاشًا، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشة».
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
«الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة، والبذاءة من الجفاء والجفاء في النار»
[ ٢٤٥ ]
رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي وقال: حديث صحيح.
البذاءة: هو الفحش في الكلام.
وخرج الترمذي وحسنه عن أبي إمامة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
الحياء والعي/ شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق.
ورواه الطبراني إلا أنه قال فيه الحياء والعي من الإيمان وهما يقربان من النار ويباعدان من الجنة.
وخرج الترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه عن أبي الدرداء – ﵁ – أن النبي ﷺ قال:
«ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء».
وخرج الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله ﷺ:
«إن الفحش والتفحش ليسا من الإسلام في شيء، وإن أحسن الناس إسلامًا أحسنهم خلقًا».
[ ٢٤٦ ]
ومنها الغلول:
وهو أن يأخذ أحد الغزاة لنفسه شيئًا من الغنيمة قليلًا كان أو كثيرًا ولا يحضره إلى أمير الجيش ليقسمه بين الغزاة.
قال القرطبي في تفسير قله تعالى ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]:
قال العلماء: الغلول كبيرة من الكبائر بدليل هذه الآية، ثم ذكر أدلة أخرى على ذلك.
وخرج ابن جرير في تفسيره عن القاسم عن أبي أمامة – ﵁ – أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ذكروا الكبائر وهو متوكأ فقالوا الشرك بالله وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف وقذف المحصنة وعقوق الوالدين وقول الزور والغلول والسحر وأكل الربا فقال رسول الله ﷺ: فأين تجعلون ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية.
قال الحافظ ابن كثير: في إسناده ضعف وهو حسن.
وفي صحيح مسلم عن عمر – ﵁ – قال لما كان يوم خيبر قتل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه سلم إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبًا ولا ورسًا، غنمنا المتاع والطعام
[ ٢٤٧ ]
والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي – يعني وادي القرى – ومع النبي صلى الله عليه سلم عبد له وهبه له رجل من جزام فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه سلم يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه فقلنا/ هنيئا له الشهادة يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه سلم: كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلهب عليه نارًا، أخذها من المغانم، ولم تصبها المقاسم، قال ففع الناس فجاء رجل بشراك وشراكين فقال أصبت يوم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: شراك من نار أو شراكان من نار.
ومنها إتيان الرجل زوجته في دبرها:
لما خرج الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس – ﵁ – أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: «لا ينظر الله ﷿ إل رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها».
وخرج الإمام أحمد والبزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح عن ابن عمر - ﵄ – أن النبي صلى الله عليه سلم قال:
«هي اللوطية الصغرى».
يعني الرجل يأتي المرأة في دبرها.
وخرج الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
[ ٢٤٨ ]
«من أتى النساء في أعجازهن فقد كفر». وعنه أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: «ملعون من أتى امرأة في دبرها». رواه أحمد وأبو داود.
وعنه أن النبي صلى الله عليه سلم قال: «من أتى حائضا أم امرأة في دبرها وكاهنًا فصدقه فقد كفر بما انزل على محمد صلى الله عليه سلم».
وعن علي بن طلق قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: «لا تأتوا النساء في استاهن، فإن الله لا يستحي من الحق».
[ ٢٤٩ ]
رواه أحمد والترمذي وحسنه النسائي وابن حبان في صحيحه.
ومنها المساحقة:
وهي إتيان المرأة المرأة، كذا عده الشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر واستدل عليه بما روى عن واثلة بن الأسقع – ﵁ قال: قال رسول صلى الله عليه سلم: «السحاق زنا النساء بينهن».
وبما روى أنه صلى الله عليه سلم قال: «ثلاثة لا يقبل الله منهم قول لا إله إلا الله الراكب والمركوب، والراكبة والمركوبة والإمام الجائر».
وذكر غير ذلك من الأحاديث.
ومنها أن يقتل الإنسان نفسه عمدًا:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
[ ٢٥٠ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدا»
وفي رواية للبخاري «الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار والذي يقتحم يقتحم في النار».
قوله يتوجأ بها: أي يضرب بها نفسه.
وفي الصحيحين عن جندب – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «إن رجلا ممكن كان قبلكم خرجت بوجهه قرحة فلما آذته نزع سهما من كنانته فنكأها فلم يرق الدم حتى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنة».
وفي رواية للبخاري «كان برجل جراح فقتل نفسه فقال الله تعالى: "بدرني عبدي بنفسه فحرمت عليه الجنة»
نكأها: بالهمز أي فجرها.
[ ٢٥١ ]
ومنها قتل الذمي بغير حق:
لقوله ﷺ «من قتل معاهدا بغير حق لم يرح رائحة الجنة وإنه ليوجد ريحها من مسيرة أربعين عاما». رواه البخاري.
وقد روى من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة بأسانيد صحاح.
ومنها أكل الحرام من غير ضرورة:
قال ابن كثير في تفسيره: قال القرطبي: أجمع أهل السنة على أن من أكل ملًا حرامًا ولو ما يصدق عليه اسم أكل أنه يفسق.
وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتي درهم فما زاد وقال ابن الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه لا بما دونه، انتهى.
وقد روي الترمذي وابن حبان في صحيحه عن كعب بن عجرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبت على سحت، النار أولى به». الحديث.
وروى أبو يعلى والبزار عن أبي بكر الصديق – ﵁ – أن
[ ٢٥٢ ]
النبي ﷺ قال:
«لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام».
وروى الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب به إلى الجبل فيحتطب فيأتي به فيحمله على ظهره فيأكل خيرًا له من أن يسأل الناس، ولأن يأخذ ترابًا فيجعله في فيه خيرًا له من أن يجعل في فيه ما حرم الله عليه».
ومنها كسر الدراهم والدنانير:
وقيل هو من الصغائر.
وفي سنن أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله ﷺ: أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
وقد نقل المفسرون عن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. أنهم كانوا يكسرون الدراهم.
قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة "من كسرها لم تقبل شهادته وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر وليس هذا موضع عذر".
قال ابن العربي في إحكامه في قصة شعيب: أما قوله لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر.
[ ٢٥٣ ]
وقال القرطبي قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم وغيرهما كسرها ذنب عظيم.
ومنها غضب الأرض: وإن كان داخلًا في مطلق الغصب. ولكن قد ورد في غصب الأرض أحاديث خاصة ووعيد خاص. ففي الصحيحين عن عائشة – ﵂ – أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين».
وخرج الإمام أحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه عن يعلى بن مرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله ﷿ أن يحفره حتى يبلغ به سبع أرضين ثم يطوق يوم القيامة حتى يقضي بين الناس».
وفي رواية للطبراني: «من ظلم من الأرض شبرًا كلف أن يحفره حفرة حتى يبلغ الماء ثم يحمله إلى الحشر».
روى الإمام أحمد والطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢٥٤ ]
«من أخذ شيئًا من الأرض بغير حله طوقه يوم القيامة من سبع أرضين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا».
وروى أحمد أيضًا بإسناد حسن عن ابن مسعود – رضي الله – قال: قلت يا سول الله أي الظلم أظلم فقال: «ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها».
قلت: ولا فرق بين أن يغضب ذلك من حق مسلم معين أو مما هو مشترك بين الناس كالطرق ونحوها، والأحاديث المتقدمة تدل على ذلك.
وخرج الطبراني عن الحاكم بن الحارث السلمي الصحتبي – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «من أخذ من طريق المسلمين شبرًا جاء به يحمله من سبع أرضين».
منها محاربة الناس في المصر أو المنازل والطرق لأخذ الأموال وقتل الأنفس والسعي بالفساد في الأرض: لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣] الآية.
[ ٢٥٥ ]
ومنها الرياء بالعبادات:
لما خرج الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي بن كعب – ﵁ – قال: قال رسول ﷺ: «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والتمكين في الأرض فمن عمل عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب».
وفي الصحيحين عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».
وخرج الطبراني عن أبي هريرة – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من تزين بعمل الآخرة وهو لا يريدها ولا يطلبها لعن في السماوات والأرض».
وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة – ﵁ – أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «تعوذوا بالله من جب الحزن قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال وادي في جهنم تعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة، قيل يا رسول الله من
[ ٢٥٦ ]
يدخلها؟ قال: أعد للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى الله الذين يزورون الأمراء».
وعن معاذ – ﵁ – أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «اليسير من الرياء شرك ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة». رواه ابن ماجة والحاكم وقال: صحيح ولا علة له.
وروى الإمام أحمد/ بإسناد جيد عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء يقول الله ﷿: إذا جزى الناس بأعمالهم أذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار». وذكر مثل ذلك في المنفق والقارئ. رواه مسلم. وتقدم بتهامة.
ومنها السخرية والاستهزاء بالمسلم:
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية.
[ ٢٥٧ ]
وقد أجمعت العلماء على تحريم ذلك وفي كونه كبيرة مجال للنظر مع أنه قد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
قال الصغيرة: التبسم والكبيرة الضحك على حالة الاستهزاء. وهذا تصريح بأن ذلك من الكبائر.
وقال الغزالي في قول ابن عباس هذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم والذنوب.
وأعلم:
أن معنى السخرية الاستحقار والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وقد يكون بالضحك كأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط أو على بيان صنعته أو قبح صورته ونحو ذلك.
وقد خرج البيهقي عن الحسن البصري – ﵀ – عن النبي ﷺ قال: «إن المستهزئين بالناس ليفتح لأحدهم باب الجنة فيقال هلم فيجيء بكربة وغمة فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم فيجيء بكربة وغمة فإذا جاء أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال هلم فلا يأتيه من اليأس». انتهى.
وقال بعض أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] من لقب أخاه وسخر منه فهو فاسق، حكاه القرطبي.
[ ٢٥٨ ]
ومنها معاداة أولياء الله بغير حقٍ:
وتقدم حديث معاذ وفيه ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة. وفي صحيح البخاري عن ابن عمر – ﵄ – عن النبي ﷺ قال: يقول الله ﷿: «من عادى وليا فقد بارزني بالمحاربة».
ومنها الجلوس وسط الحلقة: إن لم يكن للحديث تأويل: رواه أبو داود عن حذيفة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: «لعن من جلس وسط الحلقة».
وروى البيهقي في سننه عن أبي مجلز أن رجلًا قعد وسط الحلقة فقال حذيفة: ملعون على لسان رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ لعن الذي يجلس وسط الحلقة.
وقال الحافظ الذهبي: في "تهذيب السنن" يحتمل أن يكون قد عرف نفاقًا وإنه إنما فعل ذلك قصدًا إلى ترك الحشمة وقلة المبالاة بأهل الحلقة. وهذا تأويل لا يقوم عليه دليل. وقد عد ابن القيم الجلوس وسط الحلقة من الكبائر، وذكر إن إسناد حديث حذيفة حسن، والله أعلم.
ومنها تعلم العلم لغير وجه الله:
كمن يتعلم للرئاسة أو للمال أو لتعظيم الناس. قال شمس الدين بن القيم وهذا من أكبر الكبائر.
[ ٢٥٩ ]
وعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«من تعلم علمًا مما ابتغي به وجه الله ﷿ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة». يعني ريحها. رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تتعلموا لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس فمن فعل ذلك فالنار النار».
وروى ابن ماجة أيضًا عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار». وفي لفظ من حديث أبي هريرة – ﵁ – «أدخله الله جهنم».
وروى الترمذي وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال:
[ ٢٦٠ ]
«من تعلم علمًا لغير وجه الله أو أراد به غير الله تعالى/ فليتبوأ مقعده من النار».
وروى أبو داود عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلم صرف الكلام ليسبي به قلوب الرجال أو الناس لم يقبل منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا».
ومنها أن يسأل عن علم شرعي فيكتمه مع تعين الجواب عليه:
وقد عدة الذهبي والشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر من غير قيد والذي يظهر أنه لا يكون من الكبائر إلا إذا تعين الجواب عليه كما ذكرنا. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه أبو داود والترمذي وحسنه ابن ماجة وابن حبان في
[ ٢٦١ ]
صحيحه والحاكم بنحوه وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وعن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
«من كتم علمًا ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار».
رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح ولا غبار عليه.
وخرج أبو يعلى بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ان عباس قال: قال رسول الله ﷺ:
«من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار».
ومنها أن يفسر القرآن برأيه:
وتقدم في الحديث قبله: «ومن قال في القرآن بغير ما يعلم جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار».
وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «اتقوا – الحديث – علي إلا ما علمتم فمن كذب عليّ
[ ٢٦٢ ]
متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأية] فليتبوأ مقعده من النار [».
قال الترمذي: حديث حسن، انتهي.
وتفسير القرآن بالرأي هو من أنواع قول الزور والإخبار عن الله بأنه أراد ما لا يتحقق إرادته إياه.
ومنها المراء في القرآن:
لما روى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «المراء في القرآن كفر».
وقد قال: بعضهم المراء بالباطل مطلقًا من الكبائر.
وفيه حديث/ ضعيف رواه الطبراني عن أبي الدرداء وغيره.
وروى الترمذي عن ابن عباس – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا تماري أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدًا فتخلفه».
قال الترمذي: غريب.
وعد الحافظ الذهبي في الكبائر الجدال والمري واللدد ووكلاء القضاة واستدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٦٠]. الآيات.
[ ٢٦٣ ]
وبقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٥٦] الآية.
وبقوله ﷺ: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصيم».
ومنها الكلمة التي تعظم مفسدتها وينتشر ضررها ولا يلقى لها قائلها بالًا:
قال الشيخ شمس الدين بن القيم وهي ما يسخط الله ﷿ لما في الصحيحين عن ابي هريرة – ﵁ – أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب».
وقال ﷺ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة».
قال بعض أهل العلم: وهذا كالكلام عند الملوك والولاة بما يحصل به خير عام أو شر عام.
ومنه الكلمة التي تتضمن هدم سنة أو إقامة بدعة أو إبطال حق أو تحقيق باطل أو سفك دم مسلم أو استحلال فرج حرام أمال حرام أو انتهاك عرض
[ ٢٦٤ ]
حرام أو إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين أو قطيعة رحم أو التفريق بين المرء وزوجته ونحو ذلك.
ومنها تفويت صلاة العصر عمدًا وإن كان داخلًا في تفويت الصلاة مطلقًا:
ولكن ورد فيها وعيد خاص كما ورد فيها تأكيد خاص.
روى البخاري عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ:
«من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله».
وفي الصحيحين عن ابن عمر – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله».
قال مالك، وهو أحد رواته تفسيره ذهاب الوقت.
رواه عن ابن خزيمة في الصحيح.
ومنها أن يؤم قوما يكرهون إمامته لعيب فيه:
لما روى أبو داود/ عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال:
«ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة، من تقدم قومًا وهم له كارهون، ورجل يأتي الصلاة دبارًا والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته، ورجل اعتبد محررًا».
وفي صحيح ابن خزيمة أن رسول الله ﷺ قال:
«ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة ولا تصعد إلى السماء ولا تجاوز رؤوسهم.
رجل أمّ قومًا وهم له كارهون، ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر وامرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه».
[ ٢٦٥ ]
وروى الترمذي وحسنه عن أبي أمامة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«ثلاثة لا تتجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وإمام قوم وهم له كارهون».
وروى ابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا إمام قوم وهم له كارهون وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط وأخوان متصارمان».
قلت: قد عدّ بعض العلماء من الكبائر إمامة من يكرهونه لما ذكرنا فإن النبي ﷺ قد جمعه مع تفويت الصلاة واعتياد المحرر وإغضاب الزوج وكل ذلك من الكبائر. والله أعلم.
ومنها رفع المأموم رأسه من الركوع والسجود قبل الإمام:
كذا عدّه ابن القيم في الكبائر.
وصرح النووي في "الرياض" وغيره بتحريمه.
لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار».
[ ٢٦٦ ]
قال النووي: هذا كله بيان لفظ تحريم، انتهى.
ورواه ابن حبان إلا أنها قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أنه يحول الله رأسه رأس كلب».
وكذا رواه الطبراني بإسناد جيد.
ومنا المرور بين يدي المصلي وسترته:
كذا عدّه ابن القيم أيضا في الكبائر، وهو حرام على الصحيح إذا كان المصلي يصلي إلى شيء من جدار أو سارية أو عصى أو خط أو شيء يصلي إليه.
لما في الصحيحين عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان».
قال النووي قال أصحابنا: يرده إذا أراد المرور بينه وبين سترته بأسهل الوجوه فإن أبي فبأشدها وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه.
وروى ابن ماجة بإسناد صحيح وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
[ ٢٦٧ ]
«لو يعلم أحدكم في أن يمشي بين يدي أخيه معترضًا وهو يناجي ربه لكان أن يقف في ذلك المقام مائة عام أحب إليه من الخطوة التي خطاها».
وفي الصحيحين «لو يعلم ذا المار بين يدي المصلي ماذا من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه».
وروى أبو عمر بن عبد البر في التمهيد عن عبد الله بن عمرو موقوفًا قال: «لأن يكون الرجل رمادًا يدري به خيرًا من أن يمر بين يدي رجل متعمدًا وهو يصلي».
ومنها أن يستدين دينًا لا يريد وفاءه:
إذ هو من أكل أموال الناس بالباطل.
لما في صحيح البخاري «من أخذ أموال الناس يريد أدائها أدى الله عنه، ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفها الله عليه».
وروى النسائي والطبراني والحاكم وصحح إسناده عن محمد بن عبد الله بن جحش قال:
كان رسول الله ﷺ قاعدًا حيث توضع الجنائز فرفع رأسه قبل السماء ثم خفض بصره فوضع يده على جبهته فقال سبحان الله سبحان الله ما أنزل من التشديد ففرقنا وسكتنا حتى إذا كان الغد سألت رسول الله ﷺ فقلنا: ما التشديد الذي نزل؟ قال: في الدين والذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل الله ثم عاش ثم قتل ثم عاش ثم قتل وعليه ما دخل الجنة حتى يقضي دينه.
[ ٢٦٨ ]
وروى النسائي والحاكم وصححه إسناده عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أعوذ بالله من الكفر والدين، فقال رجل: يا رسول الله اتعدل الكفر بالدين؟ قال: نعم».
وعن ثوبان – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«ما فارقت روحه الجسد وهو بريء من ثلاث دخل الجنة، الغلول والدين والكفر».
رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
ومنها أن يتزوج المرأة وليس في نفسه أن يوفيها الصداق:
إذ هو من أنواع الغرر والظلم واستيفاء منافه الحر من غير عوض.
وقد روى الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن ميمون الكردي عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر وليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها: فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله تعالى يوم القيامة وهو زانٍ، وأيما رجل استدان دينًا لا يريد أن يؤدي إلى صاحبه حقه خدعه حتى أخذ ماله لقي الله وهو سارق».
[ ٢٦٩ ]
ورواه البزار بنحوه من حديث أبي هريرة.
وروى البيهقي في سننه عن رجل سمع صهيبًا – ﵁ – يقول قال رسول الله ﷺ: «من أصدق امرأة صداقًا والله يعلم منه أنه لا يريد أداءه إليها فغرها بالله، واستحل فرجها بالباطل لقي الله تعالى يوم القيامة وهو زانٍ».
وروى البيهقي أيضا عن ابن عمر – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: «إن أعظم الذنوب عند الله رجل تزوج امرأة، فلما قضى حاجته منها طلقها وذهب بمهرها، ورجل استعمل رجلًا فذهب بأجرته، وآخر يقتل دابته عبثًا».
وفي سنده إرسال.
ومنها: أن يحلل المرأة بغيره أو تحلل له:
لقوله ﷺ: «لعن الله المحلل والمحلل له».
رواه الترمذي والحاكم وصححاه، النسائي في حديث بإسنادٍ صحيح.
[ ٢٧٠ ]
وروى ابن ماجة بإسناد رجاله موثوقون عن عقبة بن عامر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«ألا أخبركم بالتيس المستعار، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له».
وصح عن عمر أنه قال: "لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رحمتهما".
رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما» وابن المنذر في الأوسط.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه سئل عن ذلك فقال: كلاهما زان.
والكلام في ذلك عن الصحابة والتابعين طويل، وقد أطال الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى – الكلام عليه وأفرد له مصنفًا ساه "بيان الدليل على إبطال التحليل".
ومنها: إباق العبد من سيده:
وقد تقدم ذكره في حديث أبي أمامه.
وفي صحيح مسلم عن جرير – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«إذا أبق العبد لم يقبل الله له صلاة».
وفي رواية: «فقد كفر حتى يرجع إليهم».
وفي رواية: «أيما عبد أبق فقد برئت من الذمة».
[ ٢٧١ ]
وفي صحيح ابن حبان عن فضالة بن عبيد – ﵁ عن رسول الله ﷺ قال:
«ثلاثة لا يسأل عنهم، رجل فارق الجماعة وعصى إمامه، وعبد أبق من سيده فمات عاصيًا، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فخانته بعده» الحديث.
ورواه الحاكم وقال في حديثه: «وأمة أو عبد أبق من سيده».
وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولا أعلم له عله.
وخرج الطبراني عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:
«أيما عبد مات في إباقته دخل النار وإن قتل في سبيل الله».
ومنها تخطى رقاب الناس يوم الجمعة:
كاذ عده الشيخ شمس الدين بن القيم من الكبائر واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد الطبراني عن الأرقم بن أبي الأرقم أن النبي ﷺ قال:
«الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كجار قصبة في النار».
وقد صرح النووي وغيره بأنه حرام.
وروى عن معاذ بن أنس – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرًا إلى جهنم».
[ ٢٧٢ ]
رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث غريب، والعمل عليه عند أهل العلم.
وروى الطبراني عن أنس بن مالك –﵁ – قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب إذ جاء رجل يتخطى رقاب الناس حتى جلس قريبًا من النبي ﷺ فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: ما منعك يا فلان أن تجمع هنا، قال يا رسول الله قد حرصت أن أضع نفسي بالمكان الذي ترى، قال: فقد رأيتك تتخطى رقاب الناس/ وتؤذيهم، من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ﷿».
قلت: في هذه الأحاديث أعظم دليل على أن تخطي الرقاب من الكبائر لو سلمت أسانيدها والله أعلم.
فرع:
قال الشافعي ﵀: إذا قعد إنسان في الجامع في موضع الإمام أو في طريق الناس أمر بالقيام انتهى.
ومنها: ترك الجمعة بغير عذر ليصلي وحده:
وقد عده الذهبي وغيره من الكبائر.
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وابن عمر – ﵄ – أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره:
[ ٢٧٣ ]
«لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين».
قوله: عن ودعهم: أي عن تركهم.
وعن أبي الجعد الضمري الصحابي – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«من ترك ثلاث جمع تهاونًا طبع الله على قلبه».
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفي رواية لابن خزيمة وابن حبان: «من ترك الجمعة ثلاثًا من غير عذر فهو منافق».
وروى البيهقي في الشعب عن عمر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها ثم سمعه فلم يأتها [ثم سمعها فلم يأتها] طبع الله على قلبه وجعل قلبه قلب منافق».
[ ٢٧٤ ]
وروى الترمذي عن ابن عباس – ﵁ – أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة فقال: هذا في النار.
والأحاديث من هذا كثيرة جدًا.
ومنها: أخذ المكس والإعانة عليه:
لقول رسول الله ﷺ:
«لا يدخل الجنة صاحب مكس».
رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه عن عقبة بن عامر والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وقال يزيد بن هارون أحد رواته: يعني العشار.
وقال البغوي في شرح السنة يريد صاحب المكس الذي يأخذ من التجار إذا مروا عليه مكسًا باسم العشر.
وخرج الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
كان لداود ساعة يوقظ فيها أهله يقول: / يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه ساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار.
ورواه الطبراني فقال فيه: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
[ ٢٧٥ ]
«إن الله يدنو من خلقه فيغفر لمن يستغفر إلا لبغي بفرجها أو عشار.
وخرج الإمام أحمد عن أبي الخير قال:
عرض مسلمة بن مخلد وكان أميرًا على مصر على رويفع بن ثابت أن يوليه العشور فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن صاحب المكس في النار».
وفي الصحيح أن رجلًا لعن المرأة التي رجمت لإقرارها بالزنا فقال النبي ﷺ لا تلعنها فلقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له.
وروى ابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
ويل للأمراء، ويل للعرفاء؛ ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدلون بين السماء والأرض وإنهم لم يعملوا عملًا.
وروى أبو داود عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبيه ثم قال: أفلحت يا قديم إن مت ولم تكن أميرًا ولا كاتبًا ولا عريفًا.
وروى أبو داود أيضًا عن رجل لم يسم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال:
«إن العرافة حق ولابد للناس من عرافة ولكن العرفاء في النار».
[ ٢٧٦ ]
ومنها: أن يقبل ما يهدى إليه بسبب الشفاعة إن صحّ الخبر:
فقد روى أبو داود وغيره عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال:
«من شفع شفاعة لأحد فأهدى له هدية عليها فقبلها، فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الكبائر».
قلت: وقد نصّ جماعة من العلماء على تحريم أخذ العوض على الشفاعة.
قال القرطبي وحكى أبو عبد الله بن ظفر في تفسيره عن ابن مسعود – ﵁ – قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة فأهدى إليه هدية فقبلها فذلك السحت. فقيل له: كنا نرى أن السحت الرشوة في القضاء، فقال: ذلك كفر: وتلا قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
قال: فكل ما يكتسبه ذو الوجاهة عند السلطان بجاهه/ من ذوي الحوائج إليه عند السلطان فهو عند مالك – ﵀ – سحت، والقضاء فيه أن يرد إلى أصحابه، فإن لم يعلموا ردّه السلطان إلى بيت مال المسلمين انتهى.
وقال في سورة المائدة قال ابن خويذ منداد: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها.
[ ٢٧٧ ]
ومنها: أن يمنع الإنسان مولاه وذا رحمه فضلًا هو عنده مع شدة حاجتهما إليه:
لما روى أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا يسأل رجل مولاه من فضلٍ هو عنده فيمنعه إياه إلا عادله يوم القيامة [فضله الذي منعه] شجاعًا أقرع».
الشجاع الأقرع: الحية العظيمة
والأقرع: الذي ذهب شعر رأسه من السم
وروى الطبراني بإسناد جيد عن جرير بن عبد الله – ﵁ – قال: قال رسول ﷺ:
«ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله فضلًا أعطاه الله إياه، فيبخل عليه إلا أخرج الله له من جهنم حية يقال لها شجاع يتلمظ فيطوقعه به».
وروى الطبراني أيضًا عن ابن عمر وقال: قال رسول الله ﷺ:
«أيما رجل أتاه ابن عمه يسأله من فضله فيمنعه منعه الله فضله يوم القيامة.
[ ٢٧٨ ]
وروى الطبراني أيضًا عن عمر وأبي هريرة – ﵄ – أن رسول الله ﷺ قال:
«يا أمة محمد – والذي بعثني بالحق – لا يقبل الله صدقة رجل وله قرابة يحتاجون إلى صلته ويصرفها إلى غيرهم، والذي نفسي بيده، لا ينظر الله إليه يوم القيامة».
ومنها: إخافة أهل مدينة النبي ﷺ وإرادتهم بسوء:
لما رواه الطبراني بإسناد جيد عن عبادة بن الصامت – ﵁ – عن النبي ﷺ أنه قال:
«اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا».
ورواه النسائي بمثله عن السائب بن خلاد.
وفي رواية الطبراني «
من أخاف أهل المدينة أخافه الله يوم القيامة، وغضب عليه ولم يقبل منه صرفًا ولا عدلًا».
وفي الصحيحين عن سعد – ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا يكيد أهل المدينة أحد إلا إنماع كما ينماع الملح في الماء».
[ ٢٧٩ ]
وفي رواية لمسلم «لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح في الماء».
وروى الإمام أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن جابر – ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ/ يقول:
«من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي».
ورواه ابن حبان في صحيحه إلا أنه قال: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله».
وروى الطبراني عن ابن عمر – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«من آذى أهل المدينة آذاه الله ﷿، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا».
رواه البخاري ومسلم.
قال القاضي عياض – ﵀ -: استدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة.
[ ٢٨٠ ]
قال: ومعناه: أن من أتى فيها إثمًا، أو آوى من آتاه وضمه إليه وحماه، انتهى.
وقد عد ابن القيم وغيره استحلال حرم المدينة والإحداث فيها من الكبائر.
ومنها: قطع شجرها وكلائها:
على نظر فيهما.
لما في الصحيحين من حديث أنس – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: «المدينة حرام من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدثه، من أحدث حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
وفي رواية مسلم قال عاصم سألت أنسًا أحرم رسول الله ﷺ المدينة؟ قال: نعم هي حرام، لا يختلى خلاها فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين».
ومعنى لا يختلى: لا يقطع، والخلا هو الرطب من الكلأ.
فرع:
من قطع شيئًا من شجر المدينة أو اصطاد صيدًا ففي ضمانه قولان:
القديم: يضمن، وفي ضمانه وجهان:
أحدهما: أخذ سلب الصائد وقاطع الشجر.
والصحيح أنه كسلب المقتول من الكفار وإنه للسالب.
لما روى مسلم عن سعد – ﵁ – أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد
[ ٢٨١ ]
فكلموه أن يرد على غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا؟؟؟ رسول الله ﷺ فأبى أن يرد عليهم.
ورواه أبو داود وزاد في آخره:
«فإن شئتم دفعت إليكم ثمنه».
ومنها: إفشاء أحد الزوجين سر الآخر:
لقوله ﷺ:
«من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر أحدهما سر صاحبه».
وفي رواية: «إنه من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها».
رواه مسلم:
قال النووي: وفي هذا الحديث تحريم إفشاء السر فيما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل أو نحوه.
فأما مجرد ذكر الجماع فإن لم يكن فائدة ولا إليه حاجة فمكروه لأنه خلاف المروءة، انتهى.
وقد عدّه ابن القيم – ﵀ – وغيره من الكبائر.
[ ٢٨٢ ]
وروى أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«السباع حرام».
قال ابن لهيعة: يعني به الذي يفتخر بالجماع.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ «صلى فلما سلم أقبل عليهم بوجهه فقال: مجالسكم هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ثم يخرج يتحدث يقول فعلت بأهلي كذا وكذا فسكتوا، فأقبل على النساء فقال: منكن من تحدث فجلست فتاة على أحد ركبتيها وتطاولت ليراها رسول الله ﷺ ويسمع كلامها فقالت: أي والله، إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثن، فقال: هل تدرون ما مثل من فعل ذلك، مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكة فقضى حاجته منها والناس ينظرون».
ومنها: أن تدخل المرأة على قوم من ليس منهم بزنا أو وطئ بشبة ونحو ذلك أو ي
نتفي الرجل من ولده:
لما روى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والبيهقي عن أبي هريرة – ﵁ – أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
[ ٢٨٣ ]
لما نزلت آية الملاعنة قال النبي ﷺ:
«أيما امرأة دخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الخلائق من الأولين والآخرين».
وقد عد ابن القيم انتفاء الإنسان من ولده ثم قال: وهو من أكبر الكبائر.
ومنها: إفساد المرأة على زوجها والعبد على سيده:
كذا عده ابن القيم – ﵀ – وغيره في الكبائر.
لما روى الإمام أحمد بإسناد وصحيح والبزار وابن حبان في صحيحه عن بريدة – ﵁ – قال قال رسول الله ﷺ:
«ليس منا من حلف بالأمانة، وومن خبب على امرئ زوجته أو مملوكه فليس منا».
قوله خبب: معناه خدع وأفسد.
وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«من خبب عبدًا على أهله فليس منا، ومن أفسد امرأة/ على زوجها فليس منا».
[ ٢٨٤ ]
ومنها: أن تسأل زوجها الطلاق من غير ما بأس نالها منه:
لما روى أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن ثوبان – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة».
ورواه البيهقي في حديث قال فيه:
«وإن المختلعات هن المنافقات، وما من امرأةٍ تسأل زوجها الطلاق من غير ما بأس فتجد رائحة الجنة».
ومنها: أن تلبس المرأة الرقيق من الثياب الذي يصف البشرة وغير ذلك مما يذكر إن تعين حمل الحديث على ذلك:
عن ابن عمر – ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرجال وينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهم ملعونات».
رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
[ ٢٨٥ ]
وروى مسلم بن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».
ومنها: أن يكمه أعمى عن السبيل:
لما روى النسائي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من غير تخوم الأرض، ولعن الله من كمه أعمى عن السبيل، ولعن الله من سبّ والديه، ولعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من عمل عمل قوم لوط، قالها: ثلاثًا.
ومنها: أن يغير منار الأرض:
وهو علامات الطريق التي يهتدي بها السائرون فإذا غيرها ضلّ الناس عن طريق قصدهم.
كذا قال الذهبي وابن القيم وغيرهما.
وقال ابن القيم: وقد صح عنه ﷺ أنه قال:
«لعن الله من غير منار الأرض».
قلت: وفي معنى هذا بل هو أشد، من غير حدود الأرض بحيث لا يميز أحد أرضه من أرض غيره، والله أعلم.
ومنها: إتيان البهيمة:
لأن رسول الله ﷺ «لعن من أتى بهيمة»
[ ٢٨٦ ]
رواه الطبراني وصحح إسناده
وروى الطبراني والبيهقي عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
«أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله. قلت: من هم يا رسول الله؟ / قال: المتشبهين بالرجال من النساء، والمتشبهات من النساء ١٦٥ بالرجال، والذي يأتي البهيمة والذي يأتي الرجال».
ومنها: لبس الرجل الحرير:
كذا عدّه الذهبي وابن القيم وغيرهما من الكبائر.
لما في الصحيحين عن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
«لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة».
رواه النسائي وقال: قال ابن الزبير: «من لبسه في الدنيا لم يدخل الجنة» قال الله تعالى: (ولباسهم فيها حرير)
[ ٢٨٧ ]
وفي الصحيحين أيضًا عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة»
واللفظ للبخاريّ.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة - ﵁ – قال - قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
«لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله»
وروى البزار والطبرانيّ بإسناد رجاله ثقات عن معاذ بن جبل - ﵁ - قال «رأي رسول الله صلي الله عليه وسلم جبة محببة بحرير فقال: طوق من نار يوم القيامة»
وروى الإمام أحمد وغيره عن جويرية - ﵂ - قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
«من لبس ثوب حرير ألبسه الله ثوبًا من النار يوم القيامة».
وفي رواية: «من لبس ثوب حرير في الدنيا، ألبسه الله يوم القيامة ثوب مذلة من النار أو ثوبًا من النار».
فرع:
الجلوس على الحرير والالتحاف به حرام على الرجال.
وصحح الرافعي تحرم افتراشه على النساء
[ ٢٨٨ ]
وخالفه النووي في ذلك.
وحكى ابن الرفعة عن بعض العلماء أنه لا ينعقد النكاح بحضور الجالس على الحرير واستبعد.
فرع:
حكم القز في التحريم كحكم الحرير على الأصح.
فرع:
إذا كان على صبي غير بالغ ثوب حرير.
قال الغزال: إن ذلك منكر جب نزعه عنه إنْ كان مميزًا لعموم قوله ﷺ: «هذان حرامان على ذكور أمتي».
وكما يجب منع الصبي عن شرب الخمر لا لكونه مكلفًا ولكن لكونه يأنس به، فإذا بلغ عسر عليه الصبر عنه، كذلك شهوة التزين بالحرير.
وأما الصبي الذي لا ميز له فيضعف معنى التحريم في حقه، ولا يخلو عن احتمال والعلم فيه عند الله تعالى.
هذا كلام الغزالي وصحيح النوويّ الجواز مطلقًا، والله أعلم.
ومنها: أن يتحلى الرجل بالذهب:
لما روى الإمام أحمد/ بإسناد رجاله ثقات عن ابن عمر - رضي الله ١٦٦ عنه – عن النبي ﷺ قال:
«من مات من أمتي وهو يشرب الخمر حرّم الله عليه شربها في الآخرة، ومن مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة».
[ ٢٨٩ ]
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس - ﵁ – أن رسول الله صلي الله عليه وسلم رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فانتزعه وطرحه وقال:
«يعمد أحدكم إلي جمرة من نار فيطرحها في يده»
فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلي الله عليه وسلم خذ خاتمك وانتفع به، قال: لا والله، لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلي الله عليه وسلم.
وروى النسائي عن أبي سعيد أن رجلًا قدم من نجران إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال: «إنك جئتني وفي يدك جرة من نار» انتهى.
ومنها: استعمال أواني الذهب والفضة للرجال والنساء في الأكل والشرب والإدهان والاكتحال:
وكذا قال الشيخ شمس الدين بن القيم وغيره.
وقد بين أن تكون الآنية كبيرة كالصحن والزبدية ونحوها أو صغيرة كالمكحلة والميل والإبرة ونحوها.
لما في صحيح البخاري ومسلم عن أم سلمة - ﵂ - أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
«إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»
هذا لفظ مسلم.
[ ٢٩٠ ]
وروى الحاكم وصحح إسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:
«من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، [ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة] ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة»
فرع:
كما يجرم استعمال أواني الذهب والفضة يحرم اتخاذها لعير استعمال على الرجال والنساء ويحرم على الصانع عملها.
فائدة:
من قدم إليه طعام في آنية ذهب أو فضة ولم يستطع الإنكار فطريقه أن يأخذ الطعام من الآنية ويضعه في وعاء آخر أو على الخبز أو في يده الشمال ثم يأكل منه، لأنه إذ ذاك ليس بآكل فيها.
وكذلك إذا أراد الاكتحال من مكحلة فضة أفرغ منه في شيء ثم اكتحل منه، والله أعلم.
ومنها: أن يتشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في لباس أو كلام أو هيئة من الهيئات.
لما روى/ البخاري عن ابن عباس - ﵁ - قال: لعن رسول ١٦٧ ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال.
وفي رواية صحيحة له أو لغيره «لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء».
[ ٢٩١ ]
وعن أبي هريرة – ﵁ – قال: «لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل».
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وروى النسائي والبزار والحاكم وصح إسناده عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة، العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء».
وروى الطبراني عن عمار بن ياسر ﵁ عن رسول الله لي الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر.
قالوا يا رسول الله: أما مدمن الخمر فقد عرفناه، فما الديوث؟
قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله.
قلنا فما الرجلة من النساء؟
قال: التي تشبه بالرجال»
والأحاديث في مثل هذه كثيرة.
[ ٢٩٢ ]
ومنها سوء الملكة:
لما روى الإمام أحد وابن ماجه والترمذيّ وحسنه عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
«لا يدخل الجنة سيئ الملكة».
قوله سيئ الملكة: أي سيئ الصنعة إل من يملكه من الدقيق والبهائم.
وقد ذكره الشيخ شمس الدين بين القيم في الكبائر وذكر أن هذا الحديث ثابت، والله أعلم.
ومنها أن يخصي عبده أو يجدعه أو يعذبه ظلمًا.
قال الله تعالى مخبرًا عن إبليس لعنه الله يقول: (ولأمرنهم فليغيرن خلق الله).
قال بعض المفسرين: هو الخصي.
وروى الحس عن سمرة - ﵁ - عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:
«من قتل عبده قتلناه ومنْ جدع عبده جدعناه».
قال الذهبي هذا خبر صحيح، انتهى.
[ ٢٩٣ ]
ومنها: كسر عظم الميت:
لما رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
«كسر عظم الميت ككسر عظمه حيًا»
وروى البيهقي عن الشافعي أنه قال: يعي في المأثم.
ومنها: الكي في الوجه:
لما في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم مرّ علي ١٦٨ حمار / وقد وسم في وجهه، فقال لعن الله الذي وسمه.
وخرج الترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه واللفظ له عن جابر بن عبد الله ﵁ قال مرّ حمار برسول الله صلي الله عليه وسلم قد كوي في وجهه تفور منخراه من دم، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: لعن الله من فعل هذا. ثم نهي عن الكي في الوجه والضرب في الوجه.
وخرج الطبرانيّ عن جنادة بن جرادة قال أتيت النبي صلي الله عليه وسلم بإبل قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: يا جنادة، فما وجدت عضوًا [تسمه] إلا في الوجه، أما إنك أمامك القصاص، فقال أمرها إليك يا رسول الله.
[ ٢٩٤ ]
والأحاديث في اللهي عن الوسم في الوجه ولعن فاعله كثيرة.
ومنها: حبس الهرة حتى تموت عمدًا جوعًا أو عطشًا:
وفي معناه الطائر وغيره من الحيوان.
وقد قال جماعة: من الكبائر تعذيب الحيوان بغير موجب ولم يقيده بموت وهو ظاهر والله أعلم.
وفي الصحيحين أنه صلي الله عليه وسلم قال: «دخلت النار امرأة في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض»
وفي رواية «عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من حشاش الأرض».
ورواه الإمام أحمد من حديث جابر وزاد في آخره «فوجبت لها النار بذلك».
وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء فرأيت فيها ثلاثة يعذبون، امرأة من حمير طوالة ربطت هرة لم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض فهي تنهش قلبها ودبرها» الحديث.
قال النووي في شرح مسلم: وفي هذا الحديث دليل على تحرم قتل الهرة وتحرم حبسها بغير طعام وشراب، وأما دخولها النار بسببها فظاهر الحديث أنها كانت مسلمة وأنها إنما دخلت النار بسبب الهرة.
[ ٢٩٥ ]
وذكر القاضي: يجوز أنها كانت كافرة عذبت بكفرها وزيد في عذابها بسبب الهرة واستحقت ذلك لكونها ليست مؤمنة تغفر صغائرها باجتناب كبائرها.
هذا كلام القاضي والصواب ما قدمناه: أم ما كانت مسلمة وأنها دخلت النار بسببها كما هو ظاهر الحديث.
وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة، وليس في الحديث أنها تخلد في النار، انتهى.
قلت: في قوله صلي الله عليه وسلم: «فوجبت لها النار بذلك» تصريح بأن دخولها النار إنما كان بسبب ذلا لا غير وأنها كانت مسلمة والله أعلم.
ومنها: احتقار المسلم:
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا [التقوى هاهنا]- ويشير إلى صدره - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه».
وفيه أيضًا عن ابن مسعود عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: الرجل يجب أن يكون ثوبه حسن وفعله حسن، فقال إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطَرُ الحق وغَمطُ الناس وازدراؤهم».
غَمطُ الناس: احتقارهم
وفيه أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم:
[ ٢٩٦ ]
«إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم».
قال مالك – ﵀ -: يعني إذا قال ذلك معجبًا بنفسه مزريًا بغيره فهو أشد هلاكًا منهم لأنه لا يدري سرائر الله تعالى في خلقه.
وروى البيهقي في الشعب عن الحسن البصري - ﵀ - قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب في الجنة فيقال له هلم هلم فيجئ بكربة وغمة فإذا جاء أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر فيقال له هلم هلم فيجئ بكربة وغمة فإذا جاء أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له هلم هلم فما يأتيه من الإياس»
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله ﷿ من ذا الذي يتآلي علي / أن لا ١٧٠ أغفر لفلان، قد غفرت له وأحبطت عملك».
ومنها: وصل الشعر بشعر آدمي آخر زورًا:
وهو حرام سواء كانت أيمًا أو ذات زوج، فإن وصلته بطاهر غير شعر الآديم يأذن الزوج جاز علي الأصح، وإن لم يكن لها زوج حرم.
وفي الصحيحين عن أسماء - ﵂ - أن امرأة سألت النبي صلي الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي أصابتها الحصبة فتمزَّقَ شعرها، وإني زوجتها أفأصل فيه فقال: «لعن الله الواصلة والموصولة».
وفي رواية لهما عن عائشة ﵂ أن امرأة زوجة ابنتها فتمعط
[ ٢٩٧ ]
شعر وأمها فجاءت إل النبي صلي الله عليه وسلم فذكرت ذلك له وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها فقال لا إنه قد لعن الموصولات».
قال القاضي عياض في شرح مسلم: وفي الحديث أن وصل الشعر من المعاصي الكبائر للعن فاعله وفيه أن المعين على الحرام مشارك فاعله في الإثم كما إن المعاون على الطاعة مشارك في ثوابها.
قلت: وفي حديث عائشة - ﵂ - هذا دليل على أنه لا اعتبار بإذن الزوج في وصل الشعر وهو الوجه الثاني.
قال النووي: قال مالك والطبري وكثيرون أو الأكثرون، الوصل ممنوع بكل شيء سواء وصله بشعر أو صوف أو حذق لما رواه مسلم: أن النبي صلي الله عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا، انتهى.
ومنها الوشم:
لما في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة».
وفيهما أيضًا عن ابن مسعود قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت له امرأة: في ذلك. فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعال. قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
[ ٢٩٨ ]
الواشمة: هي التي تغرز شيئًا من البدن بالإبر ثم تحشوه كحلًا أو مدادًا
المستوشمة: المعمول بها ذلك وهو حرام وموضعه نجس لا تصح الصلاة معه فإن أمكن إزالته بالعلاج وجب إزالته وإن لم يمكن إلا بالجرح/ فإن خاف ١٧١ منه التلف أي فوات عضو أو منفعة عضو أو شيئًا فاحشا في عضو ظاهر لم تجب إزالته، وإن لم يخف شيئًا من ذلك لزمته إزالته ويعصى بتأخيره وسواء في هذا كله الرجل والمرأة.
فرع:
لو جبر عظمه بنجس مع وجود طاهر.
قال الأصفوني في مختصر الروضة: وجب نزعه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا.
وقيل وإن خاف فإن أبى أجبره السلطان، ولا تصح صلاته معه ولا أثر لمجرد الألم.
وكذا اكتسابه اللحم خلافًا للإمام، ولو داوى جرحه بنجس أو خيط بخيط نجس أو وشم يده فكا لجبر بعظم نجس قيل يعالج الوشم إن أمكن وإلا فلا يخرج، انتهى.
ومنها النمص:
وهو نتف شعر الوجه لحديث ابن مسعود.
والنامصة: هي التي تنمص الحاجب حق ترقه أو تزيل الشعر من الوجه
[ ٢٩٩ ]
وهو حرام إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب.
والمتنمصة: المعمول بها ذلك.
ومنها تفليج الأسنان بالمبرد ونحوه للتزين ويقال له الوشر:
وهو حرام.
قال النووي في الروضة: هو كالوصل بشعر طاهر، يعي أنه يجوز بإذن الزوج على الأصح.
قال القرطبي - ﵀ -: في تفسير قوله تعالى:﴾ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴿
بعد أن ذكر الوشم والوشر والتنمص.
قال وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وبأنها من الكبائر.
واختلف في المعنى الذي نهى من أجله:
فقيل إنه من باب للتدليس.
وقيل من باب تغيير خلق انه تعالى كما قال ابن مسعود وهذا أصح.
وقال أبو جعفر الطبري: في حديث ابن مسعود دليل: أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله تعالى عليه بزيادة أو نقص التماس الحسن لزوج أو غيره سواء فلجت أسنانها أو وشرتها أو كان لها من زائد فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها.
وكذلك لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لأن ذلك كله تغيير لخلق الله تعالى.
قال القاضي عياض: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بإصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه لأنه من تغيير خلق الله تعالى إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره، انتهى ..
[ ٣٠٠ ]
وقد/ عد الشيخ شمس الدين بن القيم مع ما ذكرناه القشر: وهو جرد ١٧٢ الوجه بغمرة ونحوها واستدل عليه بقول عائشة كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يعلن القاشرة والمقشورة والله أعلم.
ومنها أن يحب قيام الناس له:
لما رواه أبو داود بإسناد صحيح والترمذي وحسنه عن معاوية - ﵁ - قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار».
وروى أبو داود وابن ماجة بإسناد حسن عن أبي أمامة ﵁ قال: خرج إلينا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقمنا إليه فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا.
ومنها الخصومة في الباطل والإعانة عليها:
عن ابن عمر – ﵁ – قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ﷿، ومن خاصم في باطل وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه ردغة الخبال حتى مخرج مما قال»
رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد.
[ ٣٠١ ]
وفي رواية لأبي داود «ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله»
ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء عن النبي صلي الله عليه وسلم وقال فيه: «وأيما رجل شد غضبا على ما في خصومة لا علم له بها فقد عاند الله حقه وحرص على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلي يوم القيامة»
ورواه الطبراني أيضًا من حديث أبي هريرة وقال فيه: «ومن أعان على خصومة لا يعلم حق أو باطل فهو في سخط الله حق ينزع، ومن مشى مع قوم يرائي أنه شاهد وليس بشاهد فهو كشاهد زور».
قلت: أكثر وكلاء القاضي مخاصمون قبل معرفة الحق في أي جانب فهم داخلون فيمن أعان على خصومة لا يعلم حق هي أو باطل، وأكثرهم لا يرجع عن الخصومة وإن علم أن الحق في جانب خصمه، وهم عن لم يزل في سخط الله حتى يرجع.
وروى الطبراني عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من أعان ظالمًا بباطل ليدحض به حقًا فقد برئ من ذمة الله ورسوله».
[ ٣٠٢ ]
ومنها سماع الأوتار والمعازف
كذا عدة العراقيون من الكبائر.
ومنها / اللعب بالنرد:
وهو حرام على الصحيح.
قال إمام الحرمين: والصحيح أنه من الكبائر.
وكذا عده ابن القيم وغيره من الكبائر لما في صحيح مسلم عن بريدة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير»
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «من لعب بنرد فقد عصى الله ورسوله»
رواه مالك وأبو داود وأبي ماجة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
فرع:
اللعب بالشطرنج مكروه على الصحيح.
وقال الحليمي إل تحريمه واختاره الروياني.
قال الشافعي: وأكره اللعب بالجزة والقرف انتهى.
الجزة: قطعة تحفر فيها حفر ويجعل في الحفر حصا، وأهل بلادنا يوف النقلة.
وروى ابن وهب بإسناده أن عبد الله بن عمر ﵄ مرَّ بغلمان
[ ٣٠٣ ]
يلعبون بالجكة - هي حفر فيها حصى يلعبون بها - فأفسدها ابن عمر ونهاهم عنها.
والقرف: أن يخط خط مربع ويجعل في ومطه خطان كالصليب ويجعل على رؤوس الخطوط حصى صغار.
وأهل بلادنا يسمونها أدربس.
قال صاحب الشامل: اللعب بها كالنرد.
وقال أبو حامد كالشطرنج والله أعلم.
ومنها المضارة في الوصية:
وهو أن يقصد حرمان الوارث أو تنقيصه بوصية أو إقرار ونحوهما لما عنده من بغض أو الحقد عليه.
وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله صلي الله عليه وسلم ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار. ثم قرأ أبو هريرة﴾ من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار ﴿حتى بلغ﴾ ذلك الفوز العظم ﴿
ورواه ابن ماجة إلا أنه قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له نجير عمل به فيدخل الجنة»
[ ٣٠٤ ]
وروى النسائي عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: الإضرار في الوصية من الكبائر ثم تلى:﴾ تلك حدود الله ﴿
قال ابن أبي حاتم في تفسيره: الصحيح أنه موقوف.
وقال البيهقي في سننه: صوابه موقوف. ثم روى عن ابن عباس قال: «الحيف في الوصية/ والإضرار فيها من الكبائر»
وروى ابن ماجة عن أنس قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من فر بميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة».
ومنها زيارة النساء القبور:
وفي تحريمها وكراهيتها وإباحتها ثلاثة أوجه في مذهب الشافعيّ لكن قد صرح الشيخ شمس الدين بن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" بأنها من الكبائر».
وكذلك صرح بأن اتخاذ المساجد عليها وإيقاد السرج من الكبائر. وعلله بأن كل ما لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم فاعله فهو من الكبائر.
وقد روى الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان
[ ٣٠٥ ]
في صحيحه عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لعن زوارات القبور.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي أيضًا وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي صالح وهو باذان عن ابن عباس أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لعن زائرات القبور من النساء، والمتحذين عليها المساجد والسرج.
قلت: وأما زيارة الرجال القبور فمندوب إليها، وقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم بها.
ونقل النووي «في شرح المهذب» الإجماع علي استجابها.
ومنها: اتخاذ المساجد على القبور وإيقاد المصابيح عليها والسرج.
وقد صرح شمس الدين بن القيم أيضًا بأن ذلك من الكبائر، للعن النبي صلي الله عليه وسلم فاعل ذلك في حديث ابن عباس المتقدم.
وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله صلي الله عليه وسلم ﵁ أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس يقول: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد فإني أنهاكم عن ذلك».
[ ٣٠٦ ]
وفي الصحيحين عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نزل برسول الله صلي الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا أغتم كشفها فقال وهو كذلك: «لعنة الله علي اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»
وقال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله تعالى: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركًا بالصلاة في تلك البقعة عين المحددة لله ورسوله، والمخالفة/ لدينه ١٧٥ وابتداع دين لم يأذن به الله.
فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلي الله عليه وسلم، أن الصلاة عند القبور منهي عنها، فمن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناء المساجد عليها.
فقد تواترت النصوص عن النبي صلي الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه.
وقد صرع عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة.
وصرح أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك وطائفة أطلقت الكراهة.
والذي ينبغيان تحمل الكراهة على التحريم إحسانًا للظن بالعلماء وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواترت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه، انتهى كلامه.
وروى الإمام أحمد بإسناد جيد عن ابن مسعود ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد».
[ ٣٠٧ ]
وروى الإمام أحمد - أيضًا - وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدريّ - رضي الله صلي الله عليه وسلم عنه قال - قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «الأرض كلها مسجدًا إلا المقبرة والحمام»
وقال الشيخ شمس الدين بعد كلام طويل: وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم بتحريمه.
وقال أبو محمد المقدسي ﵀: ولو أبيح أتحاذ السرج عليها لم يلعن فاعله، ولأن فيه تضييعًا للمال من غير فائدة.
وقال الشيخ شمس الدين: إن المساجد المبنية على القبور حكم الإعلام فيها هدمها كلها حتى تسوى بالأرض، وهي أول بالهدم من مسجد الضرار، وكذلك القباب التي على القبور يجب هدمها لأنها أسست على معصية رسول الله صلي الله عليه وسلم.
لأنه رسول الله صلي الله عليه وسلم قد نهى عن البناء على القبور.
فبناء أسس على معصية الرسول صلي الله عليه وسلم ومخالفته بناء غير محترم، وهو أول بالهدم من بناء الغاصب قطعًا.
وقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة.
فهدم القباب والبناء والمساجد التي بنيت عليها أول وأحرى؛ لأنه لعن متخذ
[ ٣٠٨ ]
المساجد عليها ونهى عن البناء فتجب المبادرة والمسارعة إلي هدم ما لعن رسول الله صلي الله عليه وسلم فاعله ونهى عنه.
وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر/ وطفيه فإن فاعل ذلك ١٧٦ ملعون ولا يصح هذا الوقف، ولا يحل إثباته وتنفيذه، انتهى والله أعلم.
ومنها: بغض الأنصار:
لما في الصحيحين عن البراء بن عازب - ﵁ - عن النبي صلي الله عليه وسلم قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله»
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله صلي الله عليه وسلم عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله صلي الله عليه وسلم واليوم الآخر».
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم – رحمه الله تعالى - والمراد بالأنصار من نصر الله ورسوله ودينه. وهؤلاء باقون إل يوم القيامة، فمعاداة هؤلاء وبغضهم من أكبر الكبائر، انتهى.
[ ٣٠٩ ]
فصل
في ذكر جملة من الصغائر
أعلم أنه كما يجب اجتناب الكبائر الموبقات يجب اجتناب الصغائر المقرات لأن الصغيرة الواحدة متى أصر عليها العبد صارت من الكبائر.
فالصغائر إذا اجتمعن أهلكن يوم تبلى السرائر.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»
وروى أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سهل بن سعد - ﵁ - أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «إياك ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعودٍ حتى جمعوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبه تهلكه».
وروى أبو يعلى عن ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام في أرض العرب، ولكنه سيرضي منكم بدون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات».
وروى الطبراني عن سعد بن جنادة ﵁ قال: لما فرغ رسول الله
[ ٣١٠ ]
صلي الله عليه وسلم من حنين نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيها شيء فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «إجمعوا، من وجد شيئًا فليأت به، ومن وجد عظمًا أو سنًا فليأت به». قال: فما كان إلا ساعة حق جعلناه ركامًا، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «أترون هذا ينضج؟ فكذلك تجتمع الذنوب على الرجل منكم كما جعلي هذا، فليتق الله رجل فلا يصيب صغيرة [ولا كبيرة] فإنها محصاة / عليه محصاة/ عليه».
وخرج النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبًا»
وفي صحيح البخاري عن أنس قال: «إنكم لتعملون أعمالًا هي أدّق في أعينكم من الشَّعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم من الموبقات»
والأحاديث في مثل هذا كثيرة.
والمقصود أن العاقل اللبيب الطالب نجاة نفسه يوم القيامة يجب أن يتفطن للصغائر من الذنوب؛ لأن أكثرها خفي لا يدركه كثير من الناس لكثرة وجودها وعدم إنكارها وغلبة الجهل بمحلها من الدين.
فلنذكر جملًا من الصغائر المحرمة والأمور المنهي عنها على سبيل الإيجاز لينكرها مَنْ رآها ويحترز منها من رام النجاة والله ول التوفيق لا رب غيره.
فمنها: النظر إلى الأجنبية شهوة وبغيرها:
وسواء في ذلك وجهها وكفاها وسائر بدنها وإن أمن الفتنة علي الصحيح
[ ٣١١ ]
لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] الآية.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كتب على ابن آدم حظه من الزنا، وهو مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان يزني وزناه الكلام، واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه".
فروع: تمس الحاجة إليها:
اعلم أنه كما يحرم النظر إلى كل شيء من بدن الأجنبية، كذلك يحرم عليها النظر إلى كل شيء من بدنه.
قال النووي في شرح مسلم: سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها.
وقال بعض أصحابنا: "لا يحرم نظرها إلى وجه الرجل بغير شهوة" وليس هذا القول بشيء انتهى.
وروى أبو داود والترمذي وصححه عن أم سلمة قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب فقال النبي ﷺ: "احتجبا منه"، فقلنا يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا، فقال النبي ﷺ: "أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه".
والأصح أن المراهق كالبالغ، فيجب على المرأة الاحتجاب منه.
كما يجب عليها الاحتجاب من المجنون.
ويلزم ولي الصبي منعه من نظرها كما يلزمه منع من الزنا.
[ ٣١٢ ]
ويجوز أن ينظر المسموح من المرأة ما ينظر المحرم منها عند الأكثرين.
وعندهم أن المجبوب والخصي والعنين والشيخ الهرم كالفحل.
والأصح جواز نظرة الرجل إلى صغيرة لا تشتهى دون فرجها.
ويحرم النظر إلى الأمرد الحسن بشهوةٍ بالإجماع.
قال النووي في "المنهاج" وكذا بغيرها في الأصح المنصوص.
وقال في شرح مسلم: وسواء أمن الفتنة أم خافها هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين، ونص عليه الشافعي وحذاق أصحابه، انتهى.
ويحرم النظر بالشهوة إلى غير الأمرد من الرجال والمحارم والشيوخ والعجائز.
ويحرم على المرأة أن تنظر من المرأة ما بين سرتها وركبتيها.
والأصح تحريم نظر الكافرة إلى بدن المسلمة.
والأشبه أنها ترى منها ما يبدو في المهنة لا غير.
ويحرم النظر إلى ما بين سرة الأمة وركبتيها على الأصح عند الرافعي، ويكره إلى ما سوى ذلك.
والوجه الثاني: يحرم النظر إلى ما يبدو حال المهنة.
والثالث: أنها كالحرة.
قال النووي في "المنهاج": وهو الأصح عند المحققين.
قال في "الروضة": وقد صرح به صاحب البيان وغيره وهو مقتضى إطلاق الأكثرين وهو أرجح دليلًا.
فرع: قال في الروضة:
ما لا يجوز النظر إليه متصلًا: كالذكر، وساعد الحرة، وشعر رأسها، وشعر عانة الرجل، وما أشبهها، يحرم النظر إليه بعد الانفصال على الأصح.
وعلى الأصح يحرم النظر إلى قلامة رجل المرأة، ودون قلامة يديها.
[ ٣١٣ ]
فرع:
يكره نظر الرجل والمرأة إلى فرج نفسه بلا حاجة.
وفي نظر أحد الزوجين إلى فرج الآخر وجهان:
أحدهما يحرم.
وأصحهما يكره ولا يحرم.
فرع:
قال في الروضة: حيث حرم النظر حرم اللمس بطريق الأولى فيحرم على الرجل دلك فخذ رجلٍ بلا حائل، وكذا من فوق الإزار إن خاف الفتنة.
ويحرم مس كل ما جاز النظر إليه من المحارم والإماء.
بل لا يجوز للرجل مس بطن أمه ولا ظهرها، ولا أن يغمز ساقها، ولا رجلها، ولا أن يقبل وجهها، وكذا لا يجوز أن يأمر / ابنته أو أخته بغمز رجله.
وعن القاضي حسين أنه كان يقول للعجائز اللاتي يكحلن الرجال يوم عاشوراء مرتكبات للحرام.
فرع:
لا يجوز أن يضاجع الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش.
قلت: كذا قال في الروضة تبعًا للرافعي ومرادهما إذا كان متجردين لقوله ﷺ: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواجد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد".
رواه مسلم.
وقد صرح بذلك القاضي حيث قال: "لا يجوز للرجلين أن يتجردا في ثوب واحد".
[ ٣١٤ ]
والخوارزمي أيضًا في الكافي حيث قال: لا يجوز مضاجعة الرجلين العاريين وإن كان أحدهما من جانب والآخر من جانب، وكذا في حق المرأتين. انتهى.
وإذا بلغ الصبي أو الصبية عشر سنين وجب التفريق بينه وبين أبويه وأخويه في المضجع معًا.
فرع:
قال ابن الحاج المالكي في "المدخل": قال علماؤنا: لا يجوز أن يجتمع مكشوف العورة مع مستور العورة تحت سقف واحد".
فرع:
التستر حال الاغتسال في الخلوة أفضل، والتكشف جائز مدة الحاجة في الغسل والزيادة على قدر الحاجة حرام على الأصح، لأن ستر العورة في الخلوة واجب على الأصح، ذكره في شرح مسلم.
ومنها: الإشراف على بيوت الناي بغير إذن:
وفي الصحيحين عن أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه".
وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت – ﵁ – أن رسول الله ﷺ سئل عن الاستئذان في البيوت فقال: من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فلا إذن له وقد عصى".
وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن ثوبان قال: قال رسول الله
[ ٣١٥ ]
ﷺ: "ثلاث لا يحل لأحدٍ أن يفعلهن: لا يؤم رجل قومًا فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم، ولا ينظر في ثغر بيت قبل أن يستأذن فإن فعل فقد دخل، ولا يصلي وهو حقن حتى يخفف".
ومنها: استماع الغيبة والسكوت عن إنكارها مع الاستطاعة وذلك حرام وقد عده بعضهم من الكبائر وليس ببعيد، لأنه ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة عليه.
وقد جاء في الحديث أن المغتاب والمستمع شريكان.
ومنها: ترك السنن الراتبة ودعاء الاستفتاح وتسبيحات الركوع والسجود:
وقد عد ذلك القاضي حسين من الصغائر وتبعه صاحب التهذيب.
ومنها: كثرة الخصومات وإن كان محقًا:
كذا قال صاحب العدة وقال غيره إذا راعى حد الشرع لا يكون معصيةً، وصوَّبه النووي.
وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم".
وروى الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "كفى بك إثمًا أن لا تزال مخاصمًا".
ومنها: الجلوس مع الفساق إيناسًا لهم.
ومنها: الصلاة المنهي عنها في أوقات النهي.
ومنها: البيع والشراء في المسجد:
ورجح النووي أنه مكروه.
[ ٣١٦ ]
وقد روى الترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا رأيتم من يبيع أن يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة فقولوا: ردها الله عليك".
ومنها: إدخال النجاسات إلى المسجد وكذا إدخال المجانين والصغار إن لم يؤمن تنجيسهم.
ومنها: الكلام والإمام يخطب:
وهو حرام في القديم.
لما روى أبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن جابر ﵁ قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد والنبي ﷺ يخطب فجلس إلى جنب أبي بن كعب فسأله عن شيء أو كلمه بشيء فلم يرد عليه، فلما انفتل النبي ﷺ من صلاته قال [ابن مسعود]: يا أُبي ما منعك أن ترد علي حين سألتك؟، قال: إنك لم تحضر معنا الجمعة، قال: لم؟ قال: تكلمت والنبي ﷺ يخطب، فقام ابن مسعود فدخل على النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: صدق أُبي، صدق أُبي، أطع أُبيًا".
وروى الإمام أحمد عن علي ﵁ حديثًا رفعه إلى النبي ﷺ
[ ٣١٧ ]
قال فيه: "ومن دنا من الإمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفلان من الوزر ومن قال: صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له".
رواه أبو داود إلا أنه قال فيه: "فإن جلس مجلسًا لا يستمكن فيه من الاستماع والنظر فلغا ولم ينصت كان له كفلان من وزر، فإن جلس مجلسًا يتمكن فيه من الاستماع والنظر ولغا ولم ينصت كان له كفل من وزر، ومن قال لصاحبه يوم الجمعة أنصت فقد لغا، ومن لغا فليس له من جمعته شيء".
فرع:
إذا قلنا بالقديم، فالداخل في أثناء الخطبة لا يسلم، فإن سلم حرمت إجابته باللفظ وتستحب الإشارة، وتشميت العاطش حرام على الصحيح المنصوص.
ويحرم كلام الآدميين على البعيد كما يحرم على القريب، هذا كله تفريغ على القديم.
ثم القولان إنما هما في الكلام الذي لا يتعلق به غرض.
أما لو رأى إنسانًا يقع في بئر أو عقربًا تدب إلى إنسان أو أمره بمعروف أو نهي عن منكر فكل ذلك لا يحرم.
نص عليه الشافعي، واتفق عليه الأصحاب والله أعلم.
ومنها: البيع بعد الأذان الثاني يوم الجمعة:
وهو حرام إذا تأخر بسببه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية.
[ ٣١٨ ]
قال النووي وغيره: البيع من الصنائع والعقود في معنى البيع.
ومنها: العبث في الصلاة:
وقد قيل إنه حرام وصوب النووي أنه من المكروهات.
ومنها: الضحك في الصلاة:
ومذهب أبي حنيفة – ﵀ – أن القهقهة في الصلاة تنقض الوضوء.
ومنها: عدم إتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب بينهما:
ويترجح أن يكون ذلك من الكبائر، لأن الوعيد فيه شديد جدًا.
وقد عد من الكبائر أفعال لم يرد فيها نظير ما ورد في هذا الفعل.
فيروي الإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي قتادة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها".
ورواه الطبراني وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة أيضًا.
وروى أبو يعلى وابن خزيمة في صحيحه عن عمرو بن العاص وخالد
[ ٣١٩ ]
ابن الوليد وشرحبيل بن حسنة أن النبي ﷺ رأى رجلًا لا يتم ركوعه وينقر سجوده وهو يصلي فقال رسول الله ﷺ: "لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد ﷺ".
وقال رسول الله ﷺ: "مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر سجوده مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتان لا يغنيان عنه شيئًا".
وروى الطبراني بإسناد رجاله ثقات عن بلال – ﵁ – أنه أبصر رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود فقال: لو مات هذا لمات على غير ملة محمد ﷺ.
وروى الإمام أحمد بإسنادٍ جيد عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: "لا ينظر الله إلى عبدٍ لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده".
وفي الموطأ عن النعمان بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما ترون في الشارب، والزاني، والسارق؟ وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: هن فواحش وفيهن عقوبة، وأسوأ السرقة الذي يسرق من صلاته. قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يتم ركوعها ولا سجودها.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله
[ ٣٢٠ ]
ﷺ: "ما من مصلٍ إلا وملك آخذ عن يمينه وملك عن يساره، فإن أتمها عرج بها وإن لم يتمها ضرب بها وجهه".
وروى الطبراني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى الصلاة لوقتها، وأصبغ لها وضوءها، وأتم لها قيامها وخشوعها وركوعها وسجودها، خرجت وهي بيضاء مسفرة، تقول: حفظ الله كما حفظتني، ومن صلاها لغيرها وقتها، ولم يسبغ لها وضوءها، ولم يتم لها خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداء مظلمة تقول، ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله، لُفت كما يلف الثوب الخلق، ثم يضرب بها وجهه".
وروى الأصبهاني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليصلي ستين سنة، ولا تقبل له صلاة، لعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع".
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن عمار بن ياسر – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الرجل لينصرف من صلاته، وما كتب له من صلاته إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها".
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
واعلم أن من رأى مسيئًا في صلاته وسكت عنه فهو شريكه، وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة من نجاسة على ثوب لا يراها، وانحراف عن القبلة ظلام أم عمى، فكل ذلك تجب الحسبة فيه.
[ ٣٢١ ]
قال الغزالي وغيره: وإذا كان المعتكف في المسجد يضيع به أكثر أوقاته في الأمر بالمعروف والنهي عما يراه من المنكرات في المسجد، ويشتغل به من التطوع والذكر فليشتغل فإن هذا أفضل من ذكره وتطوعه، لأن هذا فرض وهي قربة تتعدى فائدتها، فهي أفضل من نافلة تقتصر عليه فائدتها.
ومنها قراءة القرآن بالألحان مع الإفراط في المد وإشباع الحركات بحيث يتولد من النصب [ألف] ومن الجر ياء، ومن الرفع واو، وذلك حرام على الصحيح: قال النووي: ويفسق به القارئ ويأثم المستمع.
فرع: يجب النهي على من سمع قارئًا يُلحن في قراءته، ويجب أن يلقنه الصحيح.
وكذا قال الغزالي ولم يفرق في الوجوب بين اللحن الذي يغير المعنى واللحن الذي لا يغير المعنى.
ويحتمل أن يقال إن أفسد المعنى وجب النهي، إلا استحب.
قال: والذي يكثر اللحن في القرآن، إن كان قادرًا على التعلم فليمنع من القراءة حتى يتعلم فإنه عاص بها، وإن كان لا يطاوعه اللسان فإن كان أكثر ما يقرأه لحنًا فليتركه وليجتهد في [تعلم الفاتحة وتصحيحها، وإن كان الأكثر صحيحًا وليس يقدر على التسوية فلا] بأس له أن يقرأ ولكن ينبغي أن يخفض صوته، ويمنعه سرًا منه أيضًا وحذرًا، ولكن إذا كان ذلك منتهى قدرته وكان له أنس بالقراءة وحرص عليها فلست أرى بها بأسًا، انتهى.
[ ٣٢٢ ]
ومنها: التغوط والبول مستقبل القبلة ومستدبرها في الصحراء:
وذلك حرام عند الشافعي.
وفي الصحيحين النهي عن ذلك.
ومنها: التخلي على طريق المسلمين أو ظلهم أو مواردهم:
وقد صرح الخطابي وغيره بتحريم ذلك.
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طرق الناس أو ظلهم".
والمراد بقوله اللاعنين أي الأمرين الجالبين اللعن.
وروى أبو داود وابن ماجة عن معاذ – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
وروى الطبراني عن أبي هريرة – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سل سخيمته على طريق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
[ ٣٢٣ ]
والمراد بسخيمته: غائطه ونحوه.
ومقتضى هذا الحديث أن يكون هذا الفعل كبيرة، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.
وروى الطبراني بإسناد حسن عن حذيفة بن أسيد أن النبي ﷺ قال: "من آذى المسلمين في طريقهم وجبت عليه لعنتهم".
فرع:
يحرم عليه أن يستجمر بجدار المسجد من خارج لأنه محترم كالداخل وكذلك جدار القبر.
قال ابن الحاج المالكي في المدخل: ويحرم عليه أن يستجمر بحائط الوقف أو بإصبعه ويمسح ما أصابه في الحائط، وهذا النوع قد كثر وهو محرم، انتهى.
ومنها: أن يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كل منهما إلى عورة الآخر: وذلك حرام.
لما روى أبو داود وابن خزيمة في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عورتهما يتحدثان على غائطهما ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله ﷿ يمقت على ذلك".
ورواه ابن ماجة ولفظه: "لا يتناجى اثنان على غائطهما ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله ﷿ يمقت على ذلك".
[ ٣٢٤ ]
ومنها: القبلة للصائم الذي تحرك شهوته:
قال النووي: وهو حرام على الأصح عند أصحابنا.
ومنها: الوصال في الصوم لى الأصح:
وفي الصحيحين النهي عنه.
ومنها: الاستمناء بالكف وغيره.
ومنها: مباشرة الأجنبية بغير جماع:
وقد روى الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".
ومنها: وطء زوجته المظاهر منها قبل التكفير والرجعة.
ومنها: الخلوة بالأجنبية:
وفي الصحيحين وغيرهما النهي عنه.
وقد صرح القرطبي في تفسير سورة الممتحنة بأن الخلوة بغير محرم من الكبائر.
ومنها: مسافرة المرأة بغير زوج أو محرم أو نسوة ثقات:
وهو حرام.
[ ٣٢٥ ]
ومنها: احتكار الأقوات:
وهو حرام.
لما في صحيح مسلم عن معمر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من احتكر طعامًا فهو خاطئ".
وروى أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرء جائعًا فقد برئت منهم ذمة الله ﵎".
وروى ابن ماجة والحاكم عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
قلت: ومقتضى هذين الحديثين أن يكون الاحتكار من الكبائر لو صح.
وروى ابن ماجة عن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامًا ضربه الله بالجذام والإفلاس".
[ ٣٢٦ ]
وروى أحمد والطبراني والحاكم واللفظ له عن معقل بن يسار – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين يغلي عليه كان حقًا على الله أن يقذفه في جهنم رأسه أسلفه".
واعلم أن من أقبح الاحتكار الاحتكار بمكة لشرف المكان وغلظ المعصية.
وقد روى الطبراني عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "احتكار الطعام بمكة إلحاد".
ومنها: النجش في البيع:
وهو أن يزيد في سلعة لا لرغبة فيها بل ليخدع غيره، ويغره ليزيد في ثمنها ويشتريها.
قال النووي: وهذا حرام بالإجماع.
ومنها: التصرية:
وهو أن يربط ضرع الناقة والبقرة والشاة والجارية والفرس اليومين والثلاث حتى يجتمع لبنها فيظن مشتريها أن ذلك عادتها فيزيد في ثمنها، وذلك حرام.
ومنها: البيع على بيع أخيه:
وهو مثل أن يقول لمن اشترى شيئًا في مدة الخيار: أفسخ هذا البيع وأنا
[ ٣٢٧ ]
أبيعك مثلها بأرخص من ثمنه أو أجود منه بثمنه ونحو ذلك. وهو حرام وكذلك يحرم الشراء على شراء أخيه مثل أن يقول للبائع في مدة الخيار، افسخ البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن.
قال بعض العلماء: وفي هذا تنبيه على تحريم الزيادة عليه في الأجرة بعد العقد ليفسخ المؤجر عليه، فلا يحل ذلك ولا يصح الفسخ ولا العقد الثاني، انتهى.
ومنها: السوم على سوم أخيه:
وذلك مثل أن يكون قد اتفق مالك السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقداه، فيقول للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن وأما السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد فليس بحرام.
ومنها: الخطبة على خطبة أخيه:
قال النووي في شرح مسلم: وأجمعوا على تحريم الخطبة إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك.
ومنها: بيع الحاضر للبادي:
وهو أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له بلدي اتركه عندي لأبيعه على التدريج وذلك حرام بشرط علمه بالنهي.
ومنها: تلقي الجلب:
وهو أن يتلقى طائفة يحملون متاعًا إلى البلد فيشتريه قبل قدومه وقبل معرفتهم بالسعر وهو حرام عند مالك والشافعي والجمهور.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا لم يضر بالناس.
وقال أصحابنا: وشرط التحريم أن يعلم النهي ولو لم يقصد التلقي بل خرج
[ ٣٢٨ ]
لشغل فاشترى منهم، ففي تحريمه وجهان أصحهما التحريم أيضًا.
ومنها: بيع المعيب من غير بيانه:
وذلك حرام.
وما أرى في تحريمه خلافًا لما روى عقبة بن عامر – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إذا باع من أخيه بيعًا فيه عيب إلا أن يبينه".
رواه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وروى البخاري موقوفًا على عقبة بن عامر.
فرع:
من رأى شخصًا يبيع لشخصٍ كان عليه أن يبين للمشتري عيبه فإن لم يفعل كان شريكه في الإثم وكان راضيًا بضياع مال أخيه المسلم، وهو حرام.
ومنها: بيع العنب والرطب ونحوهما ممن يعلم أنه يتخذه مسكرًا:
وهو حرام على الأصح.
وكذا بيع الأمرد ممن عرف بالفجور وكل تصرف يفضي إلى معصية.
ومنها: إضاعة المال:
وقد نهى النبي ﷺ عنها.
ومنها: اتخاذ الكلب لغير زرع أو ماشية أو صيد:
لما في الصحيحين عن ابن عمر – ﵁ – قال: سمعت رسول الله
[ ٣٢٩ ]
ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا حرث فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم".
اللفظ لمسلم.
وفي رواية للبخاري "من اقتنى كلبًا ليس بكلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان".
وفي صحيح مسلم أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: "إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة".
ومنها: إمساك الخمر غير المحرّمة.
ومنها: بيع العبد المسلم لكافر.
ومنها: بيع المصحف له وسائل كتب العلم الشرعي.
ومنها: استعمال النجاسة في البدن لغير حاجة.
ومنها: كشف العورة في الحمام.
وكذا في الخلوة لغير حاجة في الأصح.
ومنها: تأخير الغسل لغير عذر:
وقد كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن علي بن أبي
[ ٣٣٠ ]
طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ولا جنب".
وروى أبو داود عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ".
ومنها: الخروج من المسجد بعد الآذان قاصدًا أن يصلي وحده:
لما في صحيح مسلم أن أبا هريرة ﵁ كان في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد يمشي فاتبعه أبو هريرة يبصره حتى خرج من المسجد فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ".
وروى الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق".
وروى ابن ماجة معناه من حديث عثمان.
ومنها: البصاق في المسجد:
لما في الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها".
واعلم أن أقبح ذلك وأغلظه البصاق إلى جهة القبلة في المسجد وغيره.
[ ٣٣١ ]
لما روى أبو داود وابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما عن حذيفة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ:
"من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه".
ورواه الطبراني من حديث أبي أمامة إلا أنه قال: "ومن تفل في قبلته ولم يوارها جاءت يوم القيامة أحمى ما تكون حتى تقع بين عينيه".
وروى البزار وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن ابن عمر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه".
وروى أبو داود وابن حبان في صحيحه عن السائب بن خلاد أن رجلًا أَمَّ قومًا فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر، فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: "لا يصلي لكم فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول النبي ﷺ فذكر ذلك للرسول ﷺ فقال: نعم وحسبت أنه قال إنك آذيت الله ورسوله.
[ ٣٣٢ ]
ومنها: إتيان المسجد لمن أكل ثومًا أو بصلًا أو ما له رائحة كريهة تؤذي الناس وإن كان خاليًا:
لما في الصحيحين عن جابر ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا وليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته".
وفي رواية لمسلم: "من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
وفيهما من حديث ابن عمر "فلا يأتين المساجد".
وروى الطبراني من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكل هذه الخضروات الثوم والبصل والكراث والفجل فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
فرع:
قال القاضي عياض في شرح مسلم قال ابن المرابط:
ويلحق به، أي بمن أكل الثوم ونحوه من به داء البخر أو به خراج له رائحة كريهة.
قال القاضي: وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المساجد، كمصلى العيد، والجنائز، ونحوها من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا يلتحق بها الأسواق" انتهى.
[ ٣٣٣ ]
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦].
قال العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أن يتأذى به ففي القياس أن كل ما يتأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفهًا عليهم وكان ذا رائحة [كريهة] قبيحة لسوء صناعته أو عاتة مؤذية كالجزام وشبه وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه، ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كانت الصلاة وغيرها، كمجالس العلم والولائم وما أشبهها من أكل الثوم، وما في معناه مما له رائحة كريهة.
قال ابن عبد البر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام – ﵀ – أفتى في رجل شكاه جيرانه واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه، وأن لا يشاهد معهم الصلاة. فذاكرته يومًا أمره وطالبته بالدليل فاستدل بحديث الثوم وقال: هو عندي أكثر أذى من أكل الثوم وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد.
قلت: وفي الآثار المرسلة أن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك من نتن ريحه.
فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل فإن ذلك يؤذي. انتهى.
ومنها: أن يسأل الناس تكثرًا من غير حاجة:
وذلك حرام.
لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من يسأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر".
[ ٣٣٤ ]
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مُزعة لحم".
وروى البيهقي عن مسعود بن عمرو عن النبي ﷺ أنه أتى برجل يصلي عليه فقال: كم ترك؟
قالوا: دينارين أو ثلاثة.
قال: ترك كيتين أو ثلاث كيات.
فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر، فذكرت له ذلك فقال: ذلك رجلًا كان يسأل الناس تكثرًا.
وروى الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح وابن خزيمة في صحيحه حُبشى بن جنادة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يسأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر".
اللفظ للطبراني.
ورواه الترمذي أطول من هذا وقال في آخره: "من سأل الناس ليثري به ماله كان خموشًا في وجهه يوم القيامة ورضفًا يأكله من جهنم، فمن شاء فيقل ومن شاء فليكثر".
قوله: ليثري به ماله: أي ليزيد به ماله. وروى أبو داود عن سهل بن الحنظلية ﵁ أن رسول الله ﷺ
[ ٣٣٥ ]
قال: "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار".
زاد بعض رواته وما الغنى الذي لا ينبغي معه قال: قدر ما يغديه ويعشيه.
ورواه ابن خزيمة في صحيحه باختصار إلا أنه قال فيه: قيل يا رسول الله: وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال أن يكون معه شبع يوم أو ليلة ويوم؟
ورواه ابن حبان في صحيحه إلا أنه قال فيه: "من سئل شيئًا وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من [جمر] جهنم. قالوا يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال: ما يغديه أو يعشيه؟
كذا قال أو يعشيه بألفٍ، ولعلها زيادة من بعض النساخ.
وروى الترمذي عن أبي كبشة الأنماري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه:
قال ما نقص مال [عبد] من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلى فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها".
والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
فرع:
قال النووي في شرح مسلم: اختلف أصحابنا في مسالة القادر على الكسب على وجهين أحصهما أنه حرام لظاهر الأحاديث.
[ ٣٣٦ ]
والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط.
أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤدي المسئول.
فإن فقدت هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق.
ومنها أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة:
وقد جاء الوعيد على ذلك في عدة أحاديث:
فروى الطبراني عن أبي موسي الأشعري – ﵁ – أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرًا».
ورجال إسناد هذا الحديث رجال الصحيح إلا شيخه يحيي بن عثمان بن صالح والأكثر على توثيقه.
فإن بلغ هذا الإسناد وإسناد غيره مبلغًا يحتج به كان ذلك من الكبائر والله أعلم.
وروى الطبراني – أيضًا – عن أبي عبيدة مولى رفاعة بن رافع أن رسول الله ﷺ قال: «ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله».
وروى الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بشر الناس، رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي».
[ ٣٣٧ ]
وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بشر البرية؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: الذي يسأل بالله ولا يعطي».
وروى أبو داود عن جابر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يسئل بوجه الله إلا الجنة».
ومنها: أن يأخذ ما يعلم أن دافعه إنما يدفعه بغير طيب نفس بل حياء من الحاضرين عنده أو خوفًا من ذم المدفوع له أو نحو ذلك:
وقد صرح الغزالي وغيره أن ذلك حرام.
وفي صحيح مسلم عن معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد منكم شيئًا فتخرج مسألته مني شيئًا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته».
وروى ابن حبان في صحيحه عن جابر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل يأتيني فيسألني فأعطيه فينطلق وما يحمل في حضنه إلا النار».
وروى أيضًا عن أبي سعيد الخدري قال: بينما / رسول الله ﷺ يقسم ذهبًا إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله: أعطني فأعطاه، ثم قال: زدني. فزاده ثلاث مرات ثم ولى مدبرًا، فقال رسول الله ﷺ: «يأتيني الرجل فيسألني
[ ٣٣٨ ]
فأعطيه ثم يسألني فأعطيه ثلاث مرات ثم ولى مدبرًا وقد جعل في ثوبه نارًا إذا انقلب إلى أهله».
ومنها: نسيان الرمي بعد تعلمه:
وقد عده بعضهم من الكبائر.
وقال النووي ﵀: هو مكروه كراهة شديدة.
وروى مسلم عن عقبة بن عامر – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «من علم الرمي ثم تركه فليس منا أو فقد عصى».
ورواه ابن ماجه إلا أنه قال: «فقد عصاني».
ورواه أبو داود أطول منه وقال في آخره: «ومن ترك الرمي بعد ما عمله رغبة عنه فإنها نعمة تركها أو قال كفرها».
ومنها: أن يسمع ذكر النبي ﷺ فلا يصلي عليه:
وقد أوجب قوم الصلاة على النبي ﷺ كلما ذكر.
قال القرطبي في تفسيره: وهو الاحتياط، انتهى.
وقد عد قوم ترك الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر من الكبائر، وليس ببعيد فإن الوعيد على ذلك شديد.
وفي شرف النبي ﷺ وتأكيد حقه على الأمة ما هو أعظم من ذلك.
وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين.
[ ٣٣٩ ]
قيل يا رسول الله: إنك صعدت المنبر فقلت: آمين. آمين. آمين.
فقال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين.
فقلت: آمين.
ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين.
فقلت: آمين.
ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين. فقلت: آمين.
وقد روي هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة بأسانيد صحاح وبألفاظ متقاربة لولا خشية الإطالة لذكرت منها كثيرًا.
وروى الترمذي وحسنه عن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يصل علي» الحديث.
ومعنى قوله: رغم: أي لصق بالرغام وهو التراب ذلًا وهوانًا.
وروى الطبراني عن الحسن بن علي – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «/ من ذكرت عنده، فخطى بالصلاة علي خطى طريق الجنة».
وروى ابن السني في عمل اليوم والليلة بإسناد جيد عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من ذكرت عنده فلم يصل علي فقد شقي».
[ ٣٤٠ ]
وروى الترمذي وصححه عن علي بن أبي طالب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي».
ورواه النسائي وابن حبان في صحيحه عن الحسين بن علي رضي الله أن النبي ﷺ.
وروى ابن أبي عاصم في كتاب الصلاة عن أبي ذر ﵁ قال: خرجت ذات يوم فأتيت رسول الله ﷺ فقال: «ألا أخبركم بأبخل الناس.
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: من ذكرت عنده فلم يصل علي، فذلك أبخل الناس».
ومنها: الحرص على المال والجاه:
لما روى الترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه».
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب».
[ ٣٤١ ]
ومنها: التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع ونحوه:
وهو حرام.
ويحتمل أن يكون من الكبائر.
لما روى الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي أيوب – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فرق بين والدةٍ وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة».
وروى ابن ماجه والدارقطني عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع عن طليق ابن عمران عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ من فرق بين والدةٍ وولدها».
فإن صح هذا السند كان هذا الفعل من الكبائر قطعًا، والله أعلم.
فرع:
أما أم الأم كالأم عند عدم الأم، وكذلك الأب في الأظهر، ولا أثر لرضى الأم بالتفريق على الصحيح.
ويجوز في بهيمة وولدها بعد استغنائه عن اللبن على الصحيح.
ومنها: قطع شيء من أشجار حرم مكة:
قال النووي: واتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لا ينبتها / الآدميون في العادة، انتهى.
وما ينبت بنفسه وما استنبت سواء على الأصح.
[ ٣٤٢ ]
فرع:
قال الرافعي وغيره: يحرم التعرض والقلع بالقطع لكل شجر رطب غير مؤذ حرمي فيخرج بقيد الرطب اليابس ولا شيء في قطعه، كما لو قد صيدًا ميتًا نصفين، ويخرج بقيد غير مؤذ عود العوسج وكل شجرة ذات شوك فإنها كالحيوان المؤذي لا يتعلق بقطعها ضمان على الصحيح.
وفي وجه اختاره صاحب التتمة أنها مضمونة.
وقال النووي في شرح مسلم في قوله ﷺ: «لا يعضد شوكها دلالة لمن يقول بحرم جميع نبات الحرم من الشجر والكلأ سواء الشوك المؤذي وغيره» وهو الذي اختاره المتولي. وقال جمهور أصحابنا: لا يحرم لأنه مؤذٍ، فأشبه الفواسق، ويخصون الحديث بالقياس، والصحيح ما قاله المتولي انتهى.
ومنها: خبط شوكه وقطع نباته غير الإذخر:
فرع:
قال في الروضة: يجوز أخذ أوراق الأشجار، ولكن يخرطها بلا حبط، انتهى.
ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم كلأ الحرم.
وقال أحمد وأبو حنيفة لا يجوز.
ومنها: تنفير صيده وهو إزعاجه عن مكانه وتنحيته عن موضعه:
وذلك حرام، وفاعله عاصٍ، فإن نفر الصيد فتلف بتغيره عصى وضمنه والدليل على ذلك قوله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم تحل القتال فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلي خلاؤها.
[ ٣٤٣ ]
وفي رواية: لا يخبط شوكها».
رواه البخاري ومسلم.
ومعنى قوله: ولا يختلي: أي لا يقطع.
والخلأ: الرطب من الكلأ.
ومعنى يخبط شوكها: أي يضرب بعصا ونحوه ليسقط ورقه.
وقوله: ولا يلتقط لقطته إلا من يعرفها سنة، ثم يتملكها كما في غيرها من البلاد، بل لا تحل إلا لمن يعرفها أبدًا ولا يتملكها وبهذا قال الشافعي.
وقال مالك: يجوز تملكها بعد السنة.
فرع:
صيد الحرام / حرام بالإجماع على الحال والمحرم.
ولو دخل صيدًا من الحل إلى الحرام فله التصرف فيه بالذبح والأكل وغيره، وهو قول مالك.
قال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز له ذبحه ولا التصرف فيه، بل يلزمه إرساله، فإن أدخله مذبوحًا جاز أكله.
فرع:
وما يصحبه الحاج معه من الكيزان والأكر ونحو ذلك على سبيل الهدية، إن كان معمولًا من تراب الحرم حرم إخراجه وجب رده إليه ولو طالت المسافة. وكذلك الكواويز التي يشترونها للشرب بها في الطريق، وسواء في ذلك تراب حرم مكة والمدينة، والله أعلم.
[ ٣٤٤ ]
فرع:
وج واد بصحراء الطائف صيده حرام على المذهب، والصحيح أنه لا ضمان فيه.
ومنها: حمل السلاح بمكة من غير حاجة:
لما روى مسلم عن جابر – ﵁ – قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة».
ومنها: طلاق الحائض الحائل من غير رضاها:
وقد أجمعت الأمة على تحريمه، وله فروع مذكورة في كتب الفقه.
ومنها: إحداد المرأة على غير زوجها فوق ثلاث:
وذلك حرام لما في الصحيحين عن زينب بنت أبي سلمة قالت: «دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت بطيبٍ فيه صفرة خلوقٌ أو غيره فدهنت منه جاريًة، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتٍ فوق ثلاث إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرًا».
ومنها: مطل الغني:
وهو حرام، لقوله ﷺ: «مطل الغني ظلم».
رواه البخاري ومسلم.
[ ٣٤٥ ]
ومعناه: أن يؤخر ما استحق أداؤه مع تمكنه من الأداء.
قال النووي: قد اختلف أصحاب مالك وغيرهم في أن المماطل، هل يفسق وترد شهادته بمطلة مرة واحدة، أم لا ترد شهادته حتى يتكرر منه ويصير عادة ومقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، انتهى.
ومقتضى هذا أن يكون كبيرة عند من فسقه بمطلة واحدة، والله أعلم.
ومنها: أن يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ:
وذلك حرام وقد عده الذهبي في الكبائر واستدل عليه بحديث عمرو بن شعيب هن أبيه / عن جده عن النبي ﷺ قال: «من منع فضل مائه أو فضل كلائه منعه الله فضله يوم القيامة».
رواه أحمد.
قلت: فإن صح هذا الحديث فينبغي أن يكون فعل ذلك مرة واحدة كبيرة، وإلا فبالإصرار تصير كبيرة، والله أعلم.
ورأيت في تفسير الإمام أبي بكر بن المنذر حدثنا الحسن حدثنا يحيي بن بساط حدثنا عمرو بن علي المقدمي حدثنا صالح بن حيان قال سمعت عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أكبر الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ومنع فضل الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل».
رواه ابن أبي حاتم.
وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك في الصحيحين.
[ ٣٤٦ ]
ومعناه أن لا يكون للإنسان بئر مملوكة له بالفلاة وفيها ماء فاضل عن حاجته، ويكون هناك كلأ ليس عنده ماء إلا هذا ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا حصل لهم السقي من هذه البئر، فيحرم عليه منع فضل الماء للماشية، ويجب بذله لها بلا عوض، لأنه إذا منع بذله امتنع أرباب المواشي من رعي الكلأ خوفًا على مواشيهم من العطش، فيكون بمنعه الماء مانعًا من رعي الكلأ.
وأما منع الماء الذي لا يختص بأحد فهو من الكبائر، وقد تقدم ذكره فيها، والله أعلم.
ومنها: حلوان الكاهن:
وهو ما يعطاه على كهانته، وقد نقل البغوي والقاضي عياض إجماع المسلمين على تحريمه لنهيه ﷺ عنه.
قال النووي: وكذا أجمعوا على تحريم أجرة المغنية للغناء، والنائحة للنوح.
وقال الخطابي في (معالم السنن): وحلوان العراف أيضًا حرام.
والفرق بين الكاهن والعراف، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار.
والعراف هو الذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوها.
وقال الماوردي: ويمنع المحتسب من يكتسب بالكهانة واللهو، ويؤدب عليه الآخذ والمعطي.
ومنها: بيع الكلب:
وهو حرام: لنهيه ﷺ.
وسواء كان معلمًا أو لا.
وسواء كان مما يجوز اقتناؤه أو لا.
[ ٣٤٧ ]
وهو مذهب الإمام أحمد، وجماهير العلماء.
وعن مالك روايات.
وقال أبو حنيفة: يصح بيع الكلب الذي فيه منفعته.
ومنها: خضاب الرجل والمرأة شعرهما بالسواد:
وهو حرام على الأصح المختار.
لما في الصحيح / أنه أتى بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضًا، فقال رسول الله ﷺ: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد».
قلت: وممن صرح بتحريمه الماوردي في الحاوي في باب الصلاة بالنجاسة قال إلا أن يكون في الجهاد.
وقال في آخر كتابه (الأحكام السلطانية) يمنع المحتسب الناس من خضاب الشيبة بالسواد إلا المجاهد، انتهى.
وقد ورد فيه وعيد شديد يقتضي أن يكون من الكبائر.
وهو ما رواه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون قومٌ يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنة».
وخرج الطبراني والحاكم من حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ «نهى عن الخضاب بالسواد وقال: هو خضاب أهل النار».
وفي رواية لهما «الخضاب بالسواد خضاب الكافر».
[ ٣٤٨ ]
ومنها: خضاب الرجل يديه أو رجليه بالحناء من غير ضرورة:
صرح بتحريمه النووي في شرح المهذب، ولم يحك في تحريمه خلافًا.
واستدل على تحريمه بأن النبي ﷺ «لعن المتشبهين من الرجال بالنساء»
وفي كتاب الأدب من سنن أبي داود عن النبي ﷺ أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال: ما بال هذا؟ فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى البقيع، فقالوا يا رسول الله: ألا نقتله؟ فقال: إني نهيت عن قتل المصلين.
ومنها: صوم المرأة تطوعًا وزوجها حاضر من غير أن تستأذنه:
لما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لامرأة أن تقوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه ..
ومنها: التسمي بملك الأملاك وما في معناه:
وذلك حرام؛ لما في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن اخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، ولا مالك إلا الله».
قال سفيان: مثل شاهان شاه.
وقال أحمد بن حنبل: سألت أبا عمر وعن أخنع فقال: أوضع.
ومنها: أن يقيم إنسانًا من موضعه المباح الذي سبق إليه:
وذلك حرام؛ لما في الصحيح من قوله ﷺ: «لا يقيمن أحدكم الرجل
[ ٣٤٩ ]
من مجلسه، ثم يجلس فيه».
وفي روايته: ولكن تفسحوا أو توسعوا».
قلت: فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو خان أو منزل مسافر فهو أحق به ويحرم / على غيره إقامته منه إلا إذا ألف المفتي مكانًا من المسجد يفتي فيه أو يقرأ فيه القرآن، أو يعلم شيئًا من العلوم الشرعية فهو أحق به، وإذا حضر لم يكن لأحد أن يقعد فيه.
وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع، ومقاعد الأسواق المعاملة.
ومنها: أن يتناجى اثنان دون الثالث:
وذلك حرام، لقوله ﷺ: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد».
وفي رواية «حتى يختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه».
رواه مسلم.
فيحرم على الجماعة المناجاة دون واحد منهم، إلا أن يأذن، وكذلك يحرم عليهم أن يتحدثوا بلسان لا يفهمه ولا يعرفه مع قدرتهم على لسانه.
قال النووي: ومذهب ابن عمر ومالك وأصحابنا وجماهير العلماء: إنما النهي في السفر دون الحضر، لأن السفر مظنة الخوف.
ومنها: أن يقول الإنسان رأيت في النوم كذا، ولم يره:
وذلك حرام شديد التحريم، ويحتمل أن يكون كبيرة.
[ ٣٥٠ ]
لما في صحيح البخاري عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعظم الفري أن يدعى الرجل إلى غير أبيه، أو يرى عينيه ما لم تر، ويقول رسول الله ﷺ ما لم يقل».
ومن ذكر الكذب في المنام مع الكذب على رسول الله ﷺ الادعاء إلى غير الأب دليل على أن الكذب في المنام من الكبائر إذ جمع في الوصف مع كبيرتين، والله أعلم.
ويدل عليه أيضًا ما في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من تحلم بحلمٍ لم يره، كلف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل». وهذا شبيه قوله ﷺ: «من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ».
ومنها الخوض في الباطل:
قال الغزالي: وهو الكلام في المعاصي كحكاية أحوال الناس ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومراتبهم المذمومة وأحوالهم المكروهة، فإن ذلك مما لا يحل الخوض فيه، وهو حرام.
قال: ويدخل فيه أيضًا الخوض في حكايات البدع والمذاهب الفاسدة وحكاية ما جرى من قبل الصحابة على وجه يوهم الطعن في بعضهم وذلك باطل والحديث فيه خوض في باطل، انتهى.
[ ٣٥١ ]
وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: «أكثر الناس خطأ يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل»، انتهى.
ومنها: ابتداء الكافر بالسلام:
وقد صرح النووي في الرياض بتحريمه لقوله ﷺ: «لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في / الطريق فاضطروهم إلى أضيقها».
رواه مسلم.
ومنها: لعن الدابة وغيرها من الحيوانات:
وهو حرام، صرح به أيضًا في الرياض وغيره.
ولو قيل إنه كبيرة لرجوع اللعنة إلى قائلها لم يبعد.
لما رواه أبو داود عن أبي الدرداء – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا لعن شيئًا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينًا وشمالًا فإذا لم تجد مساغًا رجعت إلى الذي لعن إن كان كذلك وإلا رجعت إلى قائلها».
ومنها سب الأموات لغير مصلحة:
مثل أن يكون مبتدعًا فيسب ببدعته تحذيرًا منه لأن لا يقتدي به، وسب الميت حرام.
لما روى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ:
[ ٣٥٢ ]
«لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا».
ومنها تعليق الجرس على البعير وغيره من الدواب:
وصرح في (الرياض) بتجريمه لقوله ﷺ: «لا تصحب الملائكة رفقة معها كلب ولا جرس».
رواه مسلم.
ومنها التقعير في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة واستعمال غريب اللغة ودقائق الأعراض من غير ضرورة:
وهو من الكبائر لما ورد فيه من الوعيد الشديد.
وروى ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «هلك المتنطعون، قالها ثلاثًا».
رواه مسلم.
المتنطعون: هم المبالغون في الكلام وغيره.
وروى أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه، كما تخلل البقرة».
وروى الترمذي وحسنه عن جابر – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن
[ ٣٥٣ ]
أبغضكم إلي، وأبعدكم عني مجلسًا يوم القيامة، الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟
قال: المتكبرون».
الثرثار: هو كثير الكلام تكلفًا.
المتشدق: المتطاول على الناس بكلامه، ويتكلم بملء شدقه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه.
والمتفيهق: أصله من الفهق / وهو الامتلاء وهو الذي يملأ فاه بالكلام ويتوسع به تكبرًا وارتفاعًا، وإظهارًا للفضيلة على غيره.
وروى الطبراني بأسانيد أحدها صحيح عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: كنت في أصحاب الصفة، ولقد رأيتنا وما منا إنسان عليه ثوب تمام، وأخذ العرق في جلودنا طرقًا من الغبار والوسخ، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: بشر فقراء المهاجرين إذا أقبل رجل عليه شارة حسنة، فجعل النبي ﷺ لا يتكلم بكلام إلا كلفته نفسه ولا يأتي بكلام يعلو على كلام النبي ﷺ، فلما انصرف قال: «إن الله لا يحب هذا وضربه يلوون ألسنتهم للناس لي البقرة بلسانها المرعى، كذلك يلوي الله ألسنتهم ووجوههم في النار».
[ ٣٥٤ ]
ومنها وطء القبر والجلوس عليه:
وذلك حرام؛ لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن يجلس أحدكم على جمرةٍ فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خيرٌ له من أن يجلس على قبرٍ».
وروى ابن ماجه بإسناد جيد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أمشي على جمرة أو سيفٍ وأخصف نعلي برجلي أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم».
فرع:
يكره الاستناد إلى القبر، نقله في زوائد الروضة عن الأصحاب، وجزم به في أواخر كتاب الجنائز من شرح مسلم بتحريم جميع ذلك.
ومنها لبس الرجل الثوب المزعفر:
وهو حرام؛ لما في الصحيحين عن أنس قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتزعفر الرجل.
ولمسلم عن ابن عمرو – ﵁ – قال: رأى النبي ﷺ علي ثوبين معصفرين فقال أمك أمرتك بهذا؟
قلت: لا.
قلت" أغسلهما.
قال: بل أحرقها.
[ ٣٥٥ ]
وفي رواية «أن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما».
وتقدم حديث عمار: «ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب، إلا أن يتوضأ».
قلت: المزعفر حرام كما تقدم.
ونقل البيهقي في سننه عن الشافعي أنه أباح المعصفر.
قال: والصواب إثبات نهي الرجل عن المعصفر، للأحاديث الصحيحة فيه.
وبه قال الحليمي: قال: ولو بلغت أحاديثه الشافعي لقال بها، وقد أوصى بالعمل بالحديث الصحيح.
ومنها كثرة الضحك بلا سبب:
كذا عدها بعض العلماء من الصغائر.
وقد قال النبي ﷺ لأبي ذر: «إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه».
رواه أحمد والطبراني / وانب حبان في صحيحه في حديث طويل.
ومنها: أن تتطيب المرأة عند خروجها من بيتها:
لما روى النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما أن النبي ﷺ قال: «أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين تنظر إليها فهي زانية».
[ ٣٥٦ ]
ورواه بنحوه أبو داود والترمذي وصححه.
وروى أبو داود وابن خزيمة في صحيحه عن موسى بن بشار قال: مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف، فقال لها: أين تريدين يا أمة الجبار؟
قالت: إلى المسجد.
قال: وتطيبت؟
قالت: نعم.
قال: فارجعي فاغتسلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يقبل الله من امرأة خرجت وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل».
قلت: قد ذكر بعض العلماء أنها إنما أمرت بالغسل لتذهب ريحها، وهو حسن.
وقد فهم ابن خزيمة من هذا الحديث وجوب الغسل عليها، ونفي قبول الصلاة إن لم تفعل.
وفي هذا نظر: لأنه أراد بنفي القبول عدم الرضا بصلاتها وهي في هذا الحال، فهو متجه، كما في قوله «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا».
وإن أراد عدم سقوط الصلاة من ذمتها، فذلك بعيد والله أعلم.
ومنها أن يخرج المزكي الزكاة من شر ماله:
وذلك حرام، صرح بتحريمه البيهقي وغيره لقوله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
[ ٣٥٧ ]
وروى أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك – ﵁ – قال: «خرج رسول الله ﷺ ومعه عصى، فإذا أقناء معلقة، منها قنو حشف فطعن في ذلك القنو وقال: ما ضر صاحب هذه، لو تصدق بأطيب من هذه، إن صاحب هذه ليأكل الحشف يوم القيامة».
ومنها أن يصوم يوم الشك:
وهو اليوم الذي يتحدث برؤية الهلال فيه من لا يثبت بقولهم من نساء وعبيد وفسقه إذا غلب على ظنه صدقهم وإلا فليس بشك سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة.
لقول عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ.
رواه البخاري تعليقًا. ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
ومنها ترجيح إحدى الزوجتين على الأخرى:
وهو حرام، لما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال: «من كانت عنده / امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط».
[ ٣٥٨ ]
ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
ومنها: تخصيص أحد الأولاد بعطية دون أخوته:
وقد سماه النبي ﷺ جورًا.
ومنها أن ينام على سطح لا تحجير له:
ويحتمل أن يكون كبيرة لأنه تعريض النفس للهلاك.
وروى أبو داود عن علي بن شيبان قال: قال رسول الله ﷺ: «من بات على ظهر بيت ليس له حجار فقد برئت منه الذمة».
وروى الطبراني عن عبد الله بن جعفر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من رقد على سطح لا جدار عليه فمات، فدمه هدر».
وروى الترمذي عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن ينام الرجل على سطح ليس بمحجور عليه.
وفيها أن ينام الرجل على وجهه من غير ضرورة:
لما رواه أحمد وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: مر النبي ﷺ برجل مضطجع على بطنه فغمزه برجله وقال: إن هذه ضجعة لا يحبها الله ﷿.
[ ٣٥٩ ]
وروى ابن ماجه عن أبي ذر ﵁ قال: مر بي النبي ﷺ وأنا مضطجع على بطني فركضني برجله وقال: يا جنيدب إنما هذه ضجعة أهل النار.
وروى أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «إن هذه ضجعة يبغضها الله». انتهى.
ومنها أن يركب البحر عند هيجانه:
ويحتمل أن يكون كبيرة لأنه عرض نفسه للهلاك.
وروى أحمد بإسناد رجاله ثقات عن زهير بن عبد الله قال: حدثني رجل أن رسول الله ﷺ قال: «من بات فوق إجار أو فوق سطح ليس حوله شيء يرد رجليه، فقد برئت منه الذمة ومن ركب البحر عند ارتجاجه، فقد برئت منه الذمة».
ومنها أن يرجع فيما وهب لغير ولده:
لما روى أبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه عن ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لا يحل للرجل أن يعطي الرجل عطية أو يهب هبة، ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يرجع في عطيته أو هبته كالكلب يأكل فإذا شبع قاء ثم عاد من قيئه».
[ ٣٦٠ ]
وفي الصحيحين والسنن أن النبي ﷺ قال: «مثل الذي يعود في هبته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله».
ولفظ أبي داود: «العائد من هبته كالعائد من قيئه».
قال قتادة: ولا نعلم القيء إلا حرامًا.
واعلم-
حفظنا الله وإياك من مهاوي الهلاكات، وأخذ بنواصينا / فيما يرضاه من الطاعات أن الصغائر لا يمكن حصرها إلا باستيفاء ما نص العلماء على تحريمه وذلك أمر لا مطمع من حصره.
وقد ذكرنا للآن من ذلك جملة صالحة بأدلتها الصريحة فيها.
ويأتي من ذلك في الباب السادس جملة أخرى داخلة فيما نهى عنه ﷺ والله ولي التوفيق.
تنبيه:
واعلم-
حفظنا الله وإياك من اجتراح الصغائر والكبائر ووفقنا لإصلاح البواطن والظواهر، وجعلنا من الفائزين بالنجاة يوم تبلى السرائر – أن الصغيرة تكون كبيرة بأمور منها الإصرار.
وقد روى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن أنس قوله: «لا صغيرة مع الإصرار».
وإسناده جيد.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب (التوبة) عن ابن عباس قوله: «كل ذنب أصر عليه العبد كبيرة».
[ ٣٦١ ]
وفي رواية «لا صغيرة مع الإصرار».
وروى في ذلك عن ابن عمر وغيره.
وقد اختلف العلماء في حد الإصرار.
فقال الشيخ أبو محمد عز الدين بن عبد السلام ﵀: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكررًا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك.
قال: وكذلك إذا أجمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر أصغر الكبائر. انتهى.
وقال أبو عمرو بن الصلاح ﵀: المصر من تلبس من أضداد التوبة باستمرار العزم على المعاودة أو باستدامة الفعل بحيث يدخل به ذنبه في خبر ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرًا عظيمًا وليس لزمن ذلك وعدده حصرًا، انتهى.
واعلم: أن مثل الإصرار على الصغيرة بالمداومة كمثل قطرات من الماء تقع على حجر متوالية فتؤثر فيه أثرًا ظاهرًا. ولو جمع القطر وصب على الحجر دفعة واحدة لما أثر.
وقد تقدم في أول الفصل عدة أحاديث في أن المحقرات من الذنوب إذا اجتمعت على المرء أهلكته.
ومنها استصغار العبد لها:
لأن الذنب كلما استعظمه العبد صغره عفو الله ﵎، وكلما استصغره العبد عظمه جلال الله تعالى.
لأن استعظام المعصية يشعر بشهود القلب شيئًا من عظمة الله تعالى وجلاله وكبريائه ويدل على ندم وكراهة في القلب، واستصغار المعصية / يدل على قلة المبالاة بمن عصاه وعدم الاكتراث بشهوده ومخالفته.
ولهذا جاء في البخاري عن ابن مسعود موقوفًا أو مرفوعًا «أن المؤمن يرى
[ ٣٦٢ ]
ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال بيده هكذا».
قال ابن شهاب: بيده فوق أنفه.
وقال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر، قول العبد ليت كل شيء عملته مثل هذا وقد أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، وانظر إلى كبرياء من واجهته بها.
واعلم: أن كل من تحقق بشهود جلال الله وعظمته وتفكر في سعة إحسانه وعظم منته، ولاحظ ما أسبغه عليه من نعمته من غير استحقاق لشيء من ذلك لم ير قط صغيرة، بل كل مخالفة فهي عنده كبيرة، بالإضافة إلى عز الربوبية، ووجوب انقياد العبد بلازم العبودية لما ساء وسر من تفاصيل أحكامها وبهذا تعظم زلة العالم وغفلة العارف، لأن من خالف أمر سيده مع معرفته به وشدة بطشه واستيلاء قهره وعظمة اقتداره لا يكون كمن خالف مع جهله وعدم معرفته بصفات جلاله.
اللهم عرفنا بك ووفقنا للقيام بأوامرك على قدم العبودية، والوفاء بحقيقة الأدب في الحركات والسكنات، يا من بيده مقاليد كل خير وهو على كل شيء قدير.
ومنها: السرور بالصغيرة والفرح بارتكابها والافتخار بها، وشهود تمكينه منها نعمة، والغفلة عن كونها نقمة وسببًا للشقاء:
مثل أن يقول:
ظفرت بفلانة البارحة بعد طول امتناعها، وتعزيزها فعانقتها وقبلتها على رغم أنف الحسود.
وخاصمني فلان فأظهرت مساوئه وفضحته على رءوس الأشهاد.
وجلس فلان في صدر الحلقة فأقمته منه وجلست مكانه.
وأغضبتني فلانة فطلقتها ثلاثًا ولم ألتفت إلى حيضها.
[ ٣٦٣ ]
وكان فلان يخطب فلانة فأجابوه فلما خطبتها أعرضوا عنه ورغبوا إلي.
وخزنت في سنة كذا وكذا غلة وكان بالغلاء، فكسبت فيها كذا.
ولاقيت الركب إلى الموضع الفلاني فاشتريت منه كذا أو بعته بكذا، ومثل هذا الكلام.
فمثل هذا يصير الصغيرة كبيرة.
/ ومثل هذا جدير أن يكون من الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
ومنه: أن يستر الله عليه ذنبًا فيصبح يذكره عند غيره:
وذلك جناية على ستر الله الذي أسدل عليه، وتحريكًا لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه، أو أشهده فعله، فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته تغلظت بهما، فإن انضاف إلى ذلك ترغيب السامع في تلك المعصية وتحسينها له ومدحها عنده صارت جناية رابعة وتفاحش الذنب.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول؛ يا فلان: قد عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه»، انتهى.
فمن ستر الله قبيحه وأظهر جميله ولم يهتك ستره فخالف ذلك وأظهر ما ستر الله عليه، فقد بدل نعمة الله كفرًا.
ومنها: أن يكون المذنب عالمًا يقتدي به من نظره فإن عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة:
لقوله ﷺ: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة
[ ٣٦٤ ]
كان عليه وزره، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا».
رواه مسلم.
وروى أحمد والحاكم وصحح إسناده عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سن خيرًا فاستن به كان له أجره ومثل أجور من تبعه [غير منتقص من أجورهم شيئًا] ومن سن شرًا فاستن به كان عليه وزره ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئًا».
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «ليس من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل».
وقال ابن عباس: ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق.
وقال بعضهم: مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق وتغرق أهلها.
فقد استبان لك أيها الأخ كما تضاعف حسنة العالم تضاعف سيئته إذا اقتدى به.
فكم من رجل كان يحسن صلاته مدة سنين / فرأى عالمًا يسيء صلاته، ويتهاون بالطمأنينة فيها والخشوع، فترك ما كان عليه واقتدى بالعالم في ذلك واتخذه عادة ظنًا منه أن هذه الصفة تجزئ، وأن مثل هذا العالم لا يفعل إلا ما يجوز والنفوس قد طبعت على الميل إلى الراحة وإيثار الرخص، وإتباع الأيسر
[ ٣٦٥ ]
من الواجبات، والنفور عن العزائم والتشديدات، فلو قيل له لم تسيء صلاتك؟ لقال وما نسبتي إلى العالم فلان، وقد رأيته يصلي كذلك، فإن كنت منكرًا فأنكر عليه فما أنا بأعلم منه ولا أدين منه، ونحو هذا الكلام.
وقس على هذا جميع ما يصدر من المتلبسين بالعلم، فتجد ذلك أعظم الأسباب في جراءة الجاهلين على الذنوب وارتكابهم المعاصي، وقلة مبالاتهم بالمخالفات.
وأشد ما في ذلك على العالم أن العاصي ربما كان يأتي المعصية مع استشعار الخوف والندم وغير ذلك من الأسباب التي تصغر تلك المعصية وإن كانت كبيرة، فإذا رأى العالم يفعلها صغرت في عينيه وهانت في قلبه وأتاها بإقدام وجراءة، فإن كانت صغيرة صارت بذلك كبيرة، وإن كانت كبيرة كانت فاحشة غليظة موبقة، وبعدت عليه التوبة منها لأنه يأتيها بنوع تأويل باطل يرجع إلى تقليد العالم فيها والاقتداء به، وإنما أتاها لعلمه أن فيها رخصة لا يعلمها الجاهل، وإثم جميع ذلك على العالم الذي اقتدى به في الضلال، وإقامة مقام إبليس في الإضلال.
ومثل هذا العالم يجب عليه فيما يرتكبه أمران:
أحدهما: ترك الذنب.
والآخر: إخفاءه عمن يقتدي به فيه.
فكل هذه الأمور وأشباهها مما تعظم به الصغائر وتنتقل إلى رتب الكبائر.
فيجب على مرتكبها إن لم يوفق للتوبة منها أن يحترز عما تنظم به، ولا يغفل عن عظمة من عصاه، ويشكر مولاه على ستر الجميل في مخالفته وحلمه عليه في عصيانه، ويتلبس أبدًا بالندم والانكسار ويتوقع التوبة والعفو بشهود الفاقة والافتقار، ويتطهر ما أمكنه عن الذنوب أجمع فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
[ ٣٦٦ ]