في ذكر جمل من المنكرات والبدع المحدثات
ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
وروى الترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والمحدثات فإن كل محدثة ضلالة».
وروى الإمام أحمد والبزار عن غضيف: أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة».
[ ٤٢٧ ]
رواه الطبراني: إلا أنه قال: «ما من أمة ابتدعت بعد نبيها في دينها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة».
وروى ابن ماجه وابن أبي عاصم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال / رسول الله ﷺ «أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته».
رواه الطبراني.
إلا أنه قال: إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة «حتى يدع بدعته».
وروى ابن ماجه عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا بدعة صومًا ولا حجًا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا يخرج من الإسلام كما يخرج الشعر من العجين».
والأحاديث في مثل هذا كثيرة.
قال الإمام المحقق أبو محمد عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى.
البدع ثلاثة أضرب:
أحدها ما كان مباحًا كالتوسع في المأكل والمشرب والملابس والمناكح فلا بأس بشيء من ذلك.
الثاني ما كان حسنًا وهو مبتدع موافق لقواعد الشريعة غير مخالف لشيء منها
[ ٤٢٨ ]
كبناء الربط والخانات والمدارس وغير ذلك من أنواع البدع التي لم تعهد في العصر الأول، فإنه موافق لما جاءت به الشريعة من اصطناع المعروف والمعاونة على البر والتقوى وكذلك الاشتغال بالعربية فإنه مبتدع ولكن لا يتأتى تدبر القرآن وفهم معانيه إلا بمعرفة ذلك. فكان ابتداعه موافق للشريعة ولما أمرنا به من تدبر آيات القرآن وفهم معانيه. وكذلك تدوين الأحاديث وتقسيمها إلى الحسن والصحيح والموضوع والضعيف مبتدع حسن لما فيه من كلام رسول الله ﷺ أن يدخله ما ليس فيه وأن يخرج منه ما هو منه. وكذلك تأسيس قواعد الفقه وأصوله كل ذلك مبتدع حسن موافق لأصول الشرع غير مخالف لشيء منها.
الثالث: ما كان مخالفًا للشرع أو ملتزمًا لمخالفة الشرع فمن ذلك صلاة الرغائب فإنها موضوعة على رسول الله ﷺ وكذب عليه.
وقال غيره البدع خمسة أقسام:
بدعة واجبة: وهي مثل كتب العلم وشكل المصحف ونقطه.
ومستحبة: كبناء القناطر والجسور والمدارس وما أشبه ذلك.
ومباحة: كالمنخل والأشنان وما أشبه ذلك.
ومكروهة: مثل الأكل على الخوان وما أشبهه.
ومحرمة: وهي أكثر من أن تحصر، انتهى.
واعلم: أني أذكر في هذا الباب جملًا من القسم الخامس وهي البدع المحرمات وقليلًا من المكروهات ولا أتعرض لغيرها من الأقسام اهتمامًا بالمحظور وبيانه إذا كان صرف الوقت في الأهم متعينًا.
مع أن البدع المحظورة لا مطمع في استيفائها لعدم إمكان حصرها واختلافها بحسب اختلاف البلاد وما ألقى الشيطان عند أهل كل ناحية وزين لأهل كل قطر.
لكن أذكر أكثر البدع وقوعًا في / بلادنا ليستدل بما ذكرته على ما لم أذكره
[ ٤٢٩ ]
ويكون كالأنموذج له ومن يتق الله يجعل له فرقانًا يستضيء به في غياهب الفتن. ويستدل به على الصواب فيما يحدث في كل زمن.
واعلم أن كل ما كان مكروهًا فإنكاره مستحب لا واجب. والسكوت عنه مكروهًا. وما كان محرمًا فإنكاره واجب والسكوت عنه حرام.
والله تعالى الهادي وبه نستعين.
[ ٤٣٠ ]
فصل
في ذكر بعض ما يشاهد في المساجد من البدع والمنكرات
فمنها: البيوت المحددة في أسطحه الجوامع:
كجامع عمرو بن العاص بمصر والجامع الأزهري والحاكم وغيرهما بالقاهرة والبيوت المحددة في مسجد بيت المقدس وفوق أروقته.
وكل ذلك بدعة لا تجوز؛ لأن فيه تحجير على المسلمين وتخصيصًا لنفسه بما هو مشترك المنفعة وتثقيلًا لما يحمل السطح من الجذوع والقناطر ونحوهما.
مع أن أكثر سكانها لا يعاملونها بما يعامل به المسجد من صلاة تحية المسجد كلها دخل.
ومن توقى البصاق فيه وأكل الثوم والبصل وغيرهما مما له رائحة كريهة.
وكذلك لا ينزهونه عن تعمد إخراج الريح فيه وكثرة اللغط.
وبعض جهالهم لا يتوقى الجلوس فيه وهو جنب كأنه بيته.
وبعض البيوت الذي فوق أروقة المسجد الأقصى بل غالبها يسكنها المزوجون بأهليهم وأولادهم الصغار في أسرتهم مع ما يحدث منهم من التنجيس وربما جامعوا فيها وكان في نسائهم الحائض والجنب إلى غير ذلك من المحرمات التي لا تحصى.
وكل ذلك منكرات محرمة يجب على كل قادر إنكارها وهدمها وإخراج ترابها من المسجد ومنع من يحدث منها شيء.
وقد كان ابن بنت الأعز لما تولى قضاء مصر جاء إلى سطح الجامع بمصر في جماعة وهدم ما فيه من البيوت عن آخرها ولم يسأل لمن هذا البيت ولا لمن هذا
[ ٤٣١ ]
البيت بل أخذ ما وجد فيها فرماه في صحن الجامع ومشى الأمر على ذلك مدة من الزمان ثم أحدثوها لعدم المنكر.
مع أن مذهب الإمام مالك لا تصح الجمعة فيها كما لا تصح في بيت القناديل لاشتراكهما في التحجير على بعض الناس دون بعض.
حكاه أبو عبد الله ابن الحاج المالكي في كتابه (المدخل).
وكذلك بناءها في أرض المسجد ورحبته لا يجوز لما ذكرنا.
قال ابن الحاج فيمن يقتطع من المسجد موضعًا يمنعه من غيره ويسكن فيه دائمًا وينام / فيه ويقوم وقد يجنب فلا يمكنه الخروج من المسجد فيجلس فيه وهو جنب. إن ذلك محرم وفاعله مصر على معصيته مقيم عليها ولو تاب بقلبه ولفظه حتى يفارقها فكيف يزار ويتبرك به مع هذه الحرمة. مع أنه غاصب لمواضع المصلين في كل وقت ما دام مقيمًا على ذلك حتى إن بعضهم إذا خرج من المقصورة أغلقها على متاعه كأنه بيت أبيه وجده، انتهى.
وقال أيضًا: ينبغي أن يغير ما أحدثوه من التأزيز يفي جدر المسجد.
يعني بالحصر وغيرها لأنها من باب الزخرفة أو لأنه لا يمكن إلا بمسامير أو ما يقوم مقامها.
وذلك لا يجوز في الوقف إلا لضرورة شرعية، مثل أن يكون [في جدار] المسجد سباخ أو شيء ليلوث ثياب المصلين فيغتفر ذلك، ومنع دق المسمار.
وما تقدم لا يختص بالمسجد بل هو حكم شائع في كل وقف سواء كان ساكنًا بكراء أو بغيره. لا يجوز له شيء من ذلك ولو أذن الناظر فيه ولو كان ملكًا لغيره لم يجز إلا بإذنه.
وقال أيضًا ومنع ذلك مالك – ﵀ – أن يؤتى الرجل في المسجد بوسادة يتكئ عليها أو بفروة يجلس عليها وأنكر ذلك. وقال تشبه المساجد بالبيوت، انتهى.
[ ٤٣٢ ]
ومنها: زخرفة المحراب والمسجد:
وهو بدعة، إذ هو من أشراط الساعة وقال ابن القاسم: سمعت مالك يذكر مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته فقال كره الناس ذلك حين فعله لأنه يشغلهم بالنظر إليه.
قال ابن الحاج وينبغي أن يغير ما أحدثوه من إلصاق القمر في جدار القبلة وفي الأعمدة.
وكذلك يغير ما يعلقونه من خرق كسوة الكعبة في المحراب وغيره.
فإن ذلك كله من البدع لأنه لم يكن من فعل من مضى.
ومنها: ما يفعله كثير من العوام من التفلي في المسجد ورمي جلد القملة والبرغوث في المسجد.
وذلك حرام لنجاسة جلدهما.
وحكي ابن الحاج الإجماع على أن ذلك لا يحل ويكره قتلهما في المسجد في ثوبه لأن ذلك بمنزلة الحجامة والفصد في إناء المسجد.
وكذلك لو عصر دمله أو بثرته في ثوبه أو أنامله ولم ينجس بذلك شيئًا من المسجد فإن حصل بذلك تنجيس حرم، ولو قتل القمل في ثيابه وتركه فيها ميتًا وصلى به لم تصح صلاته ولو قتله وجمعه في ثوبه حتى يخرج فيلقيه. لم يجز لأنه يحمل النجاسة في المسجد لغير ضرورة.
ولا يجوز أن يلقي القملة حية / في المسجد ولا في غيره لأن فيه تعذيبًا لها.
وقد أمر النبي ﷺ بتحسين القتلة.
وكذلك لا يجوز أن يترك ثوبه في الشمس ليخرج القمل منه إذا أحس بحرارة الشمس؛ لأنه إما أن يموت جوعًا وإما أن يتعلق بأحد.
وقد حكي عن سيدي حسن الزبيدي وكان من العلماء العارفين أنه خرج يومًا
[ ٤٣٣ ]
مع أصحابه إلى بستانه فلما كان في أثناء الطريق رجع وأمر أصحابه أن يذهبوا إلى البستان فسألوه عن سبب رجوعه فقال كان علي قميص نسيته في البيت وفيه دواب فخفت أن يموتوا جوعًا فرجعت لأقتلهم أو ألبسه.
ومنها: بناء المسجد بالآجر النجس:
وقد نقل عن القاضي أبي الطيب تحريمه.
والمذهب تجويزه مع الكراهة.
قال الشافعي – ﵀ – ولو بني مسجد بآجر نجس أو فرش به مسجدًا كرهت ذلك.
ومنها: ما يؤبد في المسجد من كراسي الخشب للمصاحف والوعاظ:
وذلك لا يجوز لأن فيه تضييقًا على المصلين.
فإن كان يرفع في أوقات الصلاة فالظاهر جوازه.
وكذلك ما أحدثوه في المسجد من الصناديق المؤبدة للنعال وغيرها وذلك غضب لموضع مصلى المسلمين.
ومنها: جلوس بعض الناس في المسجد ليحفظ نعال المصلين بأجرة:
وهذا مكروه كما يكره في حق البيع والشراء في المسجد ولأنه من الجرف الدنية في المسجد، فإن جلس على باب المسجد ولم يضيق على الداخلين لم يكره.
ومنها: كتابة القرآن في جدار المسجد:
ومذهبنا أنه مكروه لأنه تعريض له لوقوع الغبار عليه.
وقد صرح الحليمي في منهاجه أن من تعظيم الله وتعظيم رسوله ﷺ أن ينفض الغبار عن المصحف وكتب السنن وأن لا يوضع عليها شيء من متاع البيت. وكذلك يكره كتابته في جدار غير المسجد، فإن كان في جدار يصعد فوقه إلى غرفة ونحوها كانت الكراهة أشد وربما حرم؛ والله أعلم.
ومنها: ما اعتاده المؤذنون اليوم من الأذان جماعة على نسق واحد:
[ ٤٣٤ ]
وقد قال الغزالي: إن ذلك منكر مكروه يجب تغييره، انتهى.
وقال ابن الحاج: لم يعرف عن واحد جوازه.
قلت: ويحتمل أن يقال إن دعت إلى ذلك ضرورة مثل أن يكثر الناس أو يتسع العمران ولا يبلغهم صوت واحد.
وإن اجتمعت الأصوات قطعت جرم الهواء أسرع وأبعد فلا بأس.
وكذلك إذا كثر الناس يوم الجمعة والعيد / ولا يبلغ آخرهم أذان الواحد فلا بأس بالاجتماع بشرط أن لا يخل اجتماعهم باللفظ المشروع. والله أعلم.
قال القرطبي في تفسيره: وحكم المؤذن أن يترسل في أذانه ولا يطرب به كما يفعله اليوم كثير من الجهال.
بل وقد أخرجه كثير من الطغام والعوام عن حد الإطراب فيرجعون فيه الترجيعات فيكثرون فيه التقطيعات حتى لا يفهم ما يقول.
وروى الدارقطني عن ابن عباس قال كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب فقال رسول الله ﷺ: «إن الأذان سهل سمح فإن كان أذانك سهلًا سمحًا وإلا فلا تؤذن».
قال ابن الحاج: ثم انظر إلى البدعة إذا أحدثت فإن الشيطان لا يقتصر عليها وحدها بل يضم إليها بدعًا ومحرمات ألا ترى أنهم لما أحدثوا هذه الأذان تعدت بدعته إلى محرم وهو أنهم يسمعون المأمومين وهم في الصلاة بتلك الألحان وذلك كلام في الصلاة على سبيل العمد لا بعذر شرعي فتبطل صلاتهم بذلك، وإذا فسدت صلاتهم سرى ذلك إلى فساد صلاة من أئتم بتسمعيهم لأن المأموم لا يجوز له الإقتداء بالإمام إلا بأربعة أشياء فإن عدمت فلا ائتمام له؛ وهو أن يرى أفعال الإمام فإن تعذر فسماع أقواله، وهؤلاء ليسوا في صلاة لما تقدم
[ ٤٣٥ ]
بخلاف التسميع جماعة بالألفاظ المفهومة. فإنه قد اختلف في صحة صلاة من صلى بتسميعهم بناء على الاختلاف في صلاتهم هل هي صحيحة أو فاسدة، انتهى.
ومنها: ما يفعله بعض المتكبرين إذا صلى لا يصلي في صفة أحد، وإن صلى في صفة أحد فيبعد عنه بحيث يبقى بينه وبينه فرجة تسع جماعة:
وهذه بدعة تخالف السنة.
لأن السنة التراص في الصف فإن كان ذلك بأمره حرام عليه إذ ليس للمرء من المسجد إلا موضع قيامه.
وقد قال ﷺ: «أقيموا صفوفكم وتراصوا».
رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية للبخاري: «فكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه».
وقال ﷺ: «أقيموا صفوفكم وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفًا وصله الله ومن قطع صفًا قطعه الله».
رواه أحمد وأبو داود.
ويكفي أن فاعل ذلك قاطع للصف وإن الله يقطعه.
قال ابن حبيب: أدركت الناس / بالمدينة ورجال موكلون بالصلاة فإن رأوا واحدًا صلى في صف والصف الذي يليه إلى القبلة يحتمل أن يدخله ذهبوا به بعد الصلاة إلى الحبس.
[ ٤٣٦ ]
ومنها: ما يفعله بعضهم من فرش بساط يسع جماعة ولا يصلي عليه غيره: وهذا لا يجوز أيضًا لما فيه من غضب المكان المشترك بين المسلمين سيما عند ضيق المسجد في الجمع والأعياد.
ويخشى عليه أن يدخل بذلك تحت الوعيد المذكور في قوله ﷺ: «من غصب شبرًا من الأرض طوقه من سبع أرضين».
مع ما يضاف إلى ذلك من المحرمات الحاملة له على ذلك.
مثل الكبر والخيلاء والإعجاب واحتقار الناس ونحو ذلك.
ومنها: ما يفعله بعضهم إذا جاء إلى مكانه المعتاد الصلاة فيه أو إلى المكان الذي يميل إلى نفسه من المسجد ووجد فيه أحد قد سبقه فإما أن يقيمه هو أو يقيمه من معه من المماليك والخدم:
وذلك حرام لا يجوز.
لأنه قد استحق المكان الذي جلس فيه بسبقه.
وقد نهى النبي ﷺ أن يقيم الرجل أخاه من مكانه ثم يجلس فيه.
وكان ابن عمر﵁- إذا قام له رجل عن مكانه لا يجلس فيه.
ومنها: بيع الماء في المسجد.
وقد نهى النبي ﷺ عن البيع والشراء في المسجد وأمرنا أن نقول إذا رأينا من يبيع ويشتري فيه أن نقول لا ربح الله تجارتك.
وربما استمر بيعهم الماء إلى ما بعد الأذان وجلوس الخطيب على المنبر وذلك حرام يجب إنكاره.
مع ما فيه من بيع المعاطاة المختلف في صحته.
ولو دخل السقاء إلى المسجد يسبل الماء الذي معه جاز. بشرط:
أن لا يتخطى رقاب الناس.
[ ٤٣٧ ]
وأن لا يلوث المسجد بقدمه لأنه في الغالب يكون حافيًا ورجله وسخة أومتنجسة.
وأن لا يرشح شيء من مائة على ثياب الناس.
وأن لا يرفع صوته بقوله الماء للسبيل.
وأن لا يبل موقفه في المسجد بل لا يمنع الصلاة فيه.
وأن لا يضرب بناقوسه في المسجد.
فإن فقدت هذه الشروط منع. والله أعلم.
ومنها: السؤال في المسجد:
وهو مكروه.
فإن كان يتخطى رقاب الناس ويتخطاهم من يجيء له بالفلوس لم يجز ذلك.
وقد تقدم أن تخطي الرقاب حرام.
فيجب على كل قادر إنكار ذلك ومنعهم منه.
وقد يضم السؤال إلى ذلك القراءة إلى غير الصحة وذكر الأحاديث الموضوعة والآثار المكذوبة والقصص الباطلة. فيتأكد وجوب الإنكار ويعظم الإثم في السكوت، لأن في السكوت عنه مع هذا الفعل على رؤوس الأشهاد أيها ماله/ وللعوام أن ذلك جايز فيكون السكوت عنه سببًا لتجري غيره على مثل فعله وسببًا لعطاء العوام له وترغيبًا له في ذلك الفعل.
وقد قال بعض الحنفية لو تصدق بأربعين فلسًا خارج المسجد لم يكن ذلك كفارة لذلك الغلس الذي أعطاه للسائل في المسجد.
حكاه ظهر الدين في فتاويه.
فإن كان المعطي ممن يقتدي به أو يتوهم الناس بعطاءه أن ذلك جائز عظم الإثم في عطائه بمساعدته له وترغيبه في فعله المنكر مع ما ترتب عليه من إثم السكوت عن الإنكار عليه، والله أعلم.
[ ٤٣٨ ]
ومنها: عارية حصر المسجد وقناديله في الولائم والأفراح:
وذلك لا يجوز بل لا يجوز أن يعاروا في مسجد آخر، فكيف وفي الغالب لا ترجع الحصر إلا وقد تقطع بعضها إن سلمت من التنجيس.
حتى لقد أخبرني من أثق بهم أنهم يأخذون البسط الموقوفة في الصخرة والمسجد الأقصى فيفرشها النظار في بيوتهم ويتعاطون عليها ما لا يجوز ثم بعد تنجيسها يردونها إلى المسجد، أو الحاصل ويأخذون أحسن منها أو يردونها في الصيف ويأخذون غيرها في الشتاء حتى لا يكاد يسلم شيء من البسط من تنجيسهم له وامتهانهم إياه ويأتي المصلون فيصلون عليها ولا يشعرون بتنجيسها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ومنها: جلوس الناس في المسجد لحديث الدنيا:
وهو بذعة؛ إذ المساجد إنما بنيت لذكر الله تعالى وللصلاة ولنشر العلم ونحو ذلك.
وعلى هذا يجتمع السلف الصالح في المسجد لا في التحدث بما يتعلق بأحوال الدنيا.
وقد ورد في بعض الأخبار أن الحديث في أمر الدنيا في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «سيكون في آخر الزمان قوم يكون حديثهم في مساجدهم ليس لله فيهم حاجة».
فرع:
حكي أبو بكر الطرطوشي في كتابه أنه كره أن يتكلم بألسنة العجم في المسجد قال وهو لمن يحسن العربية أشد.
[ ٤٣٩ ]
ومنها: تعليق قناديل الذهب والفضة في المسجد:
وهو بدعة محرمة؛ لما تقدم من استعمال أواني الذهب والفضة التي بباب الكعبة وجهان أصحهما التحريم.
ومنها: ما أحدث من كتب الحروز في آخر جمعة من شهر رمضان حال الخطبة:
وذلك بدعة سيما وهو يترك بسببه ما وجب عليه من سماع الخطبة والإنصات إليها.
وقد نهى عن العبث بالحصى في وقت الخطبة:
لأنه يشغل عن سماعها.
وقال ﷺ: من مس الحصى فقد لغا.
ومنها: ما أحدثوه من وقوف الدواب/ على أبواب المساجد سيما في الجمعة والأعياد.
وهو بدعة ينبغي إنكارها؛ لأنهم يضيقون طريق المسلمين ويروثون ويبولون على باب المسجد.
وقد نهى النبي ﷺ أن يبال بأبواب المساجد.
ولأن الداخل إلى المسجد قد يتنجس قدمه أوثوبه فيشق عليه غسله إن تنبه له وإن لم يتنبه له صلى بنجاسة وقد يتنجس نعله فلا يجوز له أن يدخل به المسجد.
وقد يحصل منها رفص أو كدم فيقع الضرر ويكون أصحابها السبب في ذلك.
ومنها: ما ابتدعه بعض الخطباء:
من الإشارة باليد.
[ ٤٤٠ ]
والالتفات في الخطبة الثانية.
والمبالغة في الإسراع فيها.
والدق على درج المنبر في الصعود.
والدعاء في انتهائه والمجازفة في أوصاف السلاطين.
ويحرم وصفهم بغير ما هم عليه.
ولا بأس بالدعاء لهم بالصلاح والرشد والتوفيق للعدل ونحو ذلك.
ومنها: القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة أو ركعات أو الآيات المشتملة على التهليل من أول القرآن إلى آخره:
وهذا كله بدعة أحدثت فينبغي أن تغير وترد لقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو».
ومنها: ما اعتاده كثير من الجهال إذا قال الخطيب الحمد لله سيما في الخطبة الثانية باسوا أيديهم ووضعوها على رؤوسهم حتى ربما يسمع صوت بوس أيديهم من خارج المسجد.
وهذا سخافة عقل وبدعة شنيعة ليس لها أصل في الشرع ولم يفعلها أحد من السلف الصالح ولا ممن يرجع إليه.
فينبغي إنكارها وتعريف أنها بدعة ليس لها أصل.
ومنها: ما هو سبب إضلال كثير من الجهال وتجريئهم على المعاصي واحتقارهم المحرمات:
وهم الوعاظ الذين يغلبون عند الناس جانب الرجاء ويذكرون لهم ما ورد من سعة رحمة الله وعفوه وعظيم تجاوزه.
وربما ذكروا في معنى ذلك أحاديث باطلة وحكايات غير صحيحة وخرافات ليس لها أصل.
[ ٤٤١ ]
ولا يعرجون على ذكر الخوف ولا يذكرون لهم أحوال الخائفين من الأنبياء وغيرهم.
ولا ما ورد من شدة عذاب الله وأليم عقابه وتحرير حسابه على من ناقشه ولا يعظمون الذنوب في قلوبهم ولا يقصون عليهم ذكر من هلك بما يحتقرونه من الأعمال. ومن دخل النار ببعض ما يرتكبونه من الخلال.
لأنه يعلم أنه لو شدد عليهم وغلب عندهم جانب الخوف لنفر عنه أكثرهم وتركوا مجلسه وأمسكوا أيديهم عن إعطائه ومساعدته.
ويعلم أنهم إنما يرغبون فيمن يرخص لهم وأتى بما يوافق هواهم ويلاءم طباعهم ويبسط/ آمالهم ويزيد إعجابهم بأعمالهم ويريهم أنهم أهل النجاة والفوز العظيم ولو أتوا بما أتوا.
وفعل هؤلاء الوعاظ وأمثالهم منكر يجب منعه على كل قادر.
لأن إفسادهم في الدين لا يعد له إفساد وهم خلفاء إبليس في الإغواء، وإخوان الدجال في الإضلال، وأعداء المؤمنين والغاشون لأمة محمد ﷺ والداعون إلى سبيل الفتنة والهلاك بأفعالهم وأقوالهم.
وهؤلاء من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق، آمين.
ومنها: الحلق يوم الجمعة كطرقية الأطباء وأصحاب التعريدات.
الذين يلبسون على الصبيان والجهال ليتوصلوا بتلبيسهم إلى بيع ما معهم.
وفعلهم هذا حرام في المسجد وغيره. يجب إنكاره على كل قادر لأنه من أكل الأموال بالباطل والكذب.
ومنها: جلوس الخياطين والحياكين والإزاريين والنساخ ونحوهم من أرباب
[ ٤٤٢ ]
الصنائع النظيفة في المسجد على الدوام حرفة واكتسابًا:
وهذه بدعة مكروهة ينبغي إنكارها.
وقيل محرمة.
فإن فعل ذلك في وقت دون وقت أو خاط ثوب نفسه أو نسخ لنفسه لم يكره.
ومنها: ما يفعله بعض الجهال من قراءة بعض ﴿آلم﴾ السجدة في الأولى من صبح الجمعة.
وبعض ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في الثانية.
أو يقرأ بعض السجدة في الأولى.
ويتمها في الثانية.
أو يقرأ سجدة من سجدات القرآن غيرها.
وكل ذلك بدعة شنيعة قبيحة يجب إنكارها.
وقد نبه عليها النووي في "الروضة"و"شرح المهذب"وفي "الأذكار" و"التبيان".
وكان بعض العلماء الذين أدركناهم يفتي ببطلان يفتي ببطلان صلاة هؤلاء.
إنما السنة أن يقرأ في الأولى ﴿آلم﴾ بتمامها وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾ بتمامها.
وليست قراءة ﴿آلم﴾ السجدة وإنما أتت السجدة فيها ضمنًا. والله أعلم.
ومنها: ما يشاهد كثيرًا من قيام المسبوق حال شروع الإمام في التلفظ بـ السلام من غير نية مفارقة:
ظنًا منه أن القدوة انقطعت بمجرد شروع الإمام في السلام.
[ ٤٤٣ ]
وليس كذلك بل لا يجوز له القيام حتى يتم الإمام السلام الأول.
فإن قام قبل تمامه عمدًا بطلب صلاته.
ويسن ألا يقوم حتى يسلم الإمام التسليمتين.
فيجب على كل من رأى من فعل ذلك أن ينكره وينبهه على بطلان صلاته.
ومنها: أن بعضهم يدرك الإمام راكعًا فيكبر عجلًا تكبيرة واحدة ويركع معه:
وهذه التكبيرة إن نوى بها تكبيرة/ الإحرام صحت.
وإن نوى بها تكبيرة الركوع أو هما جميعًا ولم ينو بها شيئًا لم تنعقد صلاته.
وبعضهم إذا أدرك الإمام هذا يكبر للإحرام ثم للركوع ويركع ولكن حال ركوعه رفع الإمام.
وهذا أيضًا لا تصح صلاته لأنه لابد أن يطمئن في الركوع قبل رفع الإمام إلى أقل درجات الركوع.
فإن رفع الإمام قبل ذلك لم تصح صلاة المأموم.
وبعضهم إذا أدرك الإمام راكعًا شرع في تكبيرة الإحرام مع شروعه في الركوع معًا.
وهذا أيضًا لا تنعقد صلاته.
لأنه لابد أن يأتي بجميع تكبيرة الإحرام حال قيامه وانتصابه ثم يركع بعد ذلك.
فيجب على من يراه أن يعرفه بطلان صلاته وسببه لئلا يعود إليه.
وبعضهم لا يكبر تكبيرة الإحرام إلا وقد رفع الإمام فيركع هو وحده ثم يتابعه.
وهذا أيضًا لا تصح صلاته.
[ ٤٤٤ ]
ومنها: أن بعضهم يرفع يديه ولا يلفظ بتكبيرة الإحرام ظنًا منه أن الدخول في الصلاة إنما هو برفع اليدين.
وهذا لا تصح صلاته لأنه ترك تكبيرة الإحرام وهي أحد أركان الصلاة. وقد شاهدت هذا كثيرًا.
وكذلك ما يفعله بعضهم من تحويل وجهه حال السلام يمينًا وشمالًا ولا يتلفظ بالسلام.
وهذا أيضًا قد ترك ركنًا من أركان الصلاة عمدًا فتبطل صلاته.
ومنها: صلاة بعضهم في الثوب الرقيق الذي يدرك منه لون البشرة:
وهذا لا تصح صلاته إلا أن يكون تحت الثوب ما يستر عورته وهي من السرة إلى الركبة.
فيجب على كل من رآه مصليًا في ثوب هكذا أن يأمره بستر عورته.
فإن كان قد شرع في الصلاة أمر بقطعها.
وإن كان فرغ منها أمره بإعادتها.
واعلم: أن محل استقصاء هذه الفروع كتب الفقه.
وإنما ذكرت هذه المسائل لكثرة وقوعها ولأنبه بها على البحث عن غيرها والله ولي التوفيق لا رب غيره.
ومنها: المرور بين يدي المصلي:
تقدم أنه حرام.
فيجب على الإنسان إذا رأى من يريد الدخول بين يدي المصلى أن يمنعه بالقول.
فإن أبى فبالفعل.
ويمنعه من ارتكاب هذا المحرم ما استطاع.
ومنها: ما ابتدعه بعض المتنطعين:
[ ٤٤٥ ]
وهو أنهم إذا دخلوا المسجد خلعوا نعالهم ولبسوا نعالًا من الحلفاء والخوص والجلد فمشوا بها على الحصر والبلاط مع جفافه ويعتقدون أنهم يفعلون ذلك تدينًا وتورعًا.
وهذه بدعة مكروهة مخالفة للسنة ولأفعال السلف.
فإنه لم يرو عن أحد منهم أنه فعل ذلك وهم أولى الناس بالورع/ والاحتياط في الدين.
وقد كان الناس في عصر الصحابة والتابعين يأتون المساجد حفاة في الطين وغيره.
وقال كميل بن زياد: رأيت عليًا يخوض طين المطر ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه.
وقال ابن المنذر في "الإشراف": وطئ ابن عمر ﵁ بمنى وهو حافٍ في ماء وطين ثم صلى ولم يتوضأ.
قال: وممن رأى ذلك علقمة والأسود وعبد الله بن مغفل وسعيد بن المسيب والشعبي وأحمد وأبو حنيفة ومالك. وهو أحد الوجهين للشافعية.
قال وهو قول عامة أهل العلم، انتهى.
وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵁ قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك".
رواه البخاري باختصار ذكر البول.
فإذا كان المسجد على هذا الحال وكانوا يصلون فيه من غير حصير فكيف لغيرهم وهم القدوة﵃- أن يحتاط بالابتداع.
قال أبو الشعثاء: كان ابن عمر يمشي بمنى في الفروث والدماء اليابسة حافيًا ثم
[ ٤٤٦ ]
يدخل المسجد فيصلي فيه ولا يغسل قدميه.
وقال عاصم الأحول: أتينا أبا العالية فدعونا بوضوء فقال ما لكم. ألستم موضئين. قلنا: بلى. ولكن هذه الأقذار التي مررنا بها.
قال: هل وطئتم على شيء رطب يعلق بأرجلكم.
قلنا: لا. قال: فكيف بأشد من هذه الأقذار تجف فتنسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه.
وكذلك الصحابة﵃- كانوا يصلون في نعالهم.
ليت شعري أيما أطهر: النعل التي يمشي بها في الطريق أم حصر المسجد الطاهرات حقيقةً أو حكمًا.
وقد قال النبي ﷺ: إذا جاء أحدكم المسجد فيقلب نعليه ثم ينظر فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصلي فيهما.
رواه أحمد.
فمن العلماء من قال طهارة النعل مسحه سواء كان فيه رطبًا أو يابسًا.
ومن من حمل ذلك على ما إذا وطئ به في نجس يابس فيكفي فيه المسح. كما هو مذهب الشافعي.
وأما إذا وطئ به في النجاسة الرطبة فإنه لابد من الغسل.
وقد قالت امرأة لأم سلمة: إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر.
فقالت: قال رسول الله ﷺ: يطهر ما بعده.
رواه أحمد وأبو داود.
[ ٤٤٧ ]
وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور».
وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب».
والكلام في مثل هذا يطول.
والمقصود أن ليس ذلك بدعة لم تعهد من السلف وليس لها أصل يرجع إليه وهو تعمق في الدين من غير فائدة. فينبغي إنكار ذلك على من فعله من الجاهل بالسنة والحنفية السمحة، والله الموفق.
[ ٤٤٨ ]
٢ - فصل
في ذكر ما يشاهد في الأسواق والشوارع من البدع والمنكرات
قد تقدم ذكر البيع على بيع أخيه، والسوم على سوم أخيه، والبيوع الفاسدة والربا والغش وغير ذلك.
وها أنا أذكر طرفًا مما ينبغي أن يذكر:
فمنها: سمط الغنم والماعز:
وذلك بدعة.
لأن النبي ﷺ لم ير بعينه سميطًا قط.
وهو مباح لو سمط على الوجه الشرعي. ولكنهم يذبحون الشاة فيخرج الدم المسفوح وتتخبط فيه الذبيحة ثم يلقونها بنجاستها في الدست فينجس الماء بتحلل الدم فيه ثم يخرجون الذبيحة وهي متنجسة فيضعونها في ماء طاهر.
فإن كان دون القلتين تنجس بها أو بأيديهم.
وإن كان كثيرًا ولم يظهر فيه تتغير بالذبيحة الأولى فلابد وأن يتغير بالثانية أو الثالثة فيصير الماء أيضًا نجسًا ثم يخرجونه ويبيعونه ويطبخ في الأسواق من غير نكير في ذلك مع أنه لو غسل بعد السمط بماء طاهر لكان في حله وطهارته خلاف.
فذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يطهر بالغسل.
[ ٤٤٩ ]
وحكي الرافعي وغيره في ذلك وجهين.
أحدهما: يغسل ثم يعصر كالبساط.
والثاني: يشترط أن يغلى بماء طاهر.
وقطع به القاضي حسين والمتولي.
واختار الشامي الاكتفاء بالغسل. وهو المنصوص.
فكيف وهو يباع من غير تطهير ويطبخ.
كذلك عند الشرايجي وعند كثير من الناس.
ويكون عند الجزار هو والسليخ جميعًا فيرفع يده والسكين المتنجسين منه ويضعهما في السليخ فينجسه.
وكثير من الناس لا يغسل اللحم السليخ قبل طبخه سيما من قصد شيه أو دقه فإنه لا يبله البتة فيصير نجسًا لا يجوز أكله ويتنجس ما يوضع فيه من القدور والأوعية.
ومن صلى عقب أكله قبل أن يغسل فمه منه لا تصح صلاته.
وكذلك إذا أكل ثم صام قبل أن يغسل فمه منه فسد صومه لابتلاع ريقه المتنجس إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تخفى.
فيجب على القادر إنكار ذلك ومنع من يسمط على هذا الوجه. فإن لم يستطع فيمنع الجزار أن يجمع بين السليخ والسميط. فإن لم يستطع فعليه بخويصة نفسه فلا يطبخ السليخ من عند من جمع بينهما حتى يغسله.
ومنها: أنهم يعلقون الشواء في التنور/ ويطينون رأس التنور بالطين الذي غلب عليه الدم والفرث والنجاسة ويعجنونه أيضًا بالماء المتنجس من أيديهم وغيرها. فإذا حمى عرق وسقط عرقه على الشواء في قدر الأرز فينجس جميع ذلك.
وكثيرًا ما يسقط فيه من الطين النجس المذكور ما هو مشاهد مرئي. وهذا لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا أكله.
[ ٤٥٠ ]
ويتعين على كل قادر الإنكار لذلك والاجتهاد في تغييره، والله ولي التوفيق.
وفي حكم ذلك الرؤوس في سمطها بما فيه من الدم المسفوح في منحرها.
وكذلك ما تفعله النساء في البيت من وضع الدجاج المذبوح في القدر ليسمطونه على ما في مذبحها من الدم وما يصيب ريشها حال اضطرابها منه.
فيجب أن يغسلن مذبح الدجاجة وما تنجس من ريشها قبل وضعها في القدر وصب الماء الحار عليه أقرب للطهارة.
وينبغي لذابحها أن لا يضعها من يده حتى يتصفى دمها وتبطل حركتها لئلا يتنجس ريشها باضطرابها، والله أعلم.
ومنها: الخبز بالزبل:
وهذا الزبل لا يخلو إما أن يكون زبل مأكول أو غيره.
فإن كان مأكول اللحم فهو نجس عند الشافعي ومن تابعه.
طاهر عند غيره.
ففي الأمر متسع إذ لا يجب الإنكار ما أجمع عليه.
وإن كان زبل غير مأكول أو مخلطًا كما هو الغالب لأنهم يجمعون زبل البغال والحمير والخيل وغير ذلك.
فهذا نجس إجماعًا.
لكن هل دخانه الذي يصيب الخبز طاهر أو نجس فيه خلاف.
فمذهب الشافعي ومن تابعه أن دخان النجاسة نجس.
ومذهب غيره طاهر.
وكذلك رماده الذي لابد وأن يصيب العجين نجس عند الشافعي.
طاهر عند بعض العلماء.
فيسقط وجوب الإنكار بهذه الشبه كلها والاختلافات.
وعلى الشافعي أن يحتاط لنفسه ويعمل بموجب مذهبه.
فإن كان الخباز يمس العجين الرطب تارة والزبل المتنوع تارة ليلقيه في الفرن
[ ٤٥١ ]
وهو الغالب اليوم في بلاد مصر فهذا هو الداء العضال.
وهذا الخبز نجس بالاتفاق إن كان يظهر أثر النجاسة في العجين لرطوبة أحدهما. ويترتب على أكله من فساد الصوم والصلاة وغير ذلك ما تقدم في اللحم السميط.
ويجب على قادر إنكاره بقدر وسعه، فإن لم يستطع فيجب عليه أن لا يأكله ولا يطعمه أهله ولا يشتريه، والله أعلم.
ومنها: ما يفعله بعض الخبازين مع كثير من الناس وهو أن يزن الخبز فيجده يشح على الوزن فيخرجه من كفة الميزان ويضع عليه كسرة إما أن تكون تمام حقه/ أو أقل أو أكثر ويدفعه إلى المشتري.
وذلك لا يحل له.
لأنه لا يعلم قدر وزن الخبز ولا قدر وزن الكسرة.
اللهم إلا أن يعقد البيع بعد ذلك على المجتمع بيده من الخبز والكسرة جميعًا.
فيقول له بعني هذا بكذا.
فيقول له: بعتك.
ويقول: اشتريت.
وهذا ليس خاصًا بالخبز بل بجميع الموزونات والمكيلات فليتنبه الإنسان لهذا فإن المرء قد يكتسب حلالًا ويأكل حرامًا لعدم معرفته بالشرع في تصرفه.
ويجب على من رأى من يفعل شيئًا من ذلك أن ينكر عليه ويعرفه فساد ذلك، والله أعلم.
ومنها: أن يشتري السلعة بثمن معلوم ثم وقت الوفاء ينقصه منه:
وهذا منكر لا يجوز.
وربما يكون التنقيص وقت الوفاء عادة لهم يعرفونها ولكن ليس لقدرها عادة.
[ ٤٥٢ ]
وهذا البيع لا يصح على مذهب من المذاهب لأن القدر الذي يقبض مجهول عند البائع والمشتري.
والاعتبار يرضي البائع بما يدفعه إليه المشتري عند من أجاز المعاطاة ولا عند غيره.
ومنها: بيع الأشياء بظروفها:
كالدبس والزيت والعسل ونحو ذلك بظروفه.
والفلفل والزنجبيل بخيشه.
والنيل في مزوده ونحو ذلك.
كل قنطار بكذا ويسقطون على الظرف أرطالًا تزيد على وزنه أو تنقص.
وهذا البيع غير صحيح ولا يكاد اليوم يفعل غيره.
فيجب على القادر إنكاره والمنع منه، فإن عجز على الإنكار لم يجز له أن يبيع كذلك ولا أن يشتري ولا أن يأكل مما علم أنه بيع كذلك.
فإن كان لا يمكن بيع هذه الأشياء إلا بظروفها. فينبغي أن يتفق البائع والمشتري على قدر الثمن والمسقط.
فإذا حسب ثمن ذلك بعد الإسقاط عقد البيع على ذلك القدر جزاء.
فيقول: بعتك هذا الظرف بما فيه بكذا، أو بعت ما في هذا الظرف بكذا. ويقول الآخر: اشتريت.
فعند ذلك يصح البيع، والله أعلم.
ومنها: ما يفعله بعضهم من بيع تواقيع المسامحات بالمكس ونحو ذلك:
مثل أن يحصل لمن هي باسمه عاقة عن السفر أو إفلاس ونحوه، فينظر تاجرًا آخر مسافرًا فيطلق الحمول باسمه ويأخذ منها أقل مما عليها من المكس.
وهذا الفعل حرام يجب إنكاره على من فعله.
وكذا بيع أصول الإسكندرية ونحوهما ممن يأخذ باسم الزكاة وغيره.
ومنها: ما هو مشاهد كثيرًا وهو أن قدرة الشريجي إذا جاءت إلى البيت
[ ٤٥٣ ]
أكل ما فيها/ ثم طرحت في الدهليز أو في صحن الدار من غير غطاء وفيها أثر الطعام فيأتي الكلب فيلحسها ثم يأتي صبي الشرايجي فيذهب بها ويطبخ فيها للناس.
وهذا منكر قد عم وأثمه في عنق صاحب الدار، ويجب عليه تغطيتها والاحتراز عليها حتى ترجع إلى صاحبها.
وإذا غفل حتى ولغ فيها الكلب وجب عليه غسلها وتتريبها، أو بيان ذلك للشرايجي ليغسلها ويتربها.
فإن لم يفعل صاحب الدار أثم بما يترتب على نجاستها ولا تزال نجسة ولو طبخ فيها وغسلت ألف مرة وأكثر ما لم تترب، بل كل وعاء سكب فيه من طعامها في هذه المدة كلها وجب غسله وتتريبه إذا علم نجاستها، بل يتنجس بسببها كل وعاء عند الشرايجي لأنه يدخل المقفرة فيها لتحريك الطعام ثم يخرجها منها متنجسة فيضعها ثم يخرجها في قدر أخرى فينجسها وهلم جرا.
فيجب على صاحب الدار الاحتراز على القدر من نجاسة الكلب وغيره والإنكار على أهله في عدم تغطيتها. فإن المفاسد في نجاستها عظيمة لا تنحصر.
ونظير ما يفعله بعض الطباخين وأكثرهم من الغفلة عن المكان الذي يأكل فيه الناس حتى يدخل الكلب فيلحس بعض الشقق والأوعية التي هناك ولا يغسله ولا يتربه ويتنجس بسبب ذلك كل ما في الحانوت وكل وعاء وضع فيه شيء من ذلك الطعام.
وهلم جرا بشرط العلم بالنجاسة.
ويحرم أكل كل طعام وصل إليه شيء من تلك النجاسات.
وهذه مفاسد عظيمة. فيجب على كل من رأى شيئًا من ذلك أن يأمر بغسله وتتريبه أو يباشر هو ذلك بنفسه.
ومتى سكت كان ما يترتب على ذلك من المفاسد كنجاسة الأوعية والأطعمة وفساد الصلاة والصوم في عنقه.
[ ٤٥٤ ]
ومنها: ما عمت به البلوى واستفاض بين الناس وعظم به الضرر في الدين من غير نكير.
وهو أن سمسار القمح يكيل القمح ويفرقه على الطواحين من غير بيان سعره إلى وقت الجباية فيتصرف فيه الطحان تعديًا من غير عقد صحيح ولا معاطاة على مذهب من يراها ولا وجه يبيح ذلك.
وكذلك يفعل الطحان غالبًا في تفرقة الطحين على الخبازين من غير بيان السعر إلى وقت الجباية، فيتصرف فيه الخباز أيضًا تعديًا بغير طريق.
وهذا كله حرام ومنكر يجب على كل قادر إنكاره والمنع منه وبذل الجهد في ذلك، والسعي فيه عند من له يد واستطاعة.
فإن هذا إثم عظيم وفساد بين، وكل من أكل من هذا الخبر/ أو استعمل من ذلك الطحين اختيارًا مع العلم بحكم الله فهه فهو متعمد لأكل الحرام مرتكب للإثم فيه.
وهذا إذا كان القمح في أصله حلالًا، فما ظنك بما يطرحه الظلمة على الطحانين من فعلاتهم الخبيثة على هذه الصورة الفاسدة.
وكذلك ما يفعله الطباخ من استجرار الأرز والشيرج وغير ذلك من غير بيان الثمن ولا عقد صحيح.
وكذلك ما يفعله اللبان من استجرار اللبن.
بل كذلك ما يفعله كثير من الناس من استجرار الطحين وحوائج الطعام من الشيرج والزيت والدهن واللحم وغير ذلك من غير عقد صحيح ولا معاطاة ولا بيان ثمن إلى وقت المحاسبة اعتمادًا على رضاهما عند المحاسبة.
وقد يقع التنازع بينهما كثيرًا على اثمان بعض ذلك.
نسأل الله التوبة من ذلك والمعونة عليها.
ومنها: ما يفعله الطباخ واللبان وبياع الأرز باللبن وغيرهم في البلاد المصرية من استعمال الشقاف الجدد غالبًا من غير غسل:
[ ٤٥٥ ]
وهي نجسة؛ لأنهم يوقدون عليها بالزبل المجمع وغيره.
وبعضهم يجعل لها وعاءً واحدًا فيه ماء ويغسله فيه واحدة بعد أخرى، وهذا لا يطهرها لأن الماء بمجرد وضع الأولة فيه صار نجسًا، فلا يطهر شيئًا.
وهذا منكر يجب إنكاره وتغييره فإن مفسدته في الدين عظيمة، لأن النجاسة الشقف تسري إلى الطعام لأنهم يغسلون القدر وأوعية الدكان غالبًا بالماء الذي يغسلون به الشقاف وتسري نجاسة الطعام إلى كل إناء وضع فيه.
ومن أكل من ذلك الطعام وصلى قبل غسل فمه لم تصح صلاته.
وكذلك إن صام قبل غسل فمه فسد صومه.
ويترتب على ذلك مفاسد لا تحصر. نسأل الله عفوه الواسع في الدنيا والآخرة فهو أكرم الأكرمين.
ومنها: بيع الفضة الحجر بالدراهم المغشوشة وبيع الدركات البندقي بالذهب المختوم باعتبار القيمة وبيع الذهب المكسور بالمختوم متفاضلًا أو الفضة المعمولة بالفضة كذلك.
وكل ذلك ربا محرم يجب إنكاره والمنع منه ولا اعتبار برضى البائع والمشتري بذلك البتة.
كما لا اعتبار برضاهما في استدانة المائة بمائة وعشرة مثلًا.
ومنها: ما يفعله بعضهم مما هو أدق من ذلك وأغمض.
وهو أن يصرف الدينار مثلًا بعشرين درهمًا فضة فيأخذ الصيرفي منه الدينار ويقول اذهب/ إلى الظهر أو العصر لأحصل لك الفضة أو يعطيه بعضها ويصبره بالباقي ولو كان ربع درهم.
وكل ذلك ربا محرم لأن النسيئة في النقدين حرام.
وإنما يجوز بشرط التقايض في المجلس، والعقود الفاسدة في الربوبات وغيرها لا تنحصر ومحل ذلك كتب الفقه والصور الموجودة منها في الأسواق وغيرها كثيرة يطول هذا المختصر باستيفاء بعضها.
[ ٤٥٦ ]
ومن تصدى لشيء من ذلك افترض عليه العلم بالصحيح منه والفاسد وإلا ارتكب الحرام وهو لا يشعر والله ولي التوفيق.
ومنها: عمل آنية الذهب والفضة:
وقد تقدم أن اتخاذها حرام وإن كانوا لا يستعملونها.
وكذلك طواقي الحرير وغيرها مما لا يلبسه إلا الرجال.
فكل ذلك منكر يجب المنع من بيعه وعمله.
ومنها: جلوس البياعين ببضائعهم في الطرق والشوارع وفي أبواب المساجد والجوامع: وذلك كله لا يجوز لما فيه من تضييق الطريق المشتركة بين المسلمين، وهم غاضبون للمكان الذي جلسوا فيه.
ويجب على كل قادر منعهم من ذلك وإزعاجهم عن ذلك المكان، وكل من اشترى منهم فقد أعانهم على ظلمهم ورغبهم فيه وشاركهم في الإثم.
إذ لو امتنع الناس من الشراء منهم لامتنعوا من فعلهم، وعلم كل أحدٍ أن ذلك لا يجوز.
ومنها: ومنها ما يفعله بعض الطوافين كبياع الكتان واللبن والجماز والزيت الحار ونحوهم من أن يبيع المرأة بعد أن يدخل إليها إلى موضع لا يراهما فيه من يمر في الطريق أو يدخل إليها إلى دهليز البيت.
وهذا منكر يجب منعهما منه لأن الخلوة بالأجنبية حرام بالإجماع عليه وعليها. وكذلك دخول السقاء والطحان والمزين والنجار ومن أشبههم.
كل هؤلاء لا يجوز لأحد منهم الدخول على المرأة وهي وحدها.
وقد يدخل العطار وبياع الكتان والزيت الحار ومن أشبههم إلى زقاق غير نافذ أو ربع ونحوه ويجتمع عليه النساء من غير احتجاب، وقد يكون على بعضهن الثوب الرقيق الذي يصف البشرة أو القصير وهي بغير سروال أو هي مشمرة الأكمام أو ثياب زينتها ونحو ذلك، فيبايعنه ويمزحن معه ويضحكن.
[ ٤٥٧ ]
وكل هذا بدعة محرمة ومنكر شنيع يجب إنكاره والمنع منه على كل قادر من رجل أو امرأة.
وربما يزعم أكثرهن أن ذلك جائز وأن هؤلاء لدناءة صنائعهم وكثرة مخالطتهم النساء لا يجب الاحتجاب منهم وإنما يجب الاحتجاب ممن له جلاله ومكانة [وفيه كفاءة لمثلهن، وربما يزعم كثير منهن أن الغريب لا يحتجب منه].
وقد شاهدنا ذلك كثيرًا بمكة شرفها الله تعالى/ وببلاد مصر. وكل ذلك ابتداع في الدين وافتراء على الله تعالى في تحليل ما لم يحل.
وكثير منهن لا يحتجب من ضاع زوجها وأجرائه ولا من غلمانه، ويدخل عليها زوجها المغفل فيراها تحدث غلامه أو صانعه أو البياع وهي مكشوفة الوجه لا ينهاها، ولو قيل له في ذلك لقال: أنا لا أخاف عليها لأن لها معي سنين ما رأيت عليها شيئًا أكرهه. كأن الله تعالى ما حرم عليها في زعمه إلا الزنا لا غير.
ومثل هذا ساقط المروة فاسق مردود الشهادة.
وقد يدخل بيته فيجد السقاء في بيته يصب الماء والمرأة وحدها في البيت تقدم إليه الآنية.
وربما رأى السقاء في الطريق فيقول له اذهب إلى البيت فصب لهم الماء مع علمه أنه ليس في البيت غير زوجته أو ابنته أو أخته.
وكل ذلك حرام ومنكر يجب على كل قادر إنكاره، ويجب التوبة منه والإقلاع عنه.
ولو كان السقاء لا يرى شكلها ولا يحدثها لكانت خلوته بها في بيت واحد حرامًا.
فكيف والنساء في الغالب يباسطنه ويحادثنه ويسألنه عن أحواله.
[ ٤٥٨ ]
فنسأل الله العافية ونعوذ به من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
والمنكرات من هذا النوع كثيرة جدًا وفي هذه الصور كفاية. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
ومنها: ما هو مشاهد من أحوال السقايين ببلاد مصر:
وهم أنهم يدخلون بالجمال إلى الماء وعليها الروايا فتبول الجمال في حال اغتراف السقائين فيغترفون ولا يبالون بما في الماء من البول أو البعر، ثم يأتي المشتري فيدخل بالماء إلى بيته ويفرغه في أوانيه فيجد في بعضها البعرة أو البعرتين أو أكثر، أو يجده متغير الطعم أو الرائحة بما شابه من البول، فتتنجس الأوعية وما أصاب ذلك الماء من الثياب وغيرها.
ولا تصح صلاة من توضأ بذلك الماء، أو لبس شيئًا من الثياب المغسولة به.
وأصل ذلك كله تساهل السقايين في النجاسة أولًا.
فيجب إنكار ذلك عليهم ومنعهم منه.
بل ويجب على من فعل منهم شيئًا من ذلك أن يخرج بالماء من أوعية أو ثياب وغيرها ويضمن ما تنجس به من طعام وعجين وبقية ماء وغير ذلك.
ويجب عليه الرجوع بثمنه إن كان قبضه ويؤدب من اعتاد ذلك منهم بما يليق به ولو أراقه المشتري لا يجب عليه قيمته لأن الماء المتنجس لا قيمة له، والله أعلم.
/ومنها: استعمال السقايين القرب الجديدة التي يتغير بها وصف الماء ولا يبينون ذلك للمشتري.
وهذا غش ومنكر يجب منع السقايين منه إلا أن يبينوا لأن ذلك الماء، لا يرتفع به حدث ولا يطهر نجسًا.
ويحتمل أن يقال أنهم يمنعون مطلقًا، وأن يبنوا حال القربة وتغير الماء، لأن أكثر الناس لا يعلم هل تصح الطهارة من ذلك الماء أم لا.
[ ٤٥٩ ]
وكذلك الحكم إذا كانت القربة عتيقة ودهنها بالقطران.
فإن ماءها إذ ذاك لا تصح به الطهارة لتغيره.
ومنها: بناء الدكك من خشب وغيره على أبواب الدور في الشوارع النافذة: وذلك حرام سواء أضر بالمارة أولم يضر على الصحيح.
ويجب على كل قادر هدم ذلك والمنع منه.
لأن الناس كلهم مشتركون في الطريق فليس لأحد منهم أن يختص دونهم بشيء.
ولقد حكي عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- أنه كان له صاحب يعزه ويكرمه ويجلسه إلى جانبه، فلما كان في بعض الأيام جاء إلى أحمد فأعرض عنه وتكرر هذا منه غير مرة، فسأله عن سبب ذلك يومًا، فقال بلغني أنك طينت جدارك من خارج فأخذت من طريق الناس قدر أنملة غصبًا.
وقال الغزالي: ومن المنكر المعتاد في الشوارع وضع الأساطين وبناء الدكات متصلًا بالأبنية المملوكة وغرس الأشجار وإخراج الأجنحة وأحمال الحبوب والأطعمة وغيرها على الطرقات.
فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطريق واستضرار المارة.
وإن لم يؤدي ضرر أصلًا لسعة الطريق لا يمنع منه.
قلت: قد تقدم أنه يمنع من بناء الدكة وإن كان لا يضر على الصحيح، والله أعلم.
نعم: يجوز وضع الخشب وأحمال الأطعمة في الطريق في القدر الذي ينقل إلى البيوت.
فإن ذلك يشترك في الحاجة إليه الكافة ولا يمكن المنع منه.
وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث تضيق الطريق وتنجس المجتازين منه منكر، يجب المنع منه، إلا بقدر حاجة النزول والركوب.
[ ٤٦٠ ]
وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة.
والمراعى: هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات/ ومنها: سوق الدواب وعليها الشوك بحيث تخرق ثياب الناس:
وذلك منكر، إن أمكن شدها وضمها بحيث لا تمزق الثياب، أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع.
وإلا فلا يمنع إذًا حاجة أهل البلد تمس إلى ذلك. نعم لا تترك ملقاة على الشوارع إلا بقدر مدة نقلها.
وكذلك: تحميل الدواب ما لا تطيقه من الأحمال.
منكر، يجب منع الملاك عنه.
وكذلك: ذبح القصاب على باب دكانه وتلويث الطريق بالدم:
منكر، يجب المنع منه.
بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحًا، فإن ذلك يضيق الطريق ويضر بالناس.
وكذلك: طرح الكناسة على جوار الطريق وتبذير قشور البطيخ ورش الماء بحيث يخشى الزلق والسقوط.
وكل ذلك من المنكرات.
وكذلك: إرساء الماء من الميازيب المخرجة من الحائط إلى الطريق الضيقة: فإن ذلك ينجس الثياب ويضيق الطريق، ولا يمنع منه في الطرق الواسعة، إذ العدل عنه ممكن.
فأما ترك مياه المطر والأوحال والثلوج في الطرق من غير كسح.
فذلك منكر، ولكن ليس يختص به شخص بعينه إلا الثلج الذي يختص بطرحه على الطريق من ميزاب معين، فعلى صاحبه على الخصوص كسح الطريق.
[ ٤٦١ ]
فإن كان من المطر فذلك حسبة عامة فعلى الولاة تكليف الناس بالقيام بها وليس للآحاد فيها إلا الوعظ فقط.
وكذلك: إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس:
فيجب منعه منه.
وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه.
وإن كان يضيق الطريق ببسط ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه من أن ينام على الطريق أو يقعد قعودًا يضيق الطريق، فكلبه أولى بالمنع، انتهى كلامه.
ومنها: ما يفعل في المحمل وتولية السلطان أو غانيته وقدومه من الزينة ونحو ذلك:
من ستر جدران الحوانيت بالحرير والمزركش وافتراش الرجال الحرير في حوانيتهم وتصوير الصور المحرمات مع ما يتفق فيها من الفساد، وخروج النساء ليلًا للتفرج والإسراف في وقيد القناديل والشمع من غير ضرورة إلى غير ذلك مما لا نطيل بذكره لمشاهدة ذلك ومعانيته.
فكل ذلك منكر مبتدع محرم يجب إزالته والسعي في تغييره وإنكاره بقدر الاستطاعة والعزلة/ في زمن الزينة في البيوت حتى لا تشاهد.
وقد أفتى ابن الرفعة بتحريم التفرج على ذلك والنظر إليه، والله أعلم.
ومنها: ما يفعل من الزفات في ختم الصبي القرآن وفي الختان والعرس كركوب الصبي أو العروس على فرسٍ أو بغلة وإيقاد الشموع وقراءة المقرئين بين يديه، أو ذكر الفقراء الذكارين.
وهذا كله بدعة شنيعة لم تعهد في السلف الصالح.
فإن انضم إلى ذلك اجتماع النساء فيها ومشيهن مع الرجال والمردان والإسراف
[ ٤٦٢ ]
في الوقيد وضرب الطبول والدفوف وتكليف المعارف المساعدة في ذلك.
وانضم إلى ذلك المفاخرة والمباهات والرياء والسمعة بإضاعة المال وغير ذلك مما هو مشاهد لا ينكر حرمة ذلك وتأكد وجوب إنكاره على من يستطيع ذلك من المسلمين، وإن لم ينكر ذلك اشترك الكل في الإثم.
فإن فعل ذلك من يقتدي به من القضاة والفقهاء كانت المصيبة العظمى والداهية الدهياء، وكان ذلك أبلغ في وهن الدين وإضلال الجاهلين وكذلك إن حضره أحد منهم.
وينبغي على ما قال ابن الرفعة أن يحزم النظر إلى هذه البدعة والمساعدة عليها، وتكثير سواد أهلها.
وقد يستر بعضهم المنبر الذي يخطب عليه الصبي وجدران المسجد بالذهب والحرير.
وهذا كله بدعة محرمة على فاعلها وناظرها والمعين عليها والمساعدة عليها واجب إنكارها على كل قادر.
ومنها: ما يشاهد على أبواب الحمامات أو داخلها من الصور:
وهو بدعة منكرة يجب إزالتها على كل قادر.
وقال الغزالي: فإن كان الموضع مرتفعًا لا تصل إليه اليد فلا يجوز الدخول إلا لضرورة فليعدل إلى حمام آخر فإن مشاهدة المنكر غير جائزة ويكفيه أن يشوه وجوهها، انتهى.
ومنها: كشف المدلك في الحمام عن الفخذ وما تحت لتنحية الوسخ.
وقال الغزالي: بل من جملة المنكرات إدخال اليد تحت الإزار فإن مس عورة الغير حرام كالنظر إليها.
[ ٤٦٣ ]
وأما الانبطاح بين يدي المدلك ليغمز الإعجاز والأفخاذ.
فهو مكروه وإن كان مع حائل.
فإن خيف من حركة الشهوة كان ذلك حرامًا.
/ومنها: ترك السدر والصابون المزلق على أرض الحمام.
وهو منكر، ومن فعل ذلك وخروج وتركه في موضع لا يظهر أو يتعذر الاحتراز منه فزلق به إنسان.
قال الغزالي: فالضمان بين الذي تركه وبين الحمامي إذ على الحمامي تنظيف نفس الحمام لوجه إيجاب الضمان على تاركه في اليوم الأول وعلى الحمامي في اليوم الثاني. إذ العادة تنظيفه كل يوم والرجوع في مواقيت إعادة التنظيف إلى العادة، انتهى.
واعلم: أن دخول الحمام في هذا الزمان لا يجوز إلا أن يعلم أن كل من فيه مستور العورة متحفظ على سترها، أو يكون ذا قدرة على الإنكار.
وقد ورد عدة أحاديث تدل على تحريم الحمام.
وقال القرطبي في تفسيره قلت: أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رمي ميازرهم حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائمًا منتصبًا وسط الحمام وخارجه باديًا عن عورته ضامًا بين فخذيه ولا أحد يغير عليه.
هذا أمر الرجل فكيف النساء لاسيما بالديار المصرية.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٤٦٤ ]
٣ - فصل
في بعض منكرات الحجاج
فمنها: وهو أعظمها فتنة وأجلها في الدين مصيبة وأكثرها وجودًا وبلية .. وهو تضييع أكثرهم الصلاة في الحج.
وكثير منهم لا يتركونها بل يضيعون أوقاتها ويجمعون على غير الوجه الشرعي.
وذلك حرام بالإجماع.
ومن تحقق أن ذلك يصيبه في حجه حرم عليه الحج رجلًا كان أو امرأة.
قال ابن الحاج وقد قال علماؤنا في المكلف: إذا علم أنه تفوته صلاة واحدة إذا خرج إلى الحج فقد سقط الحج عنه.
وقد سئل مالك ﵀ عن الذي يركب البحر إلى الحج ولا يجد موضعًا يسجد فيه إلا على ظهر أخيه أيجوز له الحج؟
فقال ﵀: أيركب حيث لا يصلي؟ ويل لمن ترك الصلاة.
قال: وقد اختلف علماؤنا في الحاج يأتي مراهق ليلة النحر فيريد أن يدرك الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر ثم يذكر أنه لم يصل العشاء بعد، فإن [هو] اشتغل بصلاة العشاء فإنه وقت الوقوف وإن وقف خرج العشاء. على أربعة أقوال المشهور منها: أن يصلي ويفوته الحج، انتهى.
قلت: وذكر القاضي حسين في فتاويه في هذه المسألة وجهين.
أحدهما: يشتغل بالصلاة وإن فاتح الحج.
والثاني: يشتغل بالوقوف.
[ ٤٦٥ ]
قال البغوي: وكان ﵀ يميل إلى هذا قال: والأول أصح في القياس، انتهى.
وأما النساء فلا يمكن/ إحداهن الصلاة في وقتها المشروع أبدًا إلا في النادر الذي لا حكم له.
وسبب هذا المنكر العظيم أمراء الحج وتهاونهم بالصلاة والإنكار وخوف المصلي من فوات الرفقة ومشقة اللحوق بهم.
فالواجب على الأمراء أن يقفوا بالحاج في أوقات الصلوات إذا دخلت عليهم وهم مسافرون ويتفقدون من لم يصل من الجمالين وغيرهم ويشددون عليهم أمر الصلاة ويمنعون من يتقدم منهم قبل الصلاة.
فإن لم يفعلوا كان إثم من ترك الصلاة لذلك في أعناقهم، ومن تركها تهاونًا وكسلًا ولم يعلموا به فإثمه في عنق نفسه، وحكمه مذكور في كتب الفقه.
ومنها: ما أحدثه الناس من الركوب في المحامل: وذلك بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة.
وإنما أحدثها الحجاج بن يوسف فركب الناس سنته، وكان العلماء في وقته ينكرونها ويكرهون الركوب فيها.
قال أبو طالب المكي في كتاب القوت: وأخاف أن بعض ما يكون من تماوت الإبل يكون ذلك سببه لثقل ما تحمل ولعله عدل أربعة أنفس وزيادة مع طول المشقة وقلة الطعام.
وقال مجاهد: كان ابن عمر إذا نظر إلى ما أحدث الحجاج من الزي والمحامل يقول الحجاج قليل والركب كثير، انتهى.
ومنها: تزيين الجمل بالحلي من الذهب والفضة والقلائد والأساور وإلباسه الحرير وتزيين المشاعر بذلك: أيضًا.
[ ٤٦٦ ]
يفعلون ذلك عند خروجهم من بلدهم ورجوعهم إليه، وعند دخولهم مكة والمدينة.
وكل ذلك بدع محرمة ومنكرات شنيعة يجب إنكارها والمنع منها على كل قادر.
وإنما يحملهم على ذلك المفاخرة والمباهات والرياء والسمعة وطلب الثناء والرفعة على الأقران.
وهم آثمون في جميع ذلك ويشاركهم في الإثم من تطاول لرؤية ذلك واستحسنه أو سكت عنه.
ومنها: ما يفعله بعض النسوة لقرابتهن أو لأصحابهن من رفع أصواتهن بالتحية والرجال يسمعون في الطرق وغيرها ولا ينكر أحد عليهن.
وهذه بدعة يجب إنكارها.
ومنها: ما يفعله بعض الجهال: وهو أن يأتي الحجر الأسود فيقبله أو يستلمه ثم يأخذ في الطواف أو يفعل هذا في آخر الطواف وينصرف.
وهذا لا يصح طوافه لأن شرط الطائف أن يحاذي أولًا الحجر بجميع بدنه ثم يطوف. وشبهه القاضي أبو الطيب بتكبيرة الإحرام، والذي يواجهه لا يصح منه.
ذلك، ولا يحسب له الشوط/ الأول.
فعلى هذا يكون طوافه ستة أشواط، فإن كان ذلك طواف القدوم وجب عليه دم، وإن كان طواف الإفاضة بطل حجه.
فيجب على من رأى من يفعل ذلك أن يبينه له، ويأمره أن يتأخر عن الحجر الأسود إلى جهة الركن اليماني قليلًا ثم يجعل البيت عن يساره ويأخذ في الطواف، وإذا كان آخر شوط تقدم إلى جهة الباب قليلًا أيضًا ثم خرج.
[ ٤٦٧ ]
ومنها: أن كثيرًا من الناس يمس الجدار بيده في طوافه حال موازنته الشاذروان وهذا لا يصح طوافه، وإن كان ذلك في طواف الإفاضة فسد حجه كما تقدم.
وهذا فعل يسير وخطره عظيم، فيجب التنبيه على مثل هذا.
وكذلك الحكم فيمن مشى على الشاذروان أو وقف عليه أو وضع عليه رجله في حال الطواف.
وكثير من الناس يقف على الشاذروان ويضع وجهه على جدار البيت، فليحذر الإنسان مثل هذا غاية الحذر لئلا يفسد حجه أو يقع في محظور، وإن رأى من يفعل ذلك أو الذي قبله فلينبهه عليه وليأمره أن يرجع خطوة أو خطوتين احتياطًا ثم يطوف على ما كان ليصح طوافه.
ومنها: تقبيل بعضهم الحجر أو استلامه بيده.
وهو محرم، وفي الحجر ما فيه من الطيب والمسك ونحو ذلك.
فيقع فيما حرم عليه من الطيب وهو لا يشعر ويجب عليه دم.
وما أظن في ذلك خلافًا، وهذا الفعل قل من يسلم منه.
فيجب على من علم تحريم ذلك أن ينبه عليه غيره من إخوانه المسلمين نصحًا لهم وشفقة عليهم.
ومنها: أن بعض الجهال والأعراب يطوف من داخل الحجر:
وهو لا يصح طوافه، ويبطل حجه إن فعل ذلك في طواف الإفاضة ولم يتداركه. ويجب عليه إن فعل ذلك في طواف القدوم أو الوداع على الصحيح.
ومنها: أنهم يتركون المبيت بمنى وهو سنة ويتوجهون إلى عرفة ليلًا فيوقدون الشموع والقناديل ويتفاخرون بذلك.
وهذا كله من البدع المحدثة في الدين، ويتعين على من له اليد أن يمنعهم من ذلك ويزجرهم.
ومنها: طوافهم بالقبة التي يسمونها قبة آدم ﵇:
[ ٤٦٨ ]
وهي بدعة شنيعة يجب إنكارها والمنع منها.
ومنها: أن بعضهم يأخذ في الرحيل بعد الزوال يوم عرفة ويأتون إلى العلمين أو قريب منهما ويقفون هناك: فإذا سقط بعض قرص الشمس أسرعوا الخروج/ من بين العلمين.
وفاعل هذا يريق دمًا عند الشافعي استحبابًا. وقيل وجوبًا.
وأما عند مالك ومن تابعه فالوقوف في جزء من الليل واجب لابد منه، وعلى من تركه إراقة دم.
وفعل هؤلاء بدعة منكرة يجب على الأمير أن يمنع هؤلاء من فعلهم، وأن لا يمكن أحدًا من النفر حتى يتحقق دخول جزء من الليل.
وينبغي له بل يجب عليه أن لا يترك بعض الحاج يخرجون من وراء العلمين، لأن العلمين إنما هما لبيان حد عرفة من غيرها، لا أن الدخول بينهما واجب كما يزعم بعض الجهال أن من لم ينفر بينهما لا يصح حجه.
وهذه بدعة شنيعة يقع بسببها ما لا خير فيه من الزحمة العظيمة والشتم وكسر المحامل وسقوط الأحمال والضرر الكثير بالضعفاء، وغير ذلك مما هو مشاهد لا يخفى وسبب كل ذلك اعتقادهم أن الدخول من بينهما لابد منه.
فإذا تفرقوا خفت الزحمة وقل الضرر وحصل الرفق.
ومنها: أن كثير من الحاج لا يقف بالمزدلفة وإن وقف فلا يبيت:
وهذا بدعة يجب على الأمير ومن قدر أن يمنع منها.
لأن من ترك المبيت بمزدلفة وجب عليه إراقة دم في الأظهر.
وذهب ابن خزيمة وجماعة من العلماء إلى أن المبيت بها ركن فعلي هذا إذا تركه فسد حجه، ولا يجبر بدم ولا بغيره.
وشرط المبيت أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، ولو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ولو عاد إليها قبل الفجر سقط.
ومنها: تركهم السنة في الوقوف بالمشعر الحارم.
[ ٤٦٩ ]
وذلك بدعة أيضًا.
ومنها: أن بعضهم يرجع يوم النحر إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة ثم يشتغل بها إلى الليل ويبيت بها:
والمبيت بمكة في ليالي منى بدعة.
ومن بات بها أراق دمًا عند مالك ومن تابعه.
وأظهر أقوال الشافعي أنه لا يريق دمًا بليلة واحدة.
والأظهر عند النووي أن الدم بترك المبيت واجب، وهو مذهب مالك ومن تابعه.
ومنها: إن بعض من يتأخر إلى اليوم الرابع من أيام منى يرحل قبل الزوال: وهذا يجب عليه دم عند مالك والشافعي لتركه الرمي، ولا اعتبار برميه قبل الزوال لأنه كالصلاة قبل دخول وقتها، فوجوده كعدمه سواء.
فإن علم أنه لابد له من الرحيل قبل الزوال فينبغي له أن يرحل في اليوم الثالث/ بعد الزوال والرمي [فإن رجع ورمى بعد الزوال] سقط عنه الدم، ولا يقيم حتى تغرب عليه الشمس، لأنه متى غربت عليه الشمس بمنى وجب عليه المبيت بها والإقامة إلى الزوال حتى يرمي بعده.
وبالجملة فمنكرات الحج وما ابتدع فيه كثير لا يمكن حصرها، وإنما ذكرنا هذه النبذة وأكثرها مما يتعلق بالفقه لكثرة وقوعه وعظم خطره.
فليتنبه لأشباه ذلك من رام استقصاء أكثره، والله ولي التوفيق.
ومنها: ما يفعله بعض الأتراك أومن له جاه، من سبقه إلى الماء ومنع الناس عنه بالضرب وغيره إلى أن يكتفي هو وجماله:
[ ٤٧٠ ]
وهذه بدعة محرمة، واعتداء لا يجوز، ومنكر يحرم السكوت عن إنكاره، على كل قادر.
وقد تقدم ذكره وأنه من الكبائر، ومن فعل شيئًا من ذلك فيجب عليه التوبة والإقلاع.
فإن الناس كلهم مشتركون في ذلك الماء، وليس لأحد أن يختص بشيء منه أكثر من حاجته، ولا أن يدفع عنه محتاجًا إليه، ولا أن يتقدم على من سبقه إليه إلا بإذنه، والله أعلم.
[ ٤٧١ ]
٤ - فصل
في ذكر شيء مما يقع في النكاح، وبعده من البدع والمنكرات
فما يفعل في العقد من استعمال الفوط الحرير لمسح الأيدي بماء الورد، وربما كان الورد في قمقم فضة والتبخير بمباخر الفضة وفرش الحرير من المقاعد وغيرها.
وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر، فإن كان عاجزًا عن التغيير حرم عليه الحضور وسقط عنه وجوب [إجابة] الدعوى عند من يرى وجوبها.
ومنها: اجتماع النساء على السطح أو في الغرف للنظر إلى الرجال مهما كان وربما كان في الرجال شباب يخاف الفتنة منه.
قال الغزالي: فكل ذلك منكر محظور يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج ولم يجز له الجلوس فلا رخصة في الجلوس مع مشاهة المنكرات.
ومنها: تعليق الستور وعليها الصور:
وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها والمبادرة إلى تغييرها.
وكذلك قد تكون رؤوس المباخر وأغطية القماقم على صورة طائر.
وذلك أيضًا حرام يجب كسر مقدار الصور منه، فإن كانت الصور على ما يمتهن كالبسط والوسائد فليس بمنكر.
ومنها: أن يكون في الوليمة من يضحك الحاضرين بالفحش والكذب:
قال الغزالي: فلا يجوز الحضور، وعند الحضور يجب/ الإنكار وإن كان
[ ٤٧٢ ]
ذلك بمزح لا كذب فيه ولا فحش فهو مباح، أعني ما يقل منه وأما اتخاذه صفة ومادة فليس بمباح، انتهى.
ومنها: الإسراف في الطعام والبناء:
وذلك منكر، قاله الغزالي.
ومنها: ما يفعله الجهال من أهل ديار مصر ويسمونه الشطور:
وهو بدعة، يشتمل على جمل من المنكرات، كفرش الحرير والتظليل به وستر الجدران به.
وباستعمال أواني الذهب والفضة فيه غالبًا.
وتفرج النساء على الرجال.
وحضور المغاني بالآلات المحرمة.
وإنفاق ما يصرف فيه رياء وسمعة ومفاخرة.
واستعارة المستحسن من قماش الناس ليتكثروا به، وهو تشبع بما لم يعطوا.
إلى غير ذلك من البدع الشنيعة والأمور المحرمة التي تغني شهرتها عن ذكرها. فيجب على كل قادر المنع من ذلك وتغييره، ويحرم حضوره والسكوت عنه، ويفسق بحضور من كان عدلًا.
والله ولي التوفيق.
ومنها: ما عم وعظمت به البلوى ولم يسلم منه إلا من عصمه الله: وهو جلاء المرأة على الرجل في أحسن ثيابه وأكمل حالاته في مجمع من النساء الأجنبيات منه.
وهو بدعة محرمة إذ نظرهن إليه حرام بشهوة وغيرها على الأصح.
مع أنه لا يحتجب منهن. إذ ذاك إلا النادر فترى الرجل ينظر إليهن غالبًا
[ ٤٧٣ ]
وينظرن إليه ويحدقن بصرهن فيه ليتحققن ما فيه من المحاسن وغيرها.
ثم إنهن يضفن إلى هذا المحرم محرمًا آخر أشد منه، وهو جلاء المرأة في ثياب الأتراك كالقباء والكلوثة وتأخذ في يدها سيفًا.
وكل هذا حرام وهو من الكبائر.
لأن النبي ﷺ لعن فاعله، ونهى ﷺ أن يلبس الرجل لبسة المرأة وأن تلبس المرأة لبسة الرجل.
وهذه بدعة محرمة لم يفعلها إلا من لا خلاق له، فيجب إنكارها والتحذير منها والمعصوم من عصمه الله.
ومنها: ما يفعله من لا دين له ولا مروة عنده من جلاء المرأة على زوجها بحضور الرجال الأجانب وهم يتفرجون عليها بزينتها وحليها:
وقد تحققنا ذلك عند طائفة من أهل دمياط والبرلس وغيرهما، وحكي ذلك عن بلاد كثير من بلاد مصر، حتى إنهم يعيبون من ستر زوجته من الرجال حال الجلاء، أو منع رؤيتها وربما خلعوا الباب/ ودخلوا قهرًا لما اعتادوه من إباحة ذلك.
وهذا لا يحتاج في تحريمه إلى بيان إذ هو من أشنع البدع وأقبح المحرمات، ومن استحل ذلك من زوج أو متفرج فهو كافر يضرب عنقه على ما عرف في الشرع.
فمن استحل المحرمات ومن ترك إنكار ذلك من الحكام وغيرهم من أقارب الزوجين والأجانب منها مع القدرة فهو آثم فاسق شريك لهم فيما ارتكبوه، شبيه لهم فيما انتهكوه غير ناصح لله ورسوله والمؤمنين.
ومنها: ما يفعله كثير من الجهال ببلاد مصر والشام وغيرهما حال الجلاء من جلوس قرابة الرجل معه على المنصة كأخيه وابن عمه ونحوهما.
[ ٤٧٤ ]
وهذا أيضًا حرام كالأول، إذ لا فرق بين الرجال الأجانب وأقارب الزوج إن لم يكونوا محارم المرأة وربما افتتن بعض هؤلاء بالمرأة لأنه يراها في أكمل حالاتها وأجمل أوقاتها، فيترتب على ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما لا يخفى.
ومنها: أن بعض الرجال يعتزل امرأته إذا حاضت وينام وحده:
وهذه بدعة مكروهة مخالفة للسنة.
قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه.
وفي رواية كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه منه شيء غسل مكانه ولم يعده.
رواهما أبو داود.
وفي الصحيحين: «أن النبي ﷺ دعا أم سلمة فاضطجعت معه في الخميلة وهي حائض».
وفيهما: عن ميمونة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يضطجع معي وأنا حائض بيني وبينه ثوب.
فاعتزال المرأة في حال الحيض بدعة مخالفة للسنة، وهي من عوائد اليهود. ومن تشبه بقوم فهو منهم.
ومنها: كتابة الصداق في الحرير:
وهي بدعة.
وقد صرح النووي في فتاويه بأنه لا يجوز.
[ ٤٧٥ ]
وكذا صرح به جماعة.
وذهب آخرون إلى جوازه.
ومنها: ما تفعله بعض القبائل:
وهو أنها تلعق المولود مما يتعلق بأصابعها من النجاسات حال إلقاء الولد من بطن أمه، ويعتقدون أن ذلك ينفع المولود لكذا وكذا.
وهذه بدعة لا تجوز وكذب منهن وافتراء.
فينبغي التنبيه على ذلك ومنعهن منه.
فإنما السنة التحنيك بالتمر ونحوه على ما هو معروف عند العلماء.
ومنها: إذا تعسرت الولادة على المرأة أخذت لها لباب الخبز وجعلن في قلبه زبل الفأر وأطعمت/ ذلك من حيث لا تشعر به، ويعتقدون أن ذلك يسهل الولادة.
وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها؛ لأن أكل النجاسة حرام.
ولهن من هذه البدع وما شابهها أشياء كثيرة لا يمكن استيفاؤها.
ومنها: ما أحدثه بعضهن في ليلة السابع:
وهو أن يضعن عند رأس المولود الختمة واللوح والدواة والقلم ورغيفًا من الخبز وقطعة سكر، وربما عمل بعضهم رغيفًا كبيرًا إلى النهاية وبلوح سكر وطبق فاكهة فإذا أصبحن فرقن ذلك على النساء وغيرهن، ويزعمن أنه بركة لمن أخذه وأنه ينفعه من الصداع.
وكل ذلك كذب وافتراء وابتداع في الدين.
ومنها: الدوران بالنفساء في البيت كله والقابلة أمامها حاملة المولود، وامرأة ألحرى أمام القابلة معها طبق فيه ملح وكمون تنثره في البيت يمينًا وشمالًا وفي الطبق شيء من البخور الذي يتخذنه برأيهن ويزعمن أنه ينفع من الأمراض والكسل والعين والجان.
[ ٤٧٦ ]
وهذا كله بدع مكروهة وافتراء على الله ليس من الشرع في شيء فليحذر أبو الولد ذلك وينهاهن عنه.
ومنها: تثقيب آذان الصبي:
وذلك بدعة يجب إنكارها والمنع منها.
وأما البنت فنص الإمام أحمد على جواز ثقب أذنها لحاجتها إلى الحلية.
وقال الغزالي في الإحياء: لا أرى رخصة تثقيب أذن الصبية لأجل تعليق حلق الذهب فإن ذلك جرح مؤلم، والتزين بالحلق غير مهم، وفي المخانق والأسورة كفاية عنه، وإن كان معتاد فهو حرام والمنع منه واجب، والاستئجار عليه غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام.
إلا أن يثبت من جهة النقل فيه رخصة، ولم يبلغنا الآن فيه رخصة، انتهى.
[ ٤٧٧ ]
٥ - فصل
ومن البدع التي أحدثت في العيادة أنه لا يعاد المريض يوم السبت، ومن عاده تطيروا به وشق ذلك عليهم.
وهذه بدعة في الدين ومخالفة لسنة سيد المرسلين.
إذ لم يوقت في العيادة يومًا دون يوم، ولا وقتًا دون وقت.
وقد ذكر بعضهم أن أصل هذه البدعة أن يهوديًا كان طبيبًا لملك من الملوك فمرض الملك مرضًا شديدًا فكان اليهودي لا يفارقه فجاء يوم الجمعة فأراد اليهودي أن يمشي إلى سبته فمنعه الملك، فأقدر اليهودي أن يستحل سبته وخاف من سفك دمه، فقال اليهودي إن المريض لا يدخل عليه يوم/ السبت فتركه الملك ومضى لسبته.
ثم شاعت هذه البدعة بعد ذلك، واتخذها كثير من الجهال سنة.
ومنها: ترك العيادة بالليل وكراهة ذلك والتطير به.
وهذا بدعة، وقد لا يصبح المريض فيفوت ثواب العبادة.
وقد حض النبي ﷺ على عيادة المريض ولم يمنع منها في ليلٍ ولا نهار، بل قال ﷺ:: «ما من مسلم يعود مسلمًا غدوة» إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عادة عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة.
[ ٤٧٨ ]
رواه الترمذي عن علي، وقال حديث حسن، ورواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما، ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه: قال رسول الله ﷺ:: «ما من مسلم يعود مسلمًا إلا يبعث الله إليه سبعون ألف ملك يصلون عليه في أي ساعات النهار حتى يمسي، وفي أي ساعات الليل حتى يصبح».
انظر كيف رغب رسول الله ﷺ في العيادة ليلًا ونهارًا، فألقى الشيطان عندهم كراهيتها بالليل ويوم السبت ليؤخروها إلى النهار أو إلى الأحد عسى أن يكون التأخير سببًا لتفويتهم هذا الأجر الجزيل في العيادة، وربما شفي المريض أو مات أو حدث بالعائد ما يمنعه من العيادة في غد ونحو ذلك.
ومنها: أنه لابد وأن العائد يأتي معه بشيء للمريض سواء كان غنيًا أو فقيرًا:
فإن لم يفعل تكلم فيه وقدح بالبخل والنذالة وقلة المروءة ونحو ذلك.
وهذه بدعة لم ترد بها السنة.
وهذا المريض لا يخلو من حالين إما أن يكون فقيرًا محتاجًا فدفع احتياجه فرض كفاية على كل قادر من المسلمين لا يختص ذلك بوقت العيادة ولا غيرها.
وإن كان غنيًا فلا وجه لزم عائده على ترك الهدية إليه في حال الضعف ولا في غيره لعدم الاحتياج.
مع إن الغالب في مثل هذا إنما يكون على سبيل المعاوضة والمقارضة لا على سبيل الهدية والإعانة.
وقد يكون العائد إذ ذاك ضيق اليد فيحتاج إلى كلفة في تحصيل ما يأتي به
[ ٤٧٩ ]
إلى المريض ويترك العيادة خوفًا من الملامة ويعتذر عن ذلك بما أمكنه من كذب أو تعريض ونحو ذلك، وقد يؤدي ذلك إلى القطيعة بين الأخوان والأقارب، والمجازاة بترك العيادة عمدًا.
ولا يخفى ما في ذلك من المفاسد الدينية والدنيوية، مع أن المطلوب إنما هو نفس العيادة ليس إلا، فإن أتى معه بشيء على سبيل الهدية/ أو المساعدة لكون الضعيف قد حصل له ما يمنعه من الاكتساب أو شراء الحاجة ونحو هذا فلا بأس بذلك بشرط صحة القصد، والله أعلم.
[ ٤٨٠ ]
٦ - فصل
في ذكر شيء من المنكرات الجنائز والمقابر
فمنها: اللطم والنوح وشق الجيب وقطع الشعر:
وقد تقدم ذكره.
ومنها: قراءة المقرئين أمام الجنائز على ما يعهد من تمطيطهم وتلحينهم وزيادتهم في الحروف.
وهذه بدعة محرمة يجب إنكارها على كل قادر.
وقد استفتي النووي﵀- فقيل له هذه القراءة التي يقرؤنها الجهال على الجنائز بدمشق بالتمطيط الفاحش والتغني الزائد وإدخال حروف زائدة ونحو ذلك مما هو مشاهد منهم هل هو مذموم أم لا؟
فأجاب ﵀: بل هذا منكر مذموم فاحش وهو حرام بإجماع العلماء. وقد نقل الإجماع فيه الماوردي وغير واحد.
وعلى ولي الأمر- وفقه الله- زجرهم عنه وتعزيرهم واستتابتهم، ويجب إنكاره على كل مكلف تمكن من إنكاره، انتهى.
فإن كانت القراءة على وجهها من غير تمطيط ولا ألحان كان ذلك بدعة مكروهة. لأن ذلك لم يرد فعله عن النبي ﷺ. ولا عن أحد ممن يقتدي به من السلف.
وكذلك الذكارين مع الجنازة بدعة مكروهة، والله أعلم.
[ ٤٨١ ]
ومنها: تغطية الرجل الميت باللحاف الحرير والفوط الحرير والمزركش وفرش ذلك تحته:
وهذه أيضًا بدعة محرمة ويجب إنكارها على فاعلها بالميت.
ولو كان هذا جائزًا لكان الأولى أن يقدم إلى الله تعالى في ثياب الذل والافتقار لا في ملابس التيه والافتخار.
اللهم بصرنا يا أرحم الراحمين.
ومنها: البناء في المقبرة المسبلة:
وقد تقدم أن ذلك حرام يجب هدمها باتفاق العلماء، وأنه لا يمكن أحد من البناء فيها.
قال ابن الحاج في المدخل: وقد قال لي من أثق به وأسكن إلى قوله، إن الملك الظاهر كان قد عزم على هدم كل ما في القرافة من البناء كيف ما كان، فوقفه الوزير عن ذلك، وفنده واحتال عليه بأن قال له: إن فيها مواضع الأمراء وأخاف أن تقع فتنة بسبب ذلك، وأشار عليه بأن يعمل فتاوى في ذلك فيستفتي فيها الفقهاء هل يجوز هدمها أو لا، فإن قالوا بالجواز فعل الملك ذلك مستندًا إلى فتاويهم فلا يقع تشويش على أحد، فاستحسن الملك ذلك وأمره أن يفعل ما أشار به.
قال: فأخذ الفتاوى ودفعها إلي وأمرني أن أمشي بها على من في الوقت من العلماء فمشيت عليهم بها مثل/ الظهير التزمني وابن الحميزي ونظائرهما في الوقت فالكل كتبوا خطوطهم واتفقوا على لسان واحد في أنه يجب على ولي الأمر أن يهدم ذلك كله ويجب عليه أن يكلف أصحابها رمي ترابها في الكيماني.
ولم يختلف في ذلك واحد منهم.
قال: فأعطيت الفتاوى للوزير فما أعرف ما صنع فيها وسكت على ذلك، وسافر الملك الظاهر إلى الشام في وقته فلم يرجع ومات بالشام، انتهى.
[ ٤٨٢ ]
وأما البناء على القبر في غير المقبرة المسبلة فهو بدعة مكروهة.
قال ابن بشير المالكي في كتابه: وليست القبور موضع زينة ولا مباهاة، ولهذا نهى عن بنائها على وجه يقتضي المباهاة.
والظاهر أنه يحرم مع هذا القصد، ووقع لمحمد بن حكم فيمن أوصى أن يبنى على قبره أنه تبطل وصيته وينهى عنها ابتداء، انتهى.
وفي صحيح مسلم نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر أو يبنى عليه.
وروى أبو داود والترمذي وصححه عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن توطئ وأن يبنى عليها.
ومنها: الكتابة على القبر:
وهي بدعة مكروهة، لما تقدم من نهيه ﷺ عنها.
قال النووي في شرح المهذب: ولا فرق بين أن يكون المكتوب في لوح عند رأسه على العادة أم في غيره لإطلاق الحديث.
ومنها: أن يموت الميت ويمكن دفنه في يوم موته فيؤخرونه ليجتمع الناس ويصلى عليه الجمعة، أو يحضر فلان ونحو ذلك.
وقد يكون تأخيره سببًا لانفجاره، ثم إنهم يدخلون به إلى الجامع فيضعونه في الصف الأول أو قريبًا منه فيغضبون ذلك المكان الذي وضعوا فيه سريره، وربما خرج من الميت شيء في المسجد أو في طريق المسجد ودخل متنجسًا إلى المسجد.
وهذا كله منكر لا يجوز، وإكرام الميت تعجيل دفنه، والدفن بالليل جائز من غير كراهة.
[ ٤٨٣ ]
وقد نقل الشيخ أبو حامد وصاحب الحاوي والشيخ نصر وغيرهم الإجماع عليه فإن خيف عليه الفساد وجب تعجيل دفنه ليلًا كان أو نهارًا.
ومنها: أن يدفن في قبر ميت قبل أن يبلى الأول ويذهب أثره من غير ضرورة:
وهذه بدعة محرمة شائعة بين الناس من غير نكير، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الميت الأول أباه أو أمه أو ابنه أو أجنبيًا منه.
حتى إن بعضهم يوصي أن يدفن على أبيه أو ابنه أو قرابته.
وذلك لا يجوز لأن نبش القبر والكشف عن الميت حرام وموضعه مختص به.
لا يجوز لأحد أن يدفن معه فيه إلا أن يفنى أو لم يبق له أثر.
فيجب على كل قادر إنكار ذلك والمنع منه، فإن كان عاجزًا فيجب عليه أن لا يحضر ذلك لأن حضور الدفن/ وإنكار هذا واجب وليس له أن يتعرض لترك واجب بارتكاب سنة. والله أعلم.
فرع:
لو حفر فوجد عظامه أعاد القبر ولم يتم الحفر.
قال الشافعي: فإن فرغ من القبر فظهر شيء من العظام جاز أن يجعل من جانب القبر ويدفن الثاني معه، ذكره الرافعي.
فرع:
دفن الاثنين يكره إلا لضرورة:
ولا يحرم على الصحيح.
نعم لا يجمع بين الرجال والنساء إلا عند شدة الحاجة.
صرح في شرح المهذب بأن ذلك حرام حتى في الأم وولدها.
وأباح بعضهم من كان بينهما زوجية أو محرمية، والله أعلم.
[ ٤٨٤ ]
ومنها: ما يفعله بعضهم من الفرش تحت الميت والمخدة تحت رأسه: وهذه بدعة شنيعة.
وكذلك ما يفعله من لباس الميت أفخر ثيابه من الحرير والذهب ونحو ذلك مع الكفن.
وهذا حرام؛ لأنه إضاعة المال من غير ضرورة، وللورثة مطالبة من فعل ذلك به، والله أعلم.
ومنها: التبخير عند القبر.
وهو بدعة مكروهة.
وقد نهى النبي ﷺ:: «أن يتبع الميت بنار».
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على كراهة إتباع الجنائز بالنار كمبخرة ونحوها.
ومنها: ما يفعلونه من سد أنف الميت وفمه بالقطن:
وذلك بدعة وكذلك يدخلون القطن في دبره بعود أو نحوه.
قال ابن الحاج: وهذا فعل شنيع قبيح. لأن ذلك حرام في حياته فكذلك بعد موته. ثم إنهم إذا جاءوا به القبر أخرجوا ذلك القطن من فمه فيبقى مفتوحًا لا يمكنه غلقه وربما أخرجوا ذلك القطن منه وقد تنجس بما خرج من حلقه وله رائحة كريهة فيرمونه معه في القبر فيؤذ الملائكة بذلك لأنهم يتأذون مما يتأذى به بنو آدم.
وكل هذه أفعال شنيعة وبدع قبيحة يجب إنكارها على كل مستطيع.
لأنه إنما يلجم بالقطن إلجامًا لا أنه يحش به، والله أعلم.
ومنها: ما أحدثه الغسال من القراءة والأذكار على الميت عند كل عضو:
وذلك بدعة لم ترد عن السلف.
[ ٤٨٥ ]
مع أنك ترى الغاسل يقرأ القرآن بلسانه ويده تباشر إزالة النجاسة عن بدن الميت، وفي ذلك ما فيه.
ومنها: ما يفعله بعضهم من حضور القراء على باب الميت أو قريبًا من داره ويبسط لهم الحصر والبسط المشتركة:
وذلك بدعة.
وهم غاصبون لطريق المسلمين التي جلسوا فيها من غير ضرورة شرعية.
وقد نهى النبي ﷺ عن الجلوس على الطرقات.
فيجب إنكار ذلك على كل قادر.
ومنها: ما ذكره ابن الحاج فقال: وليحذر من هذه البدعة التي/ اعتادها أكثرهم في هذا الزمان وهو أنهم يأخذون القطن الكثير فيجعلونه على وجه الميت حتى يعلو ثم يجعلون القطن الكثير على ركبته وتحت حنكه وتحت رقبته حتى يصير رأسه وكتفاه سواء. ثم يجعلون القطن كذلك عن ساقيه ومن هاهنا، ومن هاهنا حتى يصير بطنه ورأسه ورجلاه سواء.
هذا الفعل قد جمع بين محرمين وبدعة:
فالمحرم الأول إضاعة المال في كثرة القطن لغير ضرورة شرعية.
والمحرم الثاني أخذ ثمن القطن من مال الورثة؛ لأن الميت ليس له من تركته إلا قدر ضرورته الشرعية، والزائد على ذلك غصب لحق الورثة سيما إذا كان الوارث صغيرًا، ولو فرض رضي الورثة لمنع من ذلك لأنه من باب إضاعة المال والإعانة على البدعة.
وأما البدعة فكونهم اعتادوا أن يخرجوا من كفنه بالسواء عند الناظر.
والسنة أن يكون في كفنه بحيث يعرف رأسه وكتفاه ورجلاه كما يعلم ذلك منه في حال الحياة وهو في ثيابه، انتهى.
[ ٤٨٦ ]
ومنها: ما يفعله كثير من الجهال وهو يمشي مع الجنازة من الحديث في أمور الدنيا وما لا ينبغي وربما ارتفعت أصواتهم بالضحك والقهقهة أو تشاجرا وتسابا.
وكل هذا بدع.
إذ السنة أن يمشي الإنسان مع الجنازة ساكتًا مطرقًا متفكرًا فيما يقال وما يجيب به.
كذا كان السلف –﵃- حتى كان بعضُهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات له به فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام شيئًا.
وكره جماعة من العلماء في قول المنادي مع الجنازة استغفروا له.
قال ابن المنذر ونحن نكره ما كرهوه، انتهى.
ولقد روي عن ابن مسعود ﵁ أنه سمع رجلًا يقول في الجنازة جهرًا استغفروا لأخيكم.
فقال له: لا غفر الله لك.
فإذا كان هذا قوله لمن لم يقل إلا خيرًا، فما ظنك بما تقوله المدرا بالصوت العالي من التزكية والكذب الصراح ونحو ذلك.
قال في شرح المهذب: والمختار بل الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكر في الموت وما يتعلق به.
ومنها: ما اعتاده أكثر الناس من إعطاء ما على الميت للغاسل:
وهم قسمان:
قسم: يخشى من هذه العادة حتى ربما لا يبقى عليه ما يستر عورته من قميص رفيع أو مهلهل ونحوه خشية أن يترك عليه ما له قيمة فيأخذه الغاسل.
والقسم الثاني: يتركون ما عليه وربما زادوه من أفخر ثيابه/ ثم يعطون ذلك للغاسل رياء ومفاخرة.
[ ٤٨٧ ]
وعلى كل التقديرين فإن كان في الورثة صغير أو غائب حرم على من يتولى ذلك أن يعطي الغاسل شيئًا من ذلك زائدًا على قدر أجرته.
وإن كان الورثة كبارًا حاضرين بأجمعهم وطابت أنفسهم بإعطاء الغاسل ذلك من غير رياء ولا مفاخرة جاز، وهذه صورة نادرة ولا تكاد توجد.
وكثير من الفساق يأخذ ذلك بيده من غير استئذان لاستحقاره أهل الميت أو توهمه أنهم لا يسمحون له إذا استأذنهم.
وهذه كلها بدع محرمة يجب إنكارها على كل قادر رآها.
ومنها: ما يفعله كثير من النساء الجاهلات الجاهليات وأخوات الشيطان وهو أنه إذا مات عندهن صغيرة أو عروس يجلسنها ويلبسنها أحسن ثيابها من الحرير والذهب ويزينن وجهها كما يفعل بالعروس ويزففنها بالمغاني أو غيرهم، وربما أخرنها عن الدفن يومًا أو يومين ليودعنها في زعمهن إلى أن تنتفخ ويتغير ريحها وتصير مثلة.
وهذه بدعة عظيمة ومحرمات شديدة قبيحة يحرم على كل قادر السكوت عنها ويجب على كل أحد المساعدة في دفعها ومنعها بقدر الطاقة.
ومن ترك إنكار ذلك من أهل الميت وغيرهم مع القدرة أو سكت عن رفع ذلك إلى قادر على إزالته فهو وهن سواء في الإثم ويفسق إن كان عدلًا وترد شهادته، مع ما له عند الله يوم القيامة من الخزي العظيم والعذاب الأليم.
نسأل الله العافية والسلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ومنها: أن يدفن الميت في تابوت من غير ضرورة.
وهو بدعة مكروهة لم يفعلها أحد من الصحابة.
ولو أوصى الميت بذلك لا تنفذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية.
كذا قال في الروضة، وبه أفتى القاضي حسين وغيره.
ومنها: ما ابتدعه بعضهم وهو أنهم يحملون أمام الجنازة الخبز والزبيب والغنم على رؤوس الحمالين فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا الغنم وفرقوا لحمها مع الخبز لمن
[ ٤٨٨ ]
لا يستحقه وربما نهبوا ذلك قبل وصوله إلى القبر. والضعيف عن المزاحمة والضراب لا يصل إليه شيء.
وهذا إن كان من مال التركة وفيها يتيم أو غائب فذلك حرام.
وإن كان الميت قد أوصى بذلك أو تبرع به الورثة الجائز تبرعهم ففيه ما فيه من المفاخرة والرياء والسمعة والمباهاة.
إذ لو كان القصد بهذه الصدقة وجه الله تعالى وإيصال الأجر إلى الميت لكانوا يصرفونها سرًا أو جهلًا في غير الجنازة مع قصد/ المستحقين للصدقة. ٢٦١
وأما الذبح على القبر فإن سلم من المقاصد الفاسدة فهو بدعة مكروهة من أعمال الجاهلية.
وقد روى أبو داود عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا عقر في الإسلام».
والمراد بالعقر ما كان الجاهلية يفعلونه من الذبح عند القبر.
ومنها: ما يفعل عند القبر كالصندوق والدربزين:
وذلك بدع مخالفة للسنة، وأكثر ما يفعلون ذلك في قبور الصالحين الذين هم أولى الناس بإتباع السنة.
ومنها: المبيت عند القبر في المقبرة:
وهو بدعة مكروهة.
وكذلك الفرش عنده وتغطيته بثوب أو خيمة أو إيقاد الشمع والقناديل عنده.
وكل ذلك بدع لم يفعلها أحد من السلف الذي يقتدى بهم.
[ ٤٨٩ ]
وتقدم أنَّ إيقاد السرج على القبور من الكبائر التي لعن فاعلها. وكذلك بناء المساجد على القبور.
ومنها: نقل الميت من بلد إلى بلد:
وذلك بدعة محرمة يجب إنكارها.
وممن نص على تحريمه القاضي حسين وأبو الفرج الدارميّ وصاحب التتمة وغيرهم.
قال الرافعيّ: وهو أصح.
قال القاضي وصاحب التتمة: ولو أوصى به لم تنفذ وصيته، انتهى.
وقيل بل نقله مكروه إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس يستحب نقله إليها.
نص عليه الشافعيّ.
وعلى هذا إنما يباح قبل الدفن بشرط أن يؤمن انفجاره وتغيره.
فإن كان قد دفن حرم نبشه إلى مكة وغيرها، والله أعلم.
ومنها: ما أحدثه بعضهم من التزام صحبة القبر وهو تبكيرهم إلى قبر الميت الذي دفنوه بالأمس، ومن غاب عنها وجدوا عليه وعتبوه لأنه ترك فرضًا لازمًا أو فعلًا واجبًا.
وهذا بدعة، لأن زيارة الرجال القبور مستحبة بشرطها، ولا يختص بها وقت دون وقت ومن تركها لا يلام، والله أعلم.
ومنها: ما يفعله أهل الميت من الأطعمة وغيرها ودعوة الناس إليها وقراءة الختمات.
ومن لم يفعل ذلك كان كأنه قد ترك أمرًا واجبًا.
وهذا إن كان من مال من يجوز تبرعه من الورثة. فهو بدعة مكروهة لم ترد عن السلف الصالح.
[ ٤٩٠ ]
وإن كان من التركة التي فيها يتيم أو غائب ولم يوص الميت بذلك حرم الأكل منها وحضورها ووجب إنكارها ومنعها.
وكذلك قراءتهم بالألحان والتمطيط المحرم يحرم حضورها إلا لقادر على الإنكار.
وهذه بدعة قد صارت عند الجاهلين سنة، حتى أنهم ليقولون ما أبخله ما أشحه ما رضي يقرأ للميت/ ختمة ولا يتصدق عنه شيء ولا يلتفتون إلى أن ٢٦٢ الصدقة هل تجوز من مال اليتيم والغائب أو لا.
وكل هذا لغلبة الجهل وعدم المنكرين واستيلاء البدع والأهواء بتزيين اللعين ذلك.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ومنها: زيارة النساء القبور.
وقد تقدم ذكرها من الكبائر.
وللشافعية في جوازها ثلاثة وجوه.
ومنها: رش القبر أو الميت حال إضجاعه في القبر بما الورد:
وذلك بدعة مكروهة.
قال ابن الملقن في شرح المنهاج لأنه إضاعة مال، قال ولو قيل بالتحريم لم يبعد، انتهى.
ويندب أن يرش القبر بماء حفظًا للتراب وتفاؤلًا بتبريد المضجع.
وقد نقل فعله عن النبي ﷺ والصحابة ﵃.
ومنها: ما ابتدعه النساء الجاهلات:
وهو أنهن يبتن في الموضع الذي غسل فيه الميت كوز ماء ورغيفًا ويوقدون فيه شمعة أو سراجًا ويعتقدون أن روح الميت تعود إلى ذلك المكان فتأكل وتشرب وتستضيء.
[ ٤٩١ ]
وهذا اعتقاد فاسد يكذبه الحس وبدعة منكرة نشأت عن قلة عقول النساء وجهلهن بالشرع وإضاعة لما يوقد هناك.
فيجب على الزوج أو من يقوم مقامه أن يمنعهن من ذلك، ويبين لهن أن ذلك بدعة لا تجوز ولم يفعلها أحد من الصحابة والتابعين بل ولا أحد من العقلاء، وإنما هو من خرافات النساء الجاهلات، والله الموفق.
[ ٤٩٢ ]
٧ - فصل
في ذكر بعض ما ابتدع في المواسم والأعياد
فمنها: ما يفعله بعضهم في عيد الأضحى من الذبح ليلة العيد لمقاصد لهم في ذلك مختلفة:
وهذا لا يخلو إما أن يكون قد عينها للأضحية أو لا.
فإن كان قد عينها للأضحية أثم بذلك ولزمه التصدق بلحمها ولا يجوز له أكل شيء منها، ويلزمه ذبح مثلها في يوك النحر بدلًا عنها.
وإن لم يكن عينها ولم ينو التضحية بغيرها في وقتها فقد أساء بارتكابه هذه البدعة وفوات ثواب هذه السنة العظمى عند الشافعيّ.
وأثم بتركه الواجب عند مالك وأبي حنيفة مع القدرة عليه.
ومنها: بيع جلد الأضحية:
وهو حرام.
وقد جاء في الحديث: «من باع جلد أضحية فلا ضحية له».
رواه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح الإسناد.
وكذلك لا يجوز أن يعطى الجزار جلدها ولا شيئًا منها أجرة عمله.
فإن حصل بسببه محاباة بأن كانت أجرته مثلًا خمسة دراهم وأعطاه أربعة وأعطاه معه قطعة لحم ليستحي من طلب الدرهم/ الآخر لم يجز. والله أعلم. ٢٦٣
[ ٤٩٣ ]
ومنها: ما يفعله بعضهم من طبخ الأضحية أو القدر الذي عينه منها للصدقة ويدعو الفقراء إليها ويفرقه عليهم مطبوخًا.
وذلك لا يجوز، لأن حق الفقراء في تملك جزء الصدقة منها نيئًا.
صرح بذلك الروياني وغيره. (٢)
ومنها: ما يفعله بعضهم من التصدق بها جميعًا ولا يأكل منها شيئًا: وذلك خلاف السنة.
بل حكى الماورديّ في «الحاوي» عن أبي الطبيب بن سلمة أنه لا يجوز التصدق بجميعها، بل يجب أكل شيء منها.
ومنها: ما زينه الشيطان لكثير منهم من المثابرة على زيارة أمواته بعد الصلاة.
وإن كان ذلك من باب البر والتفجع على الأقارب والأهل الذين فقدهم وكانوا معه في مثل هذا العيد واعتقاد أن ذلك سنة في هذا اليوم.
وهذا الاعتقاد بدعة وفيه مخالفة للسنة؛ إذ السنة أن يعجل الإنسان الرجوع إلى أهله لينقطع تشوفهم إليه واستشرافهم إلى شهود التضحية والأكل منها واجتماعهم عليها.
فحسن لهم إبليس زيارة القبور ليؤخرهم عن المبادرة إلى السنة ويشوش على أهله وأولاده بتأخره عنهم.
وربما يفعل هذا بعض النساء على ما عهد منهم من التبرج والتزين ولبس الفاخر من الثياب، وإظهار البخور والطيب ونحو ذلك.
وفي هذا من المحرمات ما لا يخفى.
ومنها: ما أحدثه النساء يوم عاشوراء من استعمال الحناء، ويرين أن ذلك سنة:
وليس ذلك بصحيح بل هو بدعة.
والحديث الذي ورد فيه موضوع قاله الحافظ.
[ ٤٩٤ ]
وكذلك يعتقدون أنَّ مَنْ سرح فيه الكتان وغزله وبيضه ثم خيط به كفنه لا يأتيه في القبر منكر ونكير لبركة ذلك الخيط المصنوع في يوم عاشوراء.
وهذا الاعتقاد بدعة عظيمة وافتراء على الله وتحكم في دين الله بالباطل، وكذلك اعتقادهم أن من اشترى فيه البخور وتبخر به أمن من العين والنظرة والسحر ونحو ذلك.
وهذا كله ابتداع باطل واعتقاد فاسد ينبغي التوبة منه والرجوع عنه.
والله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات.
ومنها: ما اصطلحوا عليه من اتخاذ أول خميس من رجب موسمًا:
يتخذون فيه أنواع الحلاوات رياء وسمعة ويجعلون منها الصور المحرمة التي يسمونها التعاليق. وقد تقدم الكلام في التصوير وما ورد فيه من الوعيد الشديد والنهي الأكيد.
وهذه بدعة عظيمة ومكيدة من اللعين شديدة إذ زين لهم ما تنفر بسببه الملائكة عن بيوتهم ويحرمهم بركتهم وتنزلهم بالرحمة؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ولا صورة.
فقل أن تجد بيتًا إلا وفيه صورة أو صور، ولا يترك ذلك إلا من عجز عنه.
وربما تكلف ذو العيال لعياله وأولاده من ذلك ما لا طاقة له به ويعتقد أن ذلك قربة وأنه مثاب بإدخاله السرور على أهله وأولاده لذلك وربما امتنع لعجزه فكان سبب الفتنة/ بينه وبين أهله.
وقال أبو عبد الله ابن الحاج فمن اشتراها منهم فهو معين لهم على تصويرها، ومن أعانهم كان شريكًا لهم فيما توعدوا به.
وكذا من اشترى منهم الحلاوة التي ليست بصورة لأنه فيه إعانة لهم على ما
[ ٤٩٥ ]
ارتكبوه من بيع الصور المحرمة.
ومثل ذلك من وقف ينظر إليها أو تعجبه مع العلم بالتحريم.
وكل ذلك إعانة لهم على فعل ما لا يجوز.
وكثيرًا من يمر بهم فمن يعلم هذه المسألة وهو قادر على التغيير ويسمع كلامه ويرجع إليه، فلا يتكلم على ذلك ولا ينهى عنه، بل يقف بعضهم وينظر إلى ذلك كأنه أعجبه ما رأى.
ومَنْ مَرَّ بها من العدول وله طريق غيرها وهو عالم بالتحريم يختار.
ففي قبول شهادته نظر فعلى هذا لا ينعقد النكاح بشهادة هؤلاء حتى تقع منهم التوبة بشروطها.
ومن أخذ منهم أجرة على الشهادة فهو متلبس بما ذكر قبل توبته أخذ حرامًا ولا عذر له في بكاء ولده وسخط زوجته أو غيرهما.
وبالجملة الحلاوة التي احتوت على الصور المحرمة شرعًا لا يجوز بيعها ولا شراؤها. انتهى كلامه.
وفي بعضه نظر، والله أعلم.
ومنها: ما أحدثوه من صلاتهم في تلك الليلة الصلاة المعروفة بالرغائب:
وهي بدعة، الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق المحدثين.
وقد ذكرها الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه المسمى بالحوادث والبدع، وذكر أول حدوثها ومن أحدثها، فمن أراد ذلك فلينظر في كتابه.
ومنها: ما أحدثوه في تلك الليلة وفي ليال بعدها من وقيد القناديل المصبغة الكثيرة في البيوت بدمشق ونواحيها:
واتخاذ ذلك عادة وسنة لا بد منها، ويعلقون تلك القناديل غالبًا في الطيقان.
ويجلس النساء والأولاد يتفرجون عليها في بيوتهم.
[ ٤٩٦ ]
فيراهم الناس من الطرق ويتفاخرون بذلك ويتكاثرون.
وربما وقع فيه من التكليف لبعض الصعاليك ما لا يخفى.
وكل ذلك بدعة في الدين ومخالفة لسنة سيد المرسلين.
وفيه من المفاسد والإسراف ما لا يخفى على ذي لب حاذق شاهدة.
وليس مرادنا التطويل بذكر تفاصيل ذلك بل يتبين أن هذه الأفعال بدع ومحدثات لا يسوغها الشرع ولا يرضاها العقل.
ومنها: ما أحدثوه ليلة السابع والعشرين من رجب:
وهي ليلة المعراج الذي شرف الله به هذه الأمة فابتدعوا في هذه الليلة وفي ليلة النصف من شعبان وهي الليلة الشريفة العظيمة كثرة وقود القناديل في المسجد الأقصى وفي غيره/ من الجوامع والمساجد واجتماع النساء فيها مع الرجال ٢٦٥ والصغار اجتماعًا يؤدي إلى الفساد وتنجيس المسجد وكثرة اللعب فيه واللغط ودخول النساء إلى الجوامع متزينات متعطرات ويبتن في المسجد بأولادهن، فربما سبق الصغير الحدث، وربما اضطرت المرأة والصبي إلى قضاء الحاجة، فإن خرجا من المسجد لم تجد إلا طرق المسلمين في أبواب المساجد وإن لم يخرجا حرصًا على مكانهما أو حياءً من الناس ربما فعلا ذلك في إناء أو ثوب أو في زاوية من زوايا المسجد.
كل ذلك حرام.
مع أن الداخل في الغلس لصلاة الصبح قل أن يسلم من تلويث ذيله أو نعله بما فعلوه في باب المسجد ويدخل بنعله وما فيه من النجاسة إلى المسجد فينجسه وهو لا يشعر.
إلى غير ذلك من المفاسد المشاهدة المعلومة، وكل ذلك بدع عظيمة في الدين ومحدثات أحدثها إخوان الشياطين مع ما في ذلك من الإسراف في الوقيد والتبذير وإضاعة المال.
وبالجملة: فإن كان ذلك من مال الوقف لم يجز للناظر صرف ذلك ولا
[ ٤٩٧ ]
التمكين منه، بل لو ذكره الواقف وشرطه.
قال أبو عبد الله بن الحاج لم يعتبر ذلك الشرط شرعًا وإن لم يكن من مال الوقف بل تبرع به متبرع كان ذلك إضاعة للمال وتبذيرًا.
وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال.
واعتقاد أن ذلك قربة من أعظم البدع وأقبح السيئات.
بل لو كان في نفسه قربة وأدى إلى هذه المفاسد لكان إثمًا عظيمًا فينبغي للعاجز عن إنكار هذه المنكرات أن لا يحضر الجامع وأن يصلي في بيته تلك الليلة إن لم يجد مسجد سالمًا من هذه البدع لأن الصلاة في الجامع مندوب إليها. وتكثير سواد أهل البدع منهي عنه وترك المنهى عنه واجب، وفعل الواجب متعين.
هذا إن لم يكن مشهورًا بين الناس، فإن كان مشهورًا بينهم بعلم أو زهد وجب عليه أن لا يحضر الجامع ولا يشاهد هذه المنكرات، لأن في حضوره مع عدم الإنكار إيهامًا للعامة بأن هذه الأفعال مباحة أو مندوب إليها.
وإذا فقد من المسجد وتأخر عن عادته في الصلاة جماعة وأنكر ذلك بقلبه لعجزه ربما يسلم من الإثم ولا يغتر به غيره، ويستشعر الناس من عدم حضوره أن هذه الأفعال غير مرضية، لأن حضور من يقتدي به في هذه الليلة هو الشبهة ٢٦٦ العظمى في ظن الجهال والعوام أن ذلك/ مستحسن شرعًا.
ولو اتفق العلماء والصلحاء على إنكار ذلك لزال، بل لو عجزوا عن الإنكار وتركوا الصلاة في الجامع المذكور لظهر للناس أنَّ ذلك بدعة لا يسوغها الشرع ولا يرضاها أهل الدين.
فربما امتنع الناس عن ذلك أو بعضهم فحصل لهم الثواب بفعل ما يقدرون عليه من الإنكار بالقلب والامتناع عن الحضور إن كانوا عاجزين عن التغيير، وإن كانوا قادرين فيسقط عنهم بعض الإثم ويخفف عنهم الوزر والله ولي المتقين.
[ ٤٩٨ ]
ومنها: ما أحدثوه من عمل المولد في شهر ربيع الأول:
قال ابن الحاج ومن جملة ما أحدثوه من البدع، مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات ما يفعلونه من المولد، وقد احتوى ذلك على بدع ومحرمات ثم ذكر منها استعمالهم المغاني بآلات الطرب وحضور المردان والشباب ورؤية النساء لهم وما في ذلك من المفاسد.
ثم قال: فإن خلا المولد من السماع وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدم ذكره فهو بدعة بنفس نيته: إذ أن ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضيين وإتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد نيته مخالفة لما كانوا عليه.
قلت: وليته يسلم من المناظرة والمفاخرة والرياء والتكلف، ومهما علم بقرائن الأحوال أن الباعث على ذلك ما ذكرناه كره أكل ذلك الطعام.
لأن النبي ﷺ نهى عن أكل طعام المتبارزين.
وقد يكون الباعث على ذلك التعرف بالكبار الذين يدعونهم من القضاة والأمراء والمشايخ ونحوهم.
وقد يكون الباعث لبعض المشايخ طلب التوسعة على نفسه بما يفضل عن حاجته مما يحمل الناس إليه بسبب المولد على نوع المساعدة أو الهدية أو الحياء أو المناظرة لأقر أنه من مجيء الشيخ وأتباعه ونحو ذلك.
وقد يكون من أهل الشر وممن يتقي لسانه ويخشى غضبه فيفعل المولد ليحمل إليه ضعفاء القلوب ومَن يخاف منه ما تصل قدرته إليه خوفًا من ذمه وطول لسانه في عرضه وتسببه في أذى يصل إليه ونحو ذلك.
وقد يكون الباعث خلاف ذلك مما لا ينحصر لتنوع المقاصد الفاسدة واختلافها فهو يظهر أن قصده إكرام النبي ﷺ وإظهار الفرح والسرور بمولده والتصدق بما يفعل على الفقراء وباطن قصده خلاف ذلك مما ذكر.
[ ٤٩٩ ]
٢٦٧/ وهذا نوع من النفاق.
ولو كان ذلك الفعل قربة في نفسه لصار بذلك القصد الباطل من أسباب البعد يأثم به فاعله وحاضره والساكت عن إنكاره ما تحقق منه.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
واعلم أن أقبح البدع وأشنعها موافقة المسلمين للنصارى في أعيادهم بالتشبه بهم في مأكلهم وأفعالهم والهدية إليهم وقبول ما يهدونه من مأكلهم في أعيادهم.
وقد عانى هذه البدعة أهل بلاد مصر، وفي ذلك من الوهن في الدين وتكثير سواد النصارى والتشبه بهم ما لا يخفى.
وقد قال ﷺ: «من كثر سواد قوم فهو منهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم».
وقد تكون المهاداة في الأعياد سببًا للتأليف بينهم وبين ما يهدون إليه من المسلمين وتربيته للمودة والمحبة.
وقد قال الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
مع ما في موافقتهم من الإيهام الشديد في تعظيم أعيادهم وتغبيطهم بدينهم .. وبما شرعوه.
وقد منعهم الشرع من إظهار أعيادهم وألزمهم بإخفائها وندب العلماء إلى الإنكار عليهم في إظهارها.
فلم يكتف المسلمون بسكوتهم عن الإنكار ومداهنتهم فيه حتى زادوا على ذلك بقبول هداياهم، بل الهدية إليهم فيما اعتادوا أكله في أعيادهم، بل بالغوا في المداهنة حتى تشبهوا بهم في مآكلهم وأفعالهم، ولم يتناهوا فيما بينهم عن التشبه بهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال ابن الحاج، وكره ابن القاسم للمسلم أن يهدي للنصرانيّ في عبده مكافأة له،
[ ٥٠٠ ]
ورآه من تعظيم عبده وعونًا له على مصلحة كفره.
ألا ترى أنه لا يحل للمسلمين أن يبيعوا من النصارى شيئًا لمصلحة عيدهم لا لحمًا ولا إدامًا ولا ثوابًا ولا يعارون دابة ولا يعاونون على شيء من عيدهم، لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم.
وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك.
وهو قول مالك وغيره لم أعلمه أختلف في ذلك، انتهى.
وأفعالهم القبيحة في ذلك معلومة مشاهدة لا تخفى كاهتمام المسلمين في النيروز بأكل الهريسة والزلابية وغيرها من مآكلهم في النيروز.
وبل بعضهم بعضًا بالماء وإلقائه في الماء وخروجهم إلى البساتين ورمي بعضهم بعضًا في بركة أو غيرها/ وفي البحر وغيره. ٢٦٨
ومع ما يتعدى ضرر ذلك إلى الغرباء والمساكين من الرجال والنساء وأذاهم كمّا هو معلوم عند من رآه.
وكذلك اهتمام النساء في خميس العدس باستعمال البخور لهن ولمن شابه عقله عقلهن من الرجال يتبخرون به ويتحنطون سبع مرات ثم يتفلون عليه ويزعمون أن ذلك يدفع عنهم العين والكسل والوعك من الجسد وكذلك يصبغون فيه البيض للصغار بل وللكبار وطاوعهم الرجال الجهال على ذلك، والعالمون بقبحه أيضًا استخفافًا بالدين واستهوانًا بالبدعة وإعراضًا عما ينبغي عليهم من الإنكار، حتى إنك قل أن تجد سوقًا أو مكانًا إلا وفيه من بيع البيض المصبوغ، أو من يقامر به أو من يشتري ما يقامر به من غير نكير ولا ناهٍ ولا متصدي لتمعير وجهه في الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكذلك ما يفعلون في سبت الظلام الذي يسمونه سبت النور. من جمعهم الأوراق من جميع الأشجار وتبيتها في الماء ليلة السبت واغتسالهم بذلك الماء يوم السبت ويزعمون أن ذلك يذهب عنهم الأمراض والأسقام ويدفع عنهم السحر والعين إلى غير ذلك.
[ ٥٠١ ]
وكذلك يزعمون أنه مَنْ اكتحل فيه بالشب والكحل يكتسب نورًا زائدًا في بصره.
وكذلك يشترون فيه الشبث ويزعمون أنه للبركة.
وكذلك يزعمون أن شرب الدواء فيه له تأثيره لا يوجد في غيره.
ويزعمون أن من كان به جرب أو حكة ودهن فيه بالكبريت وقعد في الشمس عريًا أو غير مستور شفي مما به، فترى النساء يفعلن ذلك ويجلسن في الشمس من غير مئزر ولا سراويل والرجال يرون كثيرًا منهن في البر والبحر.
وكذلك طبخهن طعام اللبن وأكله في الحمام يوم السبت وطلي الجسد به إلى غير ذلك مما يفعل فيه.
وكل هذه بدع مستهجنة وعوائد مستقبحة وحوادث لا يرضاها الله ورسوله ولا أحد عنده غيرة على دينه.
وفيها من تعظيم مواسم أهل الكتاب وتغبيطهم بدينهم الباطل والتشبه بهم في أفعالهم القبيحة شرعًا وعرفًا ما لا يحتاج في تقبيحه إلى دليل ولا يتوقف فيه إلا من ضلَّ عن سواء السبيل.
وهو من أفحش البدع وأقبح المناكير. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣، الزمر: ٢٣].
وكذلك م يفعلونه من التشبه بهم في مواسم الغطاس وهو اليوم الذي تزعم ٢٦٩ النصارى أن مريم اغتسلت فيه/ من النفاس فتغتسل فيه النصارى تلك الليلة كبيرهم وصغيرهم واتخذوا ذلك سنة في دينهم فوافقهم بعض الجهال من رجال المسلمين ونسائهم في ذلك ويتخذونه موسمًا يوسعون فيه النفقة على أهليهم.
ولعل واحد منهم يقدر على الأضحية التي شرعها الله ورسوله في عيد المسلمين ورغب ﷺ فيها وحضَّ عليها ولا يضحي ولا يخطر بباله، وينفق في
[ ٥٠٢ ]
مثل هذه المواسم المبتدعة أكثر من ثمن الأضحية، وكل ذلك من تزيين اللعين إبليس وتحسين المستقبح شرعًا والصدَّ عما ندب إليه الشرع وحضَّ عليه ليفوتهم بذلك الأجر ويوقعهم في الوزر.
وكل هذه النفقات في سبيل إبليس يأثم بها منفقها وإن كانت على أهله وأولاده، لأن في ذلك تشبهًا بأهل الكتاب.
وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم وقال: «من تشبه بقوم فهو منهم».
فالواجب على كل قادر أن ينكر على أهل الذمة التظاهر بأعيادهم ومواسمهم ويمنعهم من إظهارها، ويمنع من أراد من المسلمين التشبه بهم في شيء من أفعالهم ومآكلهم وملابسهم ومخالطتهم فيها.
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]. وهو على كل شيء قدير.
وقد أحدث النساء من البدع ما لا يحصى كثرةً ولا يحصر عددًا.
فمن ذلك أن بعضهن إذا حاضت في رمضان لا تفطر وذلك محرم عليها بلا خلاف سواء قضت ذلك أو لم تقضه.
ومنهن من تفطر إذا جاءها الحيض ثلاثة أيام ثم تصوم وذلك حرام عليها حتى ترى البياض الخالص.
ومنهن من تزعم أن الدم المانع من وطء الزوج إنما هو الثلاثة الأيام الأول حسب لا غير.
وليس الأمر كذلك لأن الجماع حرام عليه وعليها ما لم ترى البياض الخالص.
وحتى تغتسل عند الشافعيّ ومن وافقه.
ومنها: ما يفعله كثير من النسوة من تأخير الغسل من الجماع ومن الحيض إذا طهرت بالليل حتى تطلع الشمس ثم تغتسل وتقضي الصبح:
[ ٥٠٣ ]
وهذا حرام بالإجماع.
والواجب عليها أن تبادر بالغسل وتصلي قبل طلوع الشمس إذ الصلاة لا يجوز إخراجها عن وقتها عمدًا بالإجماع.
وقد تقدم أن ذلك من الكبائر.
وإذا علم الزوج وسكت عن إنكاره فهو شريكها في الإثم إن كانت عالمة بالتحريم، وإن كانت جاهلة فعليه إثم جهلها كما سيأتي وإثم معصيتها. والله أعلم.
وكذلك يفعلن/ في الحيض إذا طهرت إحداهن وقد بقي من الوقت ما يمكنها أن تغتسل فيه وتصلي فتتهاون حتى يخرج الوقت.
وذلك أيضًا حرام.
بل الواجب عليها المبادرة لإدراك الوقت.
ويجب على الزوج إنكار ذلك عليها وتعريفها وجوبه فإن لم يفعل كان شريكها في الإثم.
ثم إن أكثرهن لا تقضي تلك الصلاة وقضاؤها واجب لا بد منه إذا أدركت من الوقت قدرًا يسع تكبيرة على الأظهر.
والأظهر وجوب الظهر بإدراك تكبيرة آخر وقت العصر والمغرب بآخر العشاء.
[ومنها: أن أكثرهن إذا حاضت بعد دخول وقت العصر والمغرب بآخر العشاء].
ومنها: إن أكثرهن إذا حاضت بعد دخول وقت صلاة لا تقضي تلك الصلاة إذا طهرت.
وهذه المسألة يجب الاعتناء بها وبيانها للناس لأنه لا يعلمها من الرجال إلا الآحاد فضلًا عن النساء لأن المرأة إذا حاضت بعد دخول الوقت ومضى قدر يسع تلك الصلاة وجب عليها القضاء إذا طهرت.
[ ٥٠٤ ]
والمعتبر أخف ما يجزى من الصلاة حتى لو طولت صلاتها فحاضت وقد مضى من الوقت ما يسعها لو خففتها وجب القضاء.
ومنها: ما يفعله بعض النسوة من ابتلاع لباب الخبز بالماء عند النوم بعد الشبع لأجل السمن:
وهذه بدعة شنيعة والأكل بعد الشبع حرام عند جماعة من العلماء مكروهة كراهة شديدة عند الآخرين.
وقد قال ﷺ: «أصل كل داء البردة».
يعني التخمة.
ولا فرق بين أن يكون ذلك برضا زوجها أو بغير رضاه.
فإن ذلك لا يجوز، بل يجب على الزوج أن يمنعها من ذلك، فإن سكت عن الإنكار كان شريكها في الإثم.
وقد يبلغ بها السمن إلى أن يصل إلى قلبها فيطفئها فتموت أو يشوش على دماغها فيذهب عقلها أو يصل إلى عينها فتعمى، وتكون هي السبب في جميع ذلك.
[ ٥٠٥ ]
بل كثير منهن تسمن حتى تعجز عن الصلاة قائمة وعن كثير من الطاعات وتقصر يدها عن الاستنجاء حتى تحتاج إلى من يفعل بها ذلك.
وكل هذه الأحوال إذا تعاطت المرأة أسبابها كانت آثمة بها غير مأجورة على ما نالها من الألم بسببها.
ومنها: أكلهن للطَّفْل والطين:
وذلك حرام على المشهور من مذهب مالك والأصح من مذهب الشافعيّ.
٢٧١ وفيه من الضرر ما هو/ مذكور عند الأطباء كتصفير الوجه ونفخ البطن وغير ذلك.
فيجب على الزوج والولي وكل من اطلع على ذلك أن يمنع المرأة من أكله، ولا يجوز للبائع أن يبيعه لمن يعلم أنها تأكله. والله أعلم.
وفي فتاوى القاضي حسين إذا أكثر أكل التراب والطين حتى أضرَّ به وأصفر لونه يعصي الله تعالى وترد شهادته.
ومنها: وصل الشعر والوشم والنمص وتفليج الأسنان:
وكل ذلك من الكبائر وتقدم.
ومنها: النقش والخضاب بالسواد:
وهو حرام بالإجماع لما يلزم منه تفويت الصلاة عادةً وتلطيخ العضو بالنشادر وهو نجس.
وفي صحة الصلاة بعد غسله منه خلاف.
فيجب على الزوج والولي منع المرأة من ذلك فإن سكت مع قدرته فهو شريك فيما يترتب على ذلك من المأثم.
وأما الخضاب بالسواد من غير تلطيخ العضو بالنشادر ولا تفويت صلاة وهو نادر. فيجوز بإذن الزوج على المذهب.
وإن لم تكن ذات زوج أو سيد، أو فعلته بغير إذنهما فحرام.
[ ٥٠٦ ]
وكذلك تحمير الوجه إن كان بإذنهما جاز.
وإن كان بغير إذنهما فحرام.
وكانت خلية عنهما حرم ووجب إنكار ذلك على كل قادر، والله أعلم.
ومنها: ما أحدثته من لبس القمصان الواسعة الطويلة جدًا حتى أنَّ بعضهن تخيط القميص من أربعين ذراعًا وطوله سبعة أذرع:
وهذا كله حرام عليها وعلى مَنْ أعانها على ذلك من زوج أو ولي، لما فيه من الإسراف والخيلاء والتكبر على الضعفاء.
وقد يعجز الزوج عن ذلك فيكون سببًا للفراق أو لفساد دينها إلى غير ذلك المفاسد التي لا تخفى.
وأما إذا كان رقيقًا يصف البشرة وهو الغالب كالشاش اليمنيّ والبندقيّ والشعر ونحو ذلك فهو حرام في حرام، لأن لبس ذلك حرام.
وإن كان على الهيئة التي أباحها الشرع لكونه يجلو البشرة، فإن لبست فوقه ما يستر كالقبا ونحوه جاز.
وإن لم تلبس فوقه شيئًا وكان يجلو شيئًا من عورتها حرم.
وإن كانت وحدها في بيتها، لأن كشف العورة في الخلوة من غير ضرورة حرام، والله أعلم.
ومنها: أن كثيرًا منهن إذا سافر من بيتها أحد تترك كنس المبيت يومين أو ثلاثة تشاؤمًا بأنها إذا كنست البيت عقب سفره كانت كأنها كنست أثره من بيتها فلا يعود/ إليه.
وهذا اعتقاد فاسد وإحداث في الدين وبدعة.
فينبغي لمن رأى شيئًا من ذلك في بيته أو عند أحد من أهله أو غيرهم أن ينهاهم عنه ويعرفهم أن هذا بدعة في الدين، وأنه نوع من التطير المنهي عنه، وأنَّ الطريق المستقيم في إتباع سيد المرسلين ﷺ.
[ ٥٠٧ ]
ومنها: أنَّ المرأة إذا أوقدت السراج تسلم على الحاضرين:
وهذا السلام بدعة، ليس له محل ولا شرعه الله ولا رسوله.
لأن السلام المشروع إنما هو إذا غاب الإنسان عن صاحبه ولو غيبة يسيرة ثم لقيه فإن ذاك يشرع له السلام.
وأما أنه يكون جالسًا مع رفيقه فيوقد السراج أو الشمعة فيسلم فليس من الدين في شيء.
ومنها: أن بعضهن إذا كنست البيت بعد المغرب تحرق طرف المكنسة
ويعتقدون أن الكنس بالليل تفاؤلًا بكنس أهل البيت منه.
وأنها إذا أحرقت رأس المكنسة دفع ذلك ووقعت المصيبة في المكنسة.
وهذا بدعة واعتقاد فاسد ينبغي إنكاره وبيانه.
ومنها: أن بعضهن لا تُخْرج من بيتها بعد المغرب نارًا ولا قدرًا ولا منخلًا ولا خميرة ولا شيئًا من الماعون:
ويعتقدون أن المرأة إذا فعلت ذلك خرج زوجها من البيت إما بموت أو غيره.
وهذا اعتقاد فاسد وبدعة شنيعة محرمة ومكيدة من إبليس أوقعهن فيها. لأن منع الماعون لا يجوز، ولا يستعير الإنسان في هذا الوقت شيئًا إلا لشدة ضرورة فزين لهن منع الماعون في وقت شدة الاحتياج إليه ليوقعهن في الإثم ويمنعهن الثواب.
ومنها: أنهن لا يدخلون الصابون ولا الأشنان: يوم السبت إلى السبت:
ويعتقدون أن ذلك فرقة بين أهل البيت.
وهذا اعتقاد فاسد ليس له أصل وتطير لا يجوز.
ولهن من هذه الخرافات والبدع المستقبحات أشياء كثيرة يستقبح العاقل ذكرها فضلًا عن فعلها مع أنها لا تنحصر أبدًا ولا يمكن استيفاؤها، ولو تتبعنا ذلك لطال هذا المختصر وملَّه السامع والقارئ، والله ولي التوفيق.
[ ٥٠٨ ]
٨ - فصل
في جملة من المنكرات من أنواع مختلفة
فمنها: ما عمت به البلوى في الدين من الكذب الجاري على ألسن كثير من المسلمين:
وهو ما ابتدعوه من الألقاب/ كمحي الدين، ونور الدين، وعضد الدين، ٢٧٣ وغياث الدين، ومعين الدين، وناصر الدين، ونحوها من الكذب الذي يتكرر على الألسن حال النداء وحال التعريف والحكاية وغير ذلك.
وكل هذه بدعة في الدين ومنكر يخالف الشرع وسيما وأكثر مَنْ يسمي هذا إما فاسق أو ظالم أو جاهل لا يعرف الدين، بل لو كان ذلك حقيقة لكره لما فيه من التزكي، فكيف وهو بعيد من المجاز فضلًا عن الحقيقة.
قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في كتاب «شرح أسماء الله الحسنى»: قد دلَّ الكتاب والسنة على منع تزكية الإنسان نفسه.
ثم قال: قال علماؤنا ويجري هذا المجرى ما قد كثر في الديار المصرية وغيرهما من العراق والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية والثناء كذكي الدين ومحيي الدين وعلم الدين وشبه ذلك انتهى.
وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
فإذا قال محيي الدين أو ناصر الدين ونحو ذلك فلا بد وأن يسأل يوم القيامة هل هو صادق في وصفه أو كاذب.
[ ٥٠٩ ]
ولو كان ذلك جائز لسبق إليه المتقدمون، فلقد كان في الصحابة من نصر الله به الدين حقًا وأعزَّ به الدين يقينًا، وأيَّد الله به الدين بشهادة الله ورسوله، وما لقبوا بهذه الألقاب ولا عدل بهم عن الأسماء والكنى.
فكيف يلقب بهذا مَن هو متصف بأضداد ذلك.
وقد حكى ابن الحاج عن النووي –﵀- أنه كان يكره أن يلقب بمحيي الدين كراهة شديدة.
قال: وقد وقع في بعض الكتب المنسوبة إليه أنه قال: إني لا أجعل أحدًا في حلٍ ممن يسميني بمحيي الدين.
قال: وقد رأيت بعض الفضلاء من الشافعية من أهل الخير والصلاح يقول: إذا حكى شيئًا عن النووي قال: قال يحي النووي، فسألته عن ذلك فقال: إنا نكره أن نسميه باسم كان يكرهه في حياته، انتهى.
وكذلك ما ابتدعوه من تسمية البنت: ست الناس، وست العلماء، وست النساء، وست القضاة، وست الفقهاء، وست الكل، وما أشبه ذلك.
وهذه أيضًا بدع قبيحة شنيعة، إذ يدخل تحت عموم ذلك اللفظ الأنبياء والعلماء والصالحون.
وإن كان المسمى بذلك لا يعتقد دخول مَن ذكر فهو كذب محض من غير ضرورة، والكذب حرام مع ما في ذلك من الكبر والتفاخر والتزكية وغير ذلك.
وفي الصحيحين أن زينب كان اسمها برة فقيل: تزكي نفسها فسماها رسول الله ﷺ زينب.
وقد غيَّر/ النبي ﷺ هذا الاسم مع صدقه في حقها لكراهة التزكية، فكيف بمن هو كذب صريح في حقها؟ اللهم تب علينا من البدع واعصمنا منها يا أرحم الراحمين.
[ ٥١٠ ]
ومنها: الأذان في البحر إذا حلو القلع مسافرين في غير وقت الأذان:
وهذه بدعة في الدين.
ولقد شاهدت منهم مَن أذن يوم غيم قبيل الغروب في المركب، وكان رمضان وغلب على ظني أن كثيرًا ممن كان في البيوت ممن يسمع أذانه أفطر، ظنًا منه أنه أذان المغرب، وربما يقع هذا كثيرًا في الأوقات المقاربة لأوقات الصلاة، فينبغي إنكار ذلك والمنع منه، إذ لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد ممن يقتدى به.
واعتقاد أنه أمان من الغرق اعتقاد فاسد ليس له أصل، وإنما الأصل الذي يستند إليه هو الأذان في الوقت لأنه جاء في الحديث أنه أمان من عذاب الله.
فروى الطبرانيّ عن أنس مرفوعًا «إذا أذن في قرية أمنها الله ﷿ من عذابه ذلك اليوم».
وفي لفظ له «أيما قوم نودي فيهم بالأذان صباحًا إلا كانوا في أمان حتى يمسوا، وأيما قوم نودي فيهم بالأذان مساءً إلا كانوا في أمان حتى يصبحوا».
مع أن هذا إنما هو في الأذان للصلاة.
وأما أنهم يؤذنون ولا يصلون كما هو الغالب فهؤلاء أحق بعذاب الله تعالى لا بأمانه.
وأما الآذان في غير الوقت فبدعة لا أصل له.
[ ٥١١ ]
وقد روى ابن السني والطبرانيّ وغيرهما عن الحسين بن علي ﵄ عن النبي ﷺ:
«أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة أن يقولوا: باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى ﴿يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].
ومنها: ما يفعله كثير من الصيادين بدمياط والبرلس وغيرهما من الصيد بالخيال:
وهو حرام لما اشتمل عليه من تعذيب الطير عمدًا والتمثيل به فإنهم يأخذون الطائر فيسدون أذنه ويخيطون عينيه ويدعونه من غير أكل إلى اليوم الثاني، فإذا صادوا غيره ذبحوا الأول وفعلوا بالثاني كذلك ليصطادوا عليه، وإن لم يصيدوا غيره تركوه إلى أن يموت جوعًا.
وهذا منكر يجب إنكاره على كل قادر والمنع منه بما تصل إليه القدرة وفي هذا الفعل من المثلة بالحيوان وعدم الشفقة عليه ما لا يخفى وقد قال ﷺ: / «من لا يرحم لا يرحم».
وروى الطبرانيّ بإسناد جيد عن جرير –﵁- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء».
وروى أبو داود والترمذيّ وحسنه عن أبي هريرة ﵁ قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي».
[ ٥١٢ ]
وقال رجل لرسول الله ﷺ: إني لا أرحم الشاة أن أذبحها، فقال إن رحمته رحمك الله».
رواه الحاكم وصحح إسناده.
وروى النسائي والحاكم وصحح إسناده عن ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: ما من إنسان يقتل عصفورًا بغير حقه إلا سأله الله عنه يوم القيامة، قيل يا رسول الله وما حقه؟ قال: حقه، أن يذبحه فيأكله ولا يقطع رأسه فيرمي به.
وقال ﷺ: «من قتل عصفورًا عبسًا عجَّ إليه يوم القيامة يقول يا رب إن فلانًا قتلني عبسًا ولم يقتلني منفعة».
رواه النسائيّ وابن حبان في صحيحه.
وقد لعن رسول الله ﷺ من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا.
وقد تقدم أنه من الكبائر، فلا يبعد أن يقاس عليه فعل هؤلاء إذ كل منهما تعذيب حيوان بغير عذر شرعيّ.
وقد أمر النبي ﷺ بحد الشفار وأن توارى عن البهائم.
وقال: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته.
[ ٥١٣ ]
وإذا تأملت فعل هؤلاء وجدتهم من أقسى الخلق قلوبًا وأكثرهم ذنوبًا.
ولو كان هذا الفعل في نفسه صغيرًا لصار بالإصرار والملازمة كبيرة يفسق بها الفاعل على كل تقدير كما تقدم في حبس الهرة وأنه من الكبائر.
ويجب على كل منهما أن يتوب من هذا الفعل ويرجع إلى الله تعالى وإلا فلا يأمن أن يجعل الله له عقوبته في الدنيا قبل الآخرة جزاء لتعذيب خلقه الضعيف وعدم شفقته عليه.
وكذلك ما يفعله كلهم إلا النادر منهم وهو أنهم إذا اصطادوا طائرًا بالشبكة وغيرهم طووا أجنحته ولووا رجليه ليًا يسمونه الشرملة بحيث يكسرها فلا يقدر بعد ذلك على الحركة ويتم الطائر على هذا الحال وفي هذا العذاب إلى أن يتفرغ الصياد لذبحه.
وكثير من جهلة الفقهاء وغيرهم يذهبون إليهم قصدًا ليتفرجوا على صيد الطير ويرون الصيادين يفعلون هذه المعصية المحرمة والبدعة المنكرة فلا ينكرون عليهم والواجب على من رأى شيئًا من ذلك أن ينكره ويمنعهم منه ويأمرهم أنهم كلما أخذوا واحدًا ذبحوا من غير تعذيب، وإلا لهو شريكهم في الإثم، فإن علم أنهم لا يرجعون إليه حرم عليه أن يحضر عندهم أو ينظر إليهم.
٢٧٦ / ومنهم من يشرمله ويتركه اليومين والثلاثة من غير ذبح؛ لأنهم إذا ذبحوا ذلك وتركوه ربما تغير ونتن فيتركونه ليرمي ما في جوفه وتنظف مصرانه ثم يذبحونه فيبقى معهم أيامًا من غير تغير لخول مصرانه من المرعى وهذا أشد تحريمًا من الأول لما فيه من زيادة التعذيب، إذ يتركونه اليومين والثلاثة في هذا العذاب من غير أكل. ولا بد أن الحكم العادل يجازيهم يوم القيامة ويقتص منهم ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
[ ٥١٤ ]
ومنها: إذا نزلوا في الماء للصيد نزلوا عراة غير مستورين ينظر بعضهم إلى عورة بعض كما يفعل النواتية في بحر النيل.
وهؤلاء هم الأرذلون الذين تجردوا عن النخوة وباينوا المروءة وحرموا التوفيق وارتكبوا الفسق بما أصروا عليه من المعصية في كشف العورات التي حرم الله عليهم كشفها والنظر إليها.
وهذا منكر محرم وبدعة شنيعة ومعصية بالإصرار كبيرة يجب منعها وإنكارها على كل قادر، وإلزامهم بالتستر حتى ولو كان الصياد وحده لما تقدم أن كشف العورة في الخلوة من غير ضرورة حرام، وما لهؤلاء عذر في كشف عوراتهم وهتك أستارهم والتجاهر بهذه المعصية والإصرار عليها، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
ففعل هؤلاء وأشباههم محرم، والتفرج عليهم أيضًا محرم. سيما إن كان المتفرج ممن ينسب إلى علم أو صلاح ولم ينكر عليهم فإن الحرج يكون في حقه أكثر والإثم عليه أكبر فهو شريكهم في هذه المعصية.
فإن عاود ذلك خرج عن دائرة العدالة وصار من الفاسقين، والله الموفق لا رب غيره.
ومنها: تقبيل الخبز:
وهو بدعة لا تجوز.
وقد أفتى جماعة أنه يجوز دوسه ولا يجوز بوسه؛ لأن دوسه خلاف الأولى وربما كرهه بعضهم، وأما بوسه فهو بدعة، وارتكاب البدع لا يجوز.
وانظر إلى قول عمر –﵁- في الحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك».رواه البخاريّ.
[ ٥١٥ ]
هذا وهو الحجر الأسود الذي هو من ياقوت الجنة وهو يمين الله في الأرض يصافح به خلقه.
كذا روى ابن خزيمة في صحيحه.
٢٧٧ فكيف يجوز تقبيل الخبز، لكن يستحب إكرامه/ ورفعه من تحت الأقدام من غير تقبيل.
وقد ورد في إكرام الخبز أحاديث لا أعلم فيها شيئًا صحيحًا ولا حسنًا، والله أعلم.
ومنها: ما يفعله العامة إذا نزلت الشمس برج الحمل من قطع النبات المسمى بالكركبش وإدخاره عندهم ليمنع عنهم فقر تلك السنة:
وهذه بدعة واعتقاد فاسد يجب التوبة منه، وفيه تشبه بالنصارى، وقد نهينا عن التشبه بهم مع أنه يشتمل على محرمات عديدة لا نطول بذكرها لأنها لا تخفى عمن شاهدها من أهل العلم، فيجب على كل قادر إنكارها والمنع منها، فإن عجز فيجب عليه أن لا يخرج إلى الأمكنة التي يجتمعون فيها لهذه البدعة.
ومنها: ما ابتدعه كثير من المتعبدين والمتفقهين وهو الوسواس في الطهارة:
وقد سماها النبي ﷺ اعتداء.
قال ﷺ: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهارة والدعاء».
رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.
فمنهم من ينتظر الحوض في الحمام حتى يفيض ثم يغتسل منه وحده ولا يمكن أحدًا من استعماله حتى يفرغ.
وهذا مبتدع مخالف للسنة.
[ ٥١٦ ]
قال الشيخ شمس الدين ابن القيم: قال شيخنا: ويستحق التعزيز البليغ الذي يزجره وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبد الله بالبدع، انتهى.
وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يغتسل هو وعائشة من قصعة بينهما فيها أثر العجين.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كان الرجال والنساء على عهد رسول الله ﷺ يتوضئون من إناء واحد.
مع أن آنيتهم لم تكن قدر حوض الحمام ولا قريبًا منه.
بل صح أن الإناء الذي كان النبي ﷺ يغتسل منه هو وأهله قدر الفرق، وهو قريب من خمسة أرطال بالدمشقي.
ولم تكن لآنيتهم مادة تمدها كأنبوب الحمام ونحوه.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفيه وبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر، ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه.
ذكر الخطابي: أن الحلاب: هو إناء يسع قدر حلبة ناقة.
وفيهما أن عائشة ﵂ لما سألت عن غسل رسول الله ﷺ من
[ ٥١٧ ]
الجنابة فدعت بإناء قدر صاع فاغتسلت» الحديث.
ومنهم من يتوضأ مرات ويغتسل مرات.
وهذا أيضًا مبتدع مكروه، على الصحيح، وقيل حرام.
وإليه ذهب جماعات من العلماء، واستدلوا فيه بأن النبي ﷺ توضأ ثلاثًا وقال: «من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم».
٢٧٨ / وهو دليل ظاهر.
وحكى أبو الفرج ابن الجوزى –﵀- عن أبي الوفاء بن عقيل أن رجلًا قال له أنغمس في الماء مرارًا كثيرة وأشكُّ هل صح لي الغسل أم لا فما ترى في ذلك؟
فقال له الشيخ: إذهب فقد سقطت عنك الصلاة.
قال: وكيف؟
قال: لأن النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة، المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ».
ومن ينغمس في الماء مرارًا ويشك هل أصاب الماء أم لا فهو مجنون.
قلت: ومحل الخلاف في الكراهية والتحريم إنما هو إذا فعل ذلك بما يملكه أو في نهره ونحوه.
وأما إذا فعل ذلك في ماء الحمام فإن ذلك حرام قطعًا إذ يخرج وذمته مغمورة بمال الغير لاستعمال ما زاد على حاجته.
وكذلك إذا توضأ من الحياض المسبلة التي يحمل إليها الماء للاستعمال وغيره
[ ٥١٨ ]
فإنه يحرم عليه أن يستعمل منها ما زاد على قدر حاجته.
وكذلك الإسراف في كثرة ماء الغسل والوضوء وإن لم يزد على الثلاث قال الله تعالى: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١، الأعراف: ٣١].
وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: لا تسرف.
فقال يا رسول الله أفي الماء إسراف؟
قال: نعم، وإن كنت على نهر جار.
وروى الترمذيّ أن رسول الله ﷺ قال: «للوضوء شيطان يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء».
وقال النخعيّ: إني لأتوضأ من كوز الحب مرتين.
وقال سعيد بن المسيب: إني لأستحي من كوز الحب وأتوضأ وأفضل منه لأهلي.
وفي رواية، إن لي ركوة أو قدحًا ما يسع إلا نصف المد أو نحوه، أبول ثم أتوضأ منه وأفضل منه فضلًا.
قال ابن القيم ﵀: لما ذكر حديث «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور»: إذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
[ ٥١٩ ]
الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩١، المائدة: ٨٧]. وعلمت أن الله يحب عبادته أنتج لك هذا أن وضوء المسوس ليس بعبادة.
ومنها: الوسواس في نية الصلاة:
وهو بدعة لم ترد عن أحد من السلف.
قود قال أبو الفتوح العجليّ: تكره الصلاة خلف الموسوس لأنه يشك في أفعال نفسه، انتهي.
وقال بعض العلماء: يجب على الناظر عزل الإمام الموسوس لأن الوسواس بدعة محرمة، انتهى.
مع أن التلفظ بالنية وغيرها لا يجب، بل لا يسن عند أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم.
بل قد ذهب كثير من العلماء إلى أن ذلك بدعة لأنه لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة والتابعين.
٢٧٩ وقد سئل العلماء عن ذلك في زمن العلامة/ شمس الدين ابن القيم –رحمه الله تعالى- فأجابوا بما ذكرنا وانتهى السؤال إليه، فأطال الجواب، فخرج مخرج التأليف المجرد في ذلك، وهو يتضمن أيضًا ما ذكرناه من أن التلفظ بالنية بدعة مكروهة لم ترد عن أحد ممن يقتدى به من السلف.
وقال في كتابه «إغاثة اللهفان»: وهذه العبارات التي أحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة، قد جعلها الشيطان معتركًا لأهل الوسواس يحبسهم عندها ويعذبهم بها ويوقعهم في طلب تصحيحها فترى أحدهم يكررها ويجهد نفسه في التلفظ بها وليست من الصلاة في شيء، وإنما النية قصد فعل الشيء، فكل عازمٍ على فعل فهو ناويه ولا يتصور انفكاك ذلك عن النية فإنه حقيقتها: فلا يمكن عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضئ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي فقد نوى الصلاة ولا يكاد العاقل يفعل شيئًا من العبادات ولا غيرها بغير نية.
[ ٥٢٠ ]
قلت: هذا الكلام لا شك فيه وإنما دخل عليهم الوسواس من اشتراط مقارنة النية التكبير، والأدلة في اشتراطها عقلية لا نقلية، وإنما استحب المتأخرون التلفظ بالنية لأنه مظنة التذكار والحضور غالبًا، وإلا فالنبي ﷺ وصحابته والتابعون إنما كان يعلم دخولهم في الصلاة بالتكبير حسب لا غير.
قال الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀: ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله ﷺ، ولا واحد من الصحابة واحدة منها، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر فريضة الوقت أداء لله تعالى إمامًا أو مأمومًا أربع ركعات مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه، ويصرخ بالتكبير كأنه يكبر على العدو، فلو مكث أحدهم عمر نوح ﵇ يفتش هل فعل رسول الله ﷺ أو واحد من شيئًا من ذلك لما ظفر به إلا أن يجاهر بالكذب البحت، فلو كان في هذا خير لسبقونا إليه ولدلونا عليه، فإن كان هذا هدي فقد ضلوا عنه، وإن كان الذي كانوا عليه هو الهدي فماذا بعد الحق إلا الضلال.
قال: ومن أضاف الوسواس ما يفسد الصلاة مثل تكرير بعض الكلمة كقوله في التحيات: أت أت التحي التحي، وفي السلام: أس أس/ ونحو ذلك، فهذا ٢٨٠ الظاهر بطلان الصلاة، وربما كان إمامًا فأفسد صلاة المأمومين وصارت الصلاة التي هي أكبر الطاعات أعظم إبعادًا له عن الله تعالى من الكبائر، وما لم يبطل الصلاة من ذلك فمكروه وعدول عن السنة ورغبة عن طريقه ﷺ وهديه وما كان عليه أصحابه، انتهى.
ومنها: أن بعضهم يغسل الصوف والجوخ وغيره مما ينسجه الكفار قبل لبسه ويعتقد أن هذا واجب.
وليس كذلك واعتقاده ذلك بدعة فإن النبي ﷺ كان يلبس الثوب التي ينسجها المشركون ويصلي فيها ولم يسمع عنه أنه غسل منها شيئًا قبل لبسه.
وكان ابن عمر ﵄ يهم بالأمر ويعزم عليه، فإذا قيل له لم يفعله
[ ٥٢١ ]
رسول الله ﷺ انتهى، حتى إنه قال لقد هممت أن أنهي عن لبس هذه الثياب فإنه بلغني أنها تصبغ ببول العجائز، فقال له أبي مالك: إن تنهي عنها فإن رسول الله ﷺ قد لبسها ولبست في زمانه، ولو علم الله تعالى أن لبسها حرام لبينه لرسوله ﷺ فقال ابن عمر: صدقت.
ذكر ذلك ابن القيم –﵀- ثم قال: وعلى قياس ذلك الجوخ، بل أولى بعدم النجاسة من هذه الثياب فتنجسه من باب الوسواس.
ولما قدم عمر بن الخطاب ﵁ الجابية استعار ثوبًا من نصراني فلبسه حتى خاطوا له قميصه وغسلوه وتوضئ من جرة نصرانية، وصلى سليمان وأبو الدرداء في بين نصرانية فقال لها أبو الدرداء: هل في بيتك مكان طاهر نصلي فيه؟
فقالت: طهرا قلوبكما ثم صليا أين أحببتما.
فقال له سلمان: خذها من غير فقيه، انتهى.
ومنها: إيقادهم السرج عند الأشجار والأحجار والعيون والآبار ويقولون: إنها تقبل النذر:
وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة يجب إزالتها ومحو أثرها فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تضر وتنفع وتجلب وتدفع وتشفي المرضى، وترد الغائب إذا نذر لها.
وهذا شرك ومحادة لله ولرسوله ﷺ.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
قال مجاهد وقتادة وابن جريج: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها ويشرحون اللحم عليها ويعظمونها.
[ ٥٢٢ ]
قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما يصور وينقش، وقيل غير ذلك.
وقال الحافظ: أبو محمد بن أبي شامة في كتاب «البدع/ والحوادث» ومن ٢٨١ هذا القسم أيضًا ما قد عم به الابتلاء من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى بها في منامه أحدًا ممن يشهد لهم بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظن عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عين وشجر وحائط وحجر.
وكان بعض أهل العلم ببلاد إفريقية إلى جانبه عين تسمى عين العافية كان الناس قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق.
فمن تعذر عليه نكاح أو ولد قال امضوا بنا إلى عين العافية. قال: فخرج إليها هذا العالم لما خشي الفتنة فهدمها في السحر وأذن للصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا قال: فما رفع لها رأسًا إلى الآن، انتهى.
وقد كان بدمشق كثير من هذا كالعمود المخلق وحجر كان في نهر قلوط عند مقابر النصارى تحت الطاحون على صورة صنم وحجر كان بمسجد «النارنج» وحجر كان عند الرحبة وأشياء غيرها.
فتوجه إليها بعض العلماء في جماعة فكسرها وأذهب أثرها، وذلك في أوائل القرن الثامن، والله يقيم لنصرة دينه وسنة رسوله والذب عنهما من شاء من عباده.
فالواجب على من رأى شيئًا من ذلك أن يذهب أثره ما قدر عليه ويطفئ ما وجد عليه من سرج وشع ونحو ذلك ويبين للناس أن هذا منكر وبدعة واعتقاد فاسد لا يحل وأنه لا ضار ولا نافع إلا الله تعالى وحده.
[ ٥٢٣ ]
ويجب على العلماء إذا اشتهر شيء من ذلك أن يبينوا للناس حكم الله فيه وينكروه بما تصل إليه قدرتهم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ومنها: لبس الثياب الواسعة الطويلة والعمائم الكبار والطيالسة لغير حاجة.
وذلك بدع مكروهة أو محرمة لما فيها من الإسراف وإضاعة المال.
فإن لبست خيلاء وفخرًا ومباهاة وتميزًا على الأقران كانت محرمة قطعًا من غير تردد.
وقد تقدم ذكر ذلك في الكبائر وأن الله لا ينظر إلى صاحبها يوم القيامة ولا يكلمه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
وإذا نظرت إلى سروال أحدهم وسعته وطوله عن الكعبين. وفي سعة كمية وطولهما، وأنه إذا وجدهما ضيقين قيراطًا ونحوه عد ذلك عيبًا في الثوب، وإن ٢٨٢ خاطها الخياط ضيقة كذلك غضب عليه/ وربما امتنع من لبسها.
كذلك تحققت أنه لم يلبسها إلا للفخر والخيلاء.
وقد صار أكثر الناس استعمالًا لها المتلبسون بالعلم حتى صار ذلك شعارًا لهم يتميزون به عن غيرهم، ثم اقتدى بهم فيها طوائف ليس عندهم شيء من العلم كغالب الشهود والكتاب وفقهاء المكاتب وغيرهم فيجيء الجاهل فيسأل أحدهم عن واقعة وقعت له لما يرى عليه من هيئة المتلبسين بالعلم كالشاش الكبير والطيلسان والفرجية بالأكمام الواسعة ونحو ذلك فيعلم هو أنما سأله لما ظن فيه من العلم والمعرفة فيأنف أن يكشف له عن جهله بقول لا أعلم فيفتيه بما حضر له مما يلقيه الشيطان على لسانه، وربما كان ذلك في مسائل الطلاق والنكاح وغيرها، فبضل ويضل، وسببها مخالفة السنة في لبسه، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم –﵀- في كتاب «الهدي»
[ ٥٢٤ ]
وجماعة من العلماء غيرهم أن الطيلسان ليس من السنة.
قال بعد كلام طويل: وفي جواز الطيلسان لغير البرد نظر، لأنه من سيما اليهود الذين يخرجون من أصبهان مع الدجال كما جاء في صحيح مسلم أنه يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفًا عليهم الطيالسة وقد منعنا الشرع عن التشبه باليهود والنصارى. هذا معنى كلامه.
قلت: وإذا فتشت عن حقيقة القصد في لبسها وجدت غالبهم إنما يلبسها للخيلاء والعظمة والرياسة حتى إن كثيرًا منهم يستحي أن يمشي في البلد بغير طيلسان شتاءً وصيفًا، ويرى أن ذلك نقص في رياسته وحط منصبه وأن الناس إذا رأوه بغير طيلسان تذهب عظمته من قلوبهم ويسقط من أعينهم.
وكل هذه أدلة على سوء القصد في لبسه وفساد النية فيه ولو سألت الفقيه منهم عن التطليس للفخر والمباهاة والخيلاء لقال لك: ذلك حرام.
ولو سألته عن طول الثياب عن الكعبين إلى الأرض لقال لك هو حرام وهو متلبس بجميع ذلك، ولكن لا يشعر وربما يشعر وكابر، والسنة أن يلبس الإنسان ما وجد، كما كان النبي ﷺ يفعل، وكذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
وأما البذاذة في اللباس ولبس الأدون فهو سيما الزاهدين وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قبض في كساء ملبد وإزار غليظ.
وكان على موسى ﷺ/ يوم كساء صوف وجبة صوف وكمة ٢٨٣ صوف وسراويل صوف، وكان نعلاه من جلد حمار غير ذكي.
رواه الحاكم وصحح إسناده.
[ ٥٢٥ ]
وخرج النبي ﷺ وعليه مرط مرجل من شعر أسود.
رواه مسلم.
وروى البيهقيّ أن رسول الله ﷺ كان يصلي في مرط نسائه، وكانت أكسية من صوف ما يشترى بالستة والسبعة.
وفي الموطأ عن أنس قال: رأيت عمر –﵁- وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وقد رفع بين كتفيه رقاع ثلاث لبد بعضها على بعض.
وخطب عثمان بن عفان –﵁- على المنبر وعليه إزار عدني غليظ ثمن أربعة دراهم أو خمسة.
رواه الطبرانيّ.
فإن قال قائل هذا لبس الزاهدين ولسنا منهم.
فنقول له: إن لم تكن زاهدًا فكن متبعًا إن كنت مؤمنًا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به».
فإن كنت متبعًا للني ﷺ الذي أوجب الله علينا إتباعه فألبس ما وجدت كما كان النبي ﷺ وعمر يلبس ما وجد، فقد كان يلبس العالي مرة والدون
[ ٥٢٦ ]
مرة والواسع مرة والضيق مرة، والصوف مرة، والشعر مرة ولا يتوقف في شيء.
وروى البيهقيّ عن أبي هريرة –﵁- عن النبي ﷺ قال: «إن اللخ يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس».
فهكذا فكن.
وإن كان علمك لم يهدك إلى هذا القدر فتعوذ بالله من علم لا ينفع.
وقد حكى عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام –رحمه الله تعالى- أنه كان يلبس ما وجد حتى ربما خرج وعلى رأسه كلوثة الجند وحضر الدرس وهي عليه، وربما لبس قباء ونحوه- مع أن هيبته في قلوب الأمراء والسلاطين مشهورة، وسطوته عليهم بالحق معلومة وخضوعهم لكلمته وانقيادهم لأمره لا ينكر.
ولقد سأله سائل وهو في الطريق فقطع نصف عمامته ودفعها له ثم مرّ، وسأله آخر فأعطاه النصف الآخر.
فقال له بعض من معه: خذ عمامتي، فأبى عليه.
فقال له: يا سيدي تمشي هكذا بين الناس مكشوف الرأس؟
فلم يرد عليه جوابًا، ومشى لسبيله وشق الطريق من باب زويلة إلى بين القصرين والناس يتزاحمون عليه ويتبركون به ويستفتونه.
وفي فتاويه المنسوبة إليه أنه سئل فقيل له: هل في لبس هذه الثياب الواسعة الأردان والعمائم المكبرة بأس أو بدعة تستوجب توبيخًا في القيمة والمبالغة في تحسين الخياطة والزيق/ والتضريب يضر بأهل الورع أم لا؟ ٢٨٤
فأجاب وقال: الأولى بالإنسان أن يقتدي برسول الله ﷺ في الاقتصاد في اللباس.
[ ٥٢٧ ]
وإفراط توسيع الأكمام والثياب بدعة وسرف وتضييع للمال.
ولا تجوز الثياب الأعقاب، فما زاد على الأعقاب ففي النار.
ولا بأس بلبس شعار العلماء من أهل الدين ليعرفوا بذلك فيسألوا.
فإني كنت محرمًا فأنكرت على جماعة من المحرمين لا يعرفونني ما أخلوا به من آداب الطواف، فلم يقبلوا.
فلما لبست ثياب الفقهاء وأنكرت على الطائفين ما أخلوا به سمعوا وأطاعوا.
فإذا لبس شعار الفقهاء لمثل هذا الغرض كان فيه أجر لأنه سبب إلى امتثال أمر الله والانتهاء عما نهى الله عنه.
ولا تظن أيها الأخ أن توسعة الأكمام وطول الثياب وكبر الشاشات والطيالسة مع رفعها ونفاستها وسعة السراويل والبندقي وغيره من شعار العلماء من أهل الدين –معاذ الله- بل من شعار العلماء من أهل الدين ما وافق السنة، وإلا فمن خالفها فليس من أهل الدين، بل هو من أهل البدعة والسرف وتضييع المال كما ذكر الشيخ في صدر جوابه.
ولا تغتر بما قال الشيخ –﵀-: «ولا بأس بلبس شعار العلماء» وتغفل عن تقييده بأهل الدين.
فقد اغتر بذلك غيره ولبسوا ما تراه وقالوا: هذا شعار العلماء وقصدنا بذلك توقير العلماء وأهله ونحن مثابون على ذلك.
وتالله إنهم لغالطون، إذ حقيقة أمرهم الفخر والمباهاة والتميز على الأقران. وهم في جميع ذلك مأزورون لا مأجورون، ومعاقبون عليه لا مثابون.
ولو كان قصدهم بهذه الهيئة، من سعة الثياب وكبر العمائم التلبس بشعار العلماء ليتميزوا عن الجهال للبسوا ذلك في مظان السؤال والإفتاء دون غيره، كما فعله الشيخ –﵀- لرجوع العامة إليه.
[ ٥٢٨ ]
بل لو كان قصدهم بذلك وجه الله ﷿ والتلبس بشعار العلماء لم يقصدوا الثياب النفيسة والصوف الرفيع ويأنفوا من لبس القماش الوسط وإن كان على الهيئة المطلوبة من السعة والطول، حتى لو كلفت أحدهم أن يلبس الكتان الخالص مكان المحرر والصوف المربع، وكلفته أن يلبس الشاشات البلدية مكان الشمسية لكان عنده بمنزلة الذبح وإن كان في السعة والطول سواء.
ولو كلفت أحدهم أن يتخذ فرجتين من لون واحد وقماش واحد لأبى إلا أن يغاير بينهما ليعلم أن له ثنيتين.
وما فائدة سعة السراويل ورفعه وطوله مع أن العالم لا يتميز به ولا ينظر السائل ذا السروال فيقصده بالسؤال دون من لا سروال له.
وما فائدة سعة السراويل ورفعه وطوله مع أن العالم لا يتميز به ولا ينظر السائل ذا السروال فيقصده بالسؤال دون من لا سروال له.
وما فائدة الطيلسان ورفعه وجره/ من وراء ظهره وهو مم يقتضي إقدام ٢٨٥ كثير من العوام على صاحبه بالسؤال.
والله ما ذاك كله إلا لما ذكرنا من المقاصد الفاسدة.
مع أن أكثر اليوم من يلبس هذه اللبسة الجهال كغيرهم من أرباب الصنائع، والتميز بهذه الهيئة مفقود.
وفيه ما تقدم من المفسدة العظمى في قصد صاحب هذه الهيئة بالسؤال وإقدامه على الجواب بجهله، إذ صار ذلك شعار الشهود والكتاب والمؤذنين وكثير من التجار وغيرهم من الطلبة الذين ليسوا أهلًا لأن يسألوا، بل صار أهل الذمة من اليهود والنصارى والسامرة يلبسون لبسة المتفقهة لا يتميزون عنهم إلا بألوان عمائمهم حسب لا غير.
فمن كان من أهل العلم فليتبع العلماء ويقتدي بالسلف ويعبدوا الله بالسنة، وإلا فكل عللهم في لبستهم معلومة، وكل أدلتهم فيها مدخولة، والمعصوم من عصمه الله.
[ ٥٢٩ ]
وقد حكي عن الإمام الحافظ –أبي عبد الله القرطبيّ﵀- أنه كان على السنة يلبس ما وجد حتى أنه كان يومًا في بيته يغسل له ثوبه ولم يجد شيئًا يلبسه فلبس ثوب زوجته وجلس يشغل ولده الصغير عن أمه حتى تفرغ من غسلها فخمر العجين، واحتاج إلى الخبز فأخذ الطبق على يده والصغير على ذراعه الآخر وخرج إلى الفرن. وإذا بعجوز قد لقيته فطلبت منه أداء شهادة عند الحاكم فذهب معها في الوقت وهو على تلك الحال- العجين على يده وولده على ذراعه وهو لابس قميص زوجته حتى جاء إلى القاضي وجماعة الشهود عنده فأدى الشهادة فقال له القاضي: ما حملك على أن تأتي على هذه الحالة؟
فقال: غسلت ثوبي ولم أجد شيئًا ألبسه غير قميص الزوجة، وكنت أشغل الولد عن أمه، ثم احتجت إلى الخبز فخرجت فلقيتني هذه المرأة وطلبت مني أداء الشهادة وهي واجبة علي، فخفت أن لا يطول العمر، فبادرت إلى خلاص الذمة وبعدها أدرك قضاء حاجتي.
فرد القاضي إلى العدول فقال: أفيكم من يقدر أن يفعل مثل هذا؟
فقالوا: لا.
فقال: وأين العدالة! !
ومثل هذه الحكاية عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم كثير لا ينحصر.
بل كان الغالب على علمائهم التقشف والبذاذة وليس الدون من الثياب كما قال الإمام العارف أبو طالب المكي: قد كان السلف ثوب أحدهم من سبعة دراهم إلى عشرة دراهم وكانوا لا يجاوزون هذا الثمن إلا نادرًا.
٢٨٦ / قال: ومما أحدثوه من البدع لبس الثياب الكثيرة الأثمان، انتهى.
وإن عجزت أن تجاهد نفسك في لبس الدون منها، فلا بد وأن تجاهدها في ترك الإسراف فيها والوقوف عند القدر المباح من وسعها وطولها.
[ ٥٣٠ ]
وانظر ما قدمناه في الكبائر في لبس الطويل من الثياب وفيمن جره خيلاء يتضح لك ما في هذه الثياب من الوزر وما على صاحبها من الإثم، والله ولي التوفيق لا رب سواه.
[ ٥٣١ ]
٩ - فصل
قال حجة الإسلام أبو حامد الغزاليّ ﵀: إعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليًا في هذا الزمان عن منكر من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد، فكيف بالقرى والبوادي ومنهم الأعراب والأكراد والتركمان وسائر أصناف الخلق.
وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلاد فقيه يعلم الناس دينهم وكذا في كل قرية.
وواجب على كل فقيه فرغ من فرض عينيه وترغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى كل من يجاوره من أهل السواد ومن الأعراب والأكراد وغيرهم ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم، ويستحصب مع نفسه زادًا يأكله ولا يأكل من أطعمتهم فإن أكثرها يكون شبهة فإن قدم بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الآخرين، وإلَّا عمَّ الحرج الكافة أجمعين.
أما العالم فلتقصيره في الخروج، وأما الجاهل فلتقصيره في طلب العلم. وكل عاميّ عرف شروط الصلاة فعليه أن يعرف غيره وإلا فهو شريك في الإثم.
ومعلوم أن الإنسان لا يولد عالمًا بالشرع وإنما يجب التبليغ على أهل العلم وكل من تعلم مسألة واحدة فهو من أهل العلم بها ولعمري الإثم على الفقهاء أشد لأن قدرتهم فيه أظهر وهو إحياء بضاعتهم ببضاعتهم أليق، لأن المتحرفين لو تركوا حرفتهم لبطلت المعايش فهم قد تقلدوا أمرًا لا بد منه في صلاح الخلق.
[ ٥٣٢ ]
وشأن الفقيه وحرفته تبليغ ما بلغه عن رسول الله ﷺ فإن العلماء ورثة الأنبياء، وليس للإنسان منهم أن يقعد في بيته ولا يخرج إلى المسجد لأنه يرى الناس لا يحسنون الصلاة، بل إذا علم ذلك وجب عليه الخروج للتعليم والنهي. وكذلك كل من يتقن أنه في السوق منكرًا يجري على الدوام أو في وقت بعينه وهو قادر على تغييره فلا يجوز له أن يسقط ذلك عن نفسه بالتفرد في البيت، بل يلزمه الخروج.
فإن كان لا يقدر على تغيير البعض/ لزمه الخروج، لأن خروجه إذا كان ٢٨٧ لأجل تغييره ما يقدر عليه فلا يضره مشاهدة ما لا يقدر على تغييره، وإنما يمنع الحضور لمشاهدة المنكر من غير غرض صحيح فحق على كل مسلم أن يبدأ بنفسه فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه ثم إلى أهل محلته ثم إلى أهل بلده، ثم إلى السواد المكتف لبلده، ثم إلى أهل البوادي من الأكراد والعرب وغيرهم، وهكذا إلى أقصى العالم.
فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد وإلا حرّج به كل قادر عليه قريبًا كان أو بعيدًا.
ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه الأرض جاهل بفرض من فروض دينه وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره فيعلمه فرضه.
وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه يشغله عن توجيه الأوقات في التفريعات النادرة والتعمق في دقائق العلوم التي هي من فروض الكفايات، ولا يتقدم على هذا إلا فرض عين أو فرض كفاية هو أهم منه والله أعلم، انتهى.
وعلم أيها الأخ الحريص على خلاص نفسه أن الله تعالى فرض عليك أن تستقيم وأن تتعلم العلم بكيفية الاستقامة في كل حالة أقامك فيها وفرض عليك أن تتعلم ما افترض على أهلك لتعلمهم إياه أو تمكنهم من التعلم حيث لا مانع، فإن لم تفعل كان كل ما فرطوا فيه من الواجبات في عنقك.
[ ٥٣٣ ]
قال الواحديّ –﵀- في تفسيره، قال الحسن: «علموا أولادكم وأهليكم وخدمكم أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله في كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوهم بما جاءوا به».
وقالت العلماء: لا يكون الرجل مؤمنًا حتى يؤمن بسائر الأنبياء السابقين وبجميع الكتب التي أنزلها الله على الرسل.
فيجب على الإنسان أن يعلم صبيانه ونساءه أسماء الأنبياء ﵈ ويأمرهم بالإيمان بجميعهم، إذ لا يبعد أن يظنوا أنهم كلفوا الإيمان بمحمد ﷺ فقط، فيلقنوا قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ..﴾ إلى آخر الآية انتهى.
قلت: فإذا كان تعلم أسماء الأنبياء للنساء والصبيان واجب فما ظنك بأحكام الطهارة والصلاة والحج والصيام ونحو هذا.
وهذا أمر قد أضرب عنه أكثر العلماء في أهليهم وخدمهم فضلًا عن الجهلاء.
فترى العالم لا يلتفت إلى من عنده من العبيد والإماء بأمر واجب ولا نهي ٢٨٨ عن محظور، بل لا يأمر زوجته ولا ينهاها ولا يعترض عليها/ في ترك صلاة ولا زكاة ولا غسل، ولا يعلمها ما أوجب الله عليها من الفرائض.
ولعل العبد والجارية يقيمان في ملكه السنين الكثيرة لا يصليان صلاة ولا يغتسلان من جنابة ولا حيض إلا إن دخلا الحمام تبعًا ويراهما السيد مرتكبين أمورًا من المنكرات فلا ينهاهم ويتغافل عنهم، والجاهل يظن أن إثمهما على أنفسهما دونه.
[ ٥٣٤ ]
وتالله إنه لمؤاخذ بما يصدر منهم ومسئولًا عنه ومطالب به يوم القيامة ومعاقب عليه.
وقد قال النبي ﷺ: «الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، وكلكم راعٍ ومسئول عن رعيته».
رواه البخاري ومسلم.
وقال النبي ﷺ: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيع».
رواه ابن حبان في صحيحه.
فمن علم أن الله سائله يوم القيامة عن رعيته وأهله وخدمه، كيف تقر عينه بإهمالهم وتركهم كالبهائم المرسلة لا يزمهم بزمام الشرع، ولا يقيدهم بقيد السنة، ولا يعلمهم ولا يأمرهم بالتعلم، بل لو اشتغل أحدهم بأداء صلاة وفوته درهمًا أو أخر حاجته قليلًا لاشتغاله بالصلاة وأداء الواجب لقامت قيامته وقابله بما أمكنه وليس هذا من الدين في شيء.
فلينظر كل امرئ لنفسه، فرب هالكٍ بإهماله ذنوب غيره وهو لا يشعر فينبغي للإنسان أن يأمر زوجته وولده وخادمه بأداء الواجبات وترك المحرمات بالرفق، فإن أبوا أغلظ عليهم الكلام، فإن أبوا ضربهم، فإن لم ينتهوا فارق الزوجة وباع الخادم هجر الولد حيث يجوز الهجر، وقد تقدم أن ابن عمر هجر ولدًا له إلى أن مات.
فإذا فعل ذلك فقد خلص نفسه، وقام بما يجب عليه من الإنكار، وخرج من العهدة منهم وبريء من الإثم، والله ولي التوفيق.
وهذا آخر ما يسَّره الله –تعالى- مع ضيق الوقت، وكثرة الاشتغال، وترادف القواطع، وتتابع الموانع، وعدم الكتب التي ينبغي أن تراجع في مثل هذا
[ ٥٣٥ ]
الشأن، فرحم الله امرأ رأى فيه عيبًا فستره، أو زللًا فغفره، أو وهمًا فحلم عن صاحبه وعذره.
وإني أبرأ إلى الله مما زل به البنان، أو أخلَّ به العيان، أو حل به الخطأ وحل فيه النسيان.
٢٨٩ اللهم إليك نمد أكف الفاقة والافتقار، أن تمحو من صحائفنا/ ما سطرته أيد الأوزار، فإنا في كثير مما تقدم واقعون، ولنواهيك بجرائمنا مرتكبون، ونحن إليك تائبون، رب فتقبل توباتنا واغسل صوباتنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتولنا بحفظك ولا تخزنا يوم الدين، واجعلنا من خوف الطرد والقطيعة آمنين، رب ولا تجعل حظنا منك الحرمان، ولا تبعدنا عن بابك بالعصيان ولا تجعل ما علمتنا سببًا لهواننا يوم يقوم الأشهاد، وآتنا ما وعدتنا على رسلك إنك لا تخلف الميعاد.
اللهم واجعل أفضل صلواتك، على أفضل مخلوقاتك، محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه، وذرياته أجمعين، دائمًا بدوام ملكك يا رب العالمين، وأنلنا شفاعته واحشرنا في زمرته، يا أرحم الراحمين.
تم الكتاب، والحمد لمستحقه، وصلواته وسلامه على أشرف خلقه محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.
قال مؤلفه ﵀:
فرغ مؤلفه من تأليفه في العشر الأوسط من صفر، سنة إحدى عشرة وثمانمائة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وصلواته وسلامه على خير خلقه، ومظهر دينه وحقه، سيدنا محمد خاتم
[ ٥٣٦ ]
الأنبياء والمرسلين، والكل وأصحابهم والتابعين، وتابع التابعي لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وفرغ منه كاتبه الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه ومغفرته وإحسانه محمد بن عبد المحسن بن دغفق، غفر الله له، ولوالديه، وإخوانه في الله، ولجميع المسلمين والمسلمات، يوم الأربعاء خامس من شهر رجب سنة ١٣٣٣، والحمد لله رب العالمين.
(إن تجد عيبًا فسد الخلا جل من لا عيب فيه وعلا)
بلغ مقابلة على أصله بحسب الطاقة والإمكان.
[ ٥٣٧ ]