ويشتمل على فصول ومسائل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤].
وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
[ ١٩ ]
فبين – سبحانه – أن الناجي هو الناهي عن السوء، دون الواقع فيه، والمداهن عليه.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١].
قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي – رحمة الله تعالى – "فقد نعت الله المؤمنين بأنهم ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]. فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين" انتهى.
وقال القرطبي – ﵀ – في تفسيره: جعل الله [تعالى] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقًا بين المؤمنين والمنافقين، فدلّ على أن أخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه.
قلت: وفي ذكره – تعالى – "والمؤمنات" هنا دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على النساء كوجوبه على الرجال حيث وجدت الاستطاعة والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود: ١١٦].
فبين سبحانه أنه أهلكهم إلا قليلًا منهم ممن كانوا ينهون عن الفساد.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ
[ ٢٠ ]
فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة.
وفي صحيح مسلم/ وغيره عن أبي ذر – ﵁ – أن أناسًا قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال:
"أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة".
الدثور: بضم الدال وبالثاء المثلثة هي الأموال.
وفيه أيضًا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال:
«خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق المسلمين أو شوكة أو عظمًا عن طريق المسلمين وأمر بالمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار».
قال أبو توبة: وربما قال يمشي يعني بالشين المعجمة.
وعن أبي ذر – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«ليس من نفس من بن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس، قيل يا رسول الله: من أين لنا صدقة نتصدق بها، قال؛ إن أبواب
[ ٢١ ]
الخير لكثيرة التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك».
رواه ابن حبان في صحيحه.
وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«إياكم والجلوس في الطرقات، قالوا: يا رسول الله مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها قال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وفيهما أيضًا عن جرير – ﵁ – قال:
"بايعت رسول الله ﷺ؛ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم".
فانظر – رحمك الله – كيف قرن النبي ﷺ النصح الذي هو عبارة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصلاة والزكاة يتبين لك عظم محلهما وتأكيد وجوبهما.
وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قال:
«كل كلام/ ابن آدم عليه لا له إلا أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو ذكرًا لله تعالى».
[ ٢٢ ]
رواه الترمذي، وقال: حديث غريب.
وفي صحيح البخاري وجامع الترمذي عن النعمان بن بشير – ﵄ – قال: قال رسول الله ﷺ:
«مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا وإن أخذوا على أيديهم نجوا وأنجوهم جميعًا».
فانظر كيف كان الأخذ على أيدي المفسدين والإنكار عليهم أو منعهم مما أرادوا سببًا لنجاتهم أجمعين.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود – ﵁ – أن رسول الله ﷺ قال:
«ما من نبي بعثه الله – تعالى – في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبخ فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».
الحواريون: قال الأزهري وغيره: هم أصفياء الأنبياء، وقيل: هم أنصارهم، وقيل: هم أنصارهم، وقيل: هم المجاهدون، وقيل غير ذلك.
[ ٢٣ ]
والخلوف بضم الخاء المعجمة جمع خلف بإسكان اللام وهو الخالف بشر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
والخلف بفتح اللام هو الخالف بخير، وهذا هو الأشهر، وقيل غير ذلك.
فاختر يا هذا لنفسك إما أن تكون خلف الأنبياء والحواريين فتكون رفيقهم في دار القرار، أو خلف الفاسقين والأشقياء فترد معهم دار البوار، إذ الساكت عن المنكر مع إمكان الإنكار، شريك له في الإثم يرد مع شريكه النار، اللهم بصرنا بمهاوي الاغترار، واحشرنا مع عبادك الأبرار، فإنك ذو الفضل العظيم.
وروي عن الحسن قال قال النبي ﷺ:
«من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسول الله ﷺ وخليفة كتابه».
ذكره القرطبي / في تفسيره.
وعن أبي كثير السحيمي عن أبيه قال: سألت أبا ذر – ﵁ – قلت: دلني على عمل إذا عمل العبد به دخل الجنة، قال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: «تؤمن بالله واليوم الآخر».
قلت: يا رسول الله إن مع الإيمان عملًا؟ قال: «يرضخ مما رزقه الله». قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرًا، ألا يجد ما يرضخ؟ قال: «يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر». وذكر الحديث.
[ ٢٤ ]
رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وروى ابن حبان والإمام أحمد في مسنده عن البراء بن عازب – ﵄ – قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملًا يدخلني الجنة. قال: «إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة، وفك الرقبة، فإن لم تطق ذلك، فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وآمر بالمعروف وأنه عن المنكر» الحديث.
وفي صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال:
أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة فقال: قد ترك ما هنالك فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
وروى هذا الحديث النسائي أيضًا ولفظه:
قال رسول الله عليه وسلم:
«من رأى منكم منكرًا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيره بيده
[ ٢٥ ]
فغيره بلسانه فقد برئ ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان».
قوله: فقد برئ، أي من الإثم بإنكاره.
وفيه الدليل الواضح على أن من استطاع الإنكار فلم ينكر أنه غير بريء من الإثم، بل هو شريك فيه، كما سيأتي والله أعلم.
وفيه التصريح الثاني بأن من أنكر بلسانه فلم يرجع إليه مع إمكان إنكاره باليد لا يسقط عنه الإثم، وإنما يسقط عنه الإثم إذا لم يستطع الإنكار باليد/.
وفيه أنه لا يقتصر على الإنكار بالقلب إلا من ضعفه إيمانه سواء استطاع الإنكار باليد واللسان أو لم يستطع إلا عند عدم الاستطاعة ليسقط عنه الإثم وإن كان ضعيف الإيمان.
وخرج أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب، والبيهقي وغيرهما عن درة بنت أبي لهب – ﵂ – قالت: قلت يا رسول الله، من خير الناس؟ قال:
«أتقاهم للرب – ﷿ -، وأوصلهم للرحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر».
وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ قال: أوصاني خليل ﵁ بخصال من الخير، أوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان أمرًا.
وخرج البزار في مسنده عن حذيفة ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
[ ٢٦ ]
«الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له».
ورواه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهلك، فمن انتقص منهم شيئًا فهم سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره».
فانظر أيها الأخ إلى هذا السهم من الدين، فقد تركه أكثر المسلمين وأصبحوا فيه مراهنين، لا يلفتون وجوههم إليه، ولا يعولون في دينهم عليه كأنهم عنه لا يسألون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وعن أبي سعيد الخدري – ﵁ – عن النبي ﷺ قال:
«أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر.
رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وخرج النسائي بإسناد صحيح إلى أبي عبد الله طارق بن شهاب، أن رجلًا سأل النبي ﷺ وقد وضع رجله في الغرز – أي الجهاد أفضل؟ قال: «كلمة حق عند سلطان جائر».
وخرجه ابن ماجة بإسناد حسن إلى أبي أمامة – ﵁ – قال:
[ ٢٧ ]
عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى، فقال يا رسول الله: أي الجهاد أفضل؟ / فسكت عنه، فلما رمى الحجارة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائز».
الغرز: بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء بعدهما زاي: هو ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل لا يختص بهما.
وفي هذه الأحاديث دليل على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من الجهاد المفترض على المسلمين. وأنه في الأئمة الجائرين، والأمراء الظالمين، أفضل أنواعه لأنه يعرض بنفسه للقتل، ويجود بها لله تعالى.
ولهذا جاء في المستدرك عن جابر – ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله».
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد.
وخرج البزار عن أبي عبيدة بن الجراح – ﵁ – قال: قلت يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله ﷿؟ قال: «رجل قام إلى وال جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله».
قلت: وإنما كان أكرم الشهداء، لأن الشرط في الشهيد في سبيل الله – تعالى – أن يبذل نفسه لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا قد بذلها لذلك غير أن الأول قد شفى نفسه ببسط يده إلى العدو فقتل عزيزًا، وهذا قد تعرض
[ ٢٨ ]
للقتل مع كف يده فقتل ذليلًا، فجزاه الله على ذله فيه بإكرامه له، وهذا ما يظهر لي، والله أعلم.
وروي عن أبي بكر الصديق – ﵁ – حديث غريب، وهو أنه قال: يا رسول الله، هل من جهاد غير قتال المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم يا أبا بكر إن لله مجاهدين في الأرض أفضل من الشهداء أحياء يرزقون يمشون في الأرض يباهي الله بهم ملائكة السماء وتزين لهم الجنة» فقال أبو بكر: صفهم يا رسول الله، قال: «الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر، والمحبون في الله، والمبغضون في الله».
ثم قال: والذي نفسي بيده، إن العبد منهم ليكون في الغرفة فوق الغرفات فوق غرف الشهداء، للغرفة منها ثلاثمائة باب منها الياقوت والزمرد الأخضر على كل باب نور وإن الرجل ليتزوج ثلاثمائة ألف حورًا قاصرات الطرف عين، كلما التفت إلى واحدة منهن ينظر إليها فتقول له: يوم كذا أمرت بالمعروف/ ونهيت عن المنكر، كلما التفت إلى واحدة منهن ذكرت له كل مقام أمر فيه بمعروف أو نهى فيه عن منكر».
فدلت هذه الآيات والأخبار على فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى علو محله وعلى الترغيب في القيام به، وشرف أهله، وأنه واجب على كل مسلم استطاع سواء كان رجلًا أو امرأة أو عبدًا كما عليه إجماع الأمة.
ودل قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] على أنه فرض على الكفاية، إذ لو كان فرض عين لقال: ولتكونوا، أو معنى ذلك.
قال أبو زكريا النووي – ﵀ – في شرح مسلم:
وقد يتعين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – يعني يصير فرض عين كما
[ ٢٩ ]
إذا كان في موضع لا يعلم به، إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو وكمن يرى زوجته أو غلامه أو ولده على منكر أو تقصير في المعروف، انتهى.
واعلم أن مقتضى فرض الكفاية أنه إذا قام به البعض حاز الأجر الجزيل من الله تعالى وسقط الحرج عن الباقين، ولكن يشترط في سقوط الحرج هنا أن يكون الساكت عن الأمر والنهي إنما سكت لعلمه بقيام من قام عنه بالفرض فإن سكت ولم يعلم بقيامه، فالظاهر – والله أعلم – أنه لا يسقط عنه الحرج لأنه أقدم على ترك واجب عمدًا، كما لو أقدم على الفطر في رمضان ظانًا أن النهار باق وكان ليلًا أو جامع ظانًا أن الفجر قد طلع وكان ليلًا فإنه يأثم بذلك.
وكما لو وطئ امرأة ظانًا أنها أجنبية، وكانت زوجته أو أمته وهو لا يشعر فإنه يأثم بذلك.
وقد نص الرافعي وغيره على أنه يفسق وترد شهادته، بل حكي أبو عمرو ابن الصلاح في فوائد رحلته وجهان: أنه يجب عليه الحد كما لو شرب خلا على تقدير أنه خمر، وما أشبه ذلك اعتمادًا على اعتقاده التحريم في ذلك وإقدامه عليه.
ويشترط أيضًا أن يسوى المخاطبون بالوجوب في رتبتي اليد واللسان فإن تفاوتوا فقام ذو اليد بيده وغيّر المنكر سقط الحرج عن الباقين وإن لم يتغير سقط الحرج عن ذي اللسان، إلا أن يكون رجوع المأمور إلى ذي اللسان أقرب من رجوعه إلى ذي اللسان، إلا أن يكون رجوع المأمور إلى ذي اللسان أقرب من رجوعه إلى ذي اليد وكلامه عند أعظم تأثيرًا فإنه لا يسقط الوجوب عن ذي اللسان، كما لو كان ذو اللسان عالمًا معظمًا أو والدًا أو سيدًا ضعيفًا/ مثلًا وكان ممن يرجع المأمور إلى قوله في الظاهر والباطن، وذو اليد ممن يرجع إليه في الظاهر دون الباطن.
وهذان الشرطان لم أر من تعرض لهما، ولا بد منهما والله أعلم.
وأما الإنكار بالقلب: وهو كراهة تلك المعصية وبعضها، فلا يسقط عن مكلف بوجه من الوجوه، إذ لا عذر يمنع منه. قال ابن مسعود ﵁:
[ ٣٠ ]
بحسب امرئ إذا رأى منكرًا لا يستطيع أن يغيره أن يعلم الله - تعالى - من قلبه أنه له كاره.
وقد روى أبو داود وغيره عن عرس بن عميرة الكندي أن النبي ﷺ قال: «إذا علمت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها ورضيها كان كمن شهداها».
ومعنى قوله: حضرها أي حضرها لضرورةٍ أو رآها اتفاقًا، لأن حضور العاجز موضعًا يرى فيه المنكر قصدًا من غير ضرورة ممنوع ولا يسلم الحاضر من الإثم وإن كرهه بقلبه.
فائدة:
تقدم قريبًا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، وقد قال النووي - ﵀ - في زوائد الروضة:
للقائم بفرض الكفاية مزية على القائم بفرض العين من حيث أنه أسقط الحرج عن نفسه وعن المسلمين.
وقد قال إمام الحرمين - ﵀ - في الغياث.
والذي أراه أن القيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين لأنه لو ترك المتعين اختص هو بالإثم، ولو فعله اختص هو بسقوط الفرض، وفرض الكفاية ولو ترك أثم الجميع، ولو فعله سقوط الحرج عن الجميع، ففاعله ساع في صيانة الأمة عن الإثم، ولا شك في رجحان من حل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهم من مهمات الدين، والله أعلم، انتهى.
[ ٣١ ]
وقد ذكر هذه المسألة الإسنائي في كتابه تمهيد الأصول، ثم قال:
واقتصار النووي على النقل عن الإمام خصوصًا يوهم أن ذلك لا يعرف لغيره وليس كذلك فقد سبقه إلى هذه المقالة والده في المحيط، وكذلك الأستاذ أبو إسحاق، وقد نقله عنهما ابن الصلاح في فوائد رحلته، ولكن فرق / النقل في موضعين، ورأيته أيضًا في أول شرح التلخيص للشيخ أبي علي الشيخي مجزومًا به، وزاد على ذلك ونقله عن أهل التحقيق أن فرض الكفاية أهم من فرض العين، والاشتغال به أفضل من الاشتغال بأداء فرض العين. هذا لفظه، ثم ذكر ما سبق من التعليل.
[ ٣٢ ]
١ - فصل
يشترط في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الإسلام، والتكليف، والاستطاعة.
وهذه الشروط متفق عليها.
واختلف في العدالة والإذن من الإمام علي ما سيأتي إن شاء الله.
أما اشتراط الإسلام: فلأن القيام بالأمر والنهي يصير نصرة الدين، فلا يقوم به من هو جاحد لأصل الدين. والأمر والنهي سلطنة واحتكام، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا ويجب على العبد والمرأة حيث وجدا استطاعة.
وأما اشتراط التكليف: فإنه شرط لوجوب سائر العبادات، فلا يجب الأمر والنهي على مجنون ولا صبي، لأن القلم مرفوع عنهما. ولكن لو أنكر الصبي المميز جاز وأثيب على ذلك، ولم يكن لأحد منعه لأنها قربة، وهو من أهل أدائها لا من أهل وجوبها، قال الغزالي والرافعي والنووي وغيرهم: ولا أعلم في ذلك خلافًا أنه ليس لأحد منع الصبي من كسر الملاهي وإراقة الخمر وغيرها من المنكرات والله أعلم.
أما اشتراط الاستطاعة: فقد قال الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقد قال النبي ﷺ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فآتوا منه ما استطعتم».
[ ٣٣ ]
فقد أسقط النبي ﷺ في الأحاديث السابقة عمن لا يستطيع.
وقد يكون وجود الاستطاعة كعدمها، فيسقط الوجوب مع وجودها، كما إذا خاف على نفسه وماله، أو خاف مفسدة أعظم من مفسدة المنكر الواقع كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٢ - فصل
قال الرافعي والنووي وغيرهما: "لا يختص الأمر والنهي بأصحاب الولايات والمراتب بل ذلك ثابت لآحاد الناس من المسلمين وواجب عليهم".
قال إمام الحرمين: "والدليل عليه إجماع المسلمين بأن غير الولاة في الصدر الأول كانوا يأمرون الولاة، وينهونهم مع تقرير المسلمين / إياهم على ذلك وترك توبيخهم على التشاغل بذلك بغير ولاية" انتهى.
قلت: في قوله ﷺ للفقراء - الذين شكوا إليه سبق الأغنياء-: «أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون» وذكر من ذلك «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وقوله ﷺ: «ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة كل يوم».
وقوله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده».
وغير ذلك من الأحاديث المتقدمة والآتية التي لم يخصص فيها بعض الناس دون بعض أدل دليل على ذلك والله أعلم.
قال الغزالي: قد شرط قوم أن يكون مأذونًا له من جهة الإمام وهذا
[ ٣٤ ]
الاشتراط فاسد فإن الآيات والأخبار تدل على أن كل من رأى منكرًا فسكت عليه فعصى أينما رآه وكيفما رآه على العموم بلا تخصيص فشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له وما فيه من عز السلطنة والاحتكام لا يحوج إلى تفويض كعز العلم والتعريف إذ لا خلاف في أن تعريف التحريم والإيجاب لمن هو جاهله ومقدم على المنكر يجهله لا يحتاج إلى إذن الوالي وذلك يكفي فيه مجرد الدين فكذلك النهي.
ولكن بعض رتب الأمر والنهي ما يكون في احتياجه إلى الإذن نظر كما سيأتي.
٣ - فصل
وذهب قوم إلى أن الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر يشترط أن يكون عدلًا، وأنه ليس لفاسق أن يأمر وينهي، وهذا من حيث الإطلاق فاسد.
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء لا يشترط في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون كامل الحال ممتثلًا ما يأمر به مجتنبًا ما ينهي عنه بل عليه الأمر، وإن كان مخالفًا بما يأمر به، وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه، بل عليه شيئًا أن يأمر نفسه وينهاها، وأن يأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يحل له الإخلال بالآخر؟ انتهى.
وكذا قال في الروضة تبعًا للرافعي.
وقال القرطبي في تفسيره في أوائل سورة آل عمران: ليس من شرط الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن يكون عدلًا عند أهل السنة، خلافًا للمعتزلة حيث تقول لا يغيره إلا عدل وهذا ساقط فإن العدالة محصورة في القليل من الخلق، والأمر بالمعروف / والنهي عن المنكر عام في جميع الناس، انتهى.
[ ٣٥ ]
وقال ابن عطية: قال حذاق أهل العلم ليس من شرط الناهي أن يكون سليمًا عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضًا.
وقال بعض الأصوليين: فرض على الذين يتعاطون الكئوس أن ينهى بعضهم بعضًا لأن قوله ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي، انتهى.
وقد روي عن أنس قال: قلنا يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به كله، ولا ننهي عن المنكر حتى نجتنبه كله؟ فقال ﷺ:
«بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله».
رواه الطبراني:
وقال الغزالي: وقد اعتبر العدالة قوم، وقالوا: ليس لفاسق أن يأمر وينهي، وربما استدلوا فيه بالتنكير الوارد على من يأمر بما لا يفعله، وربما استدلوا بأن هداية الغير فرع للاهتداء، وتقويم الغير فرع للاستقامة، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح.
قال: وكل ما ذكروه خيالات، وإنما الحق أن للفاسق أن يأمر وينهي.
ثم ذكر من البراهين على ذلك ما فيه شفاء للصدور ولكنه لم يطلق عدم اشتراط العدالة كما أطلق النووي وغيره، بل قال: إن الحسبة تارة تكون بالنهي بالوعظ، وتارة بالقهر، ولا ينجع وعظ من لا يتعظ أولًا. ونحن نقول إن من علم أن قوله لا يقبل لعلم الناس بفسقه فليس عليه الحسبة بالوعظ إذ لا فائدة في وعظه، فالفسق يؤثر في فائدة كلامه، ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب
[ ٣٦ ]
كلامه لمن يعرف فسقه وإذا لم يكن عليه ذلك علم أنه يفضي إلى تطويل اللسان في عرضه بالإنكار فنقول: ليس له ذلك.
وأما إذا كان الفاسق قادرًا على الإنكار باليد لزمه ذلك، وفسقه وارتكابه لذلك الفعل الذي ينهي عنه لا يخرج الفعل عن كونه حقًا، كما أن من ذب الظالم من آحاد المسلمين، وأهمل أباه وهو مظلوم معهم ينفر عنه الطبع، ولا يخرج فعله عن كونه حقًا، فلا تشترط العدالة في / الحسبة القهرية ولا حجر على الفاسق في إراقة الخمر وكسر الملاهي وغيرها إذا قدر عليها والله أعلم.
قلت: ومما يدل على أن للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر قوله ﷺ: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
٤ - فصل
يشترط في الفعل الذي يجب إنكاره أن يكون منكرًا سواء كان صغيرة أو كبيرة، إذ لا يختص وجوب الإنكار بالكبائر دون الصغائر.
ولا يشترط في كونه منكرًا أن يكون معصية فإنّ من رأى صبيًا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يريق الخمر ويمنعه من شربه، وكذا من رأى مجنونًا يزني بمجنونة أو بهيمة وجب عليه منعه، وإن كان في خلوة، وهذا لا يسمى في حق المجنون معصية.
٥ - فصل
ويشترط أيضًا أن يكون المنكر موجودًا، فمن غرب من شرب الخمر مثلًا لم يكن لآحاد الرعية الإنكار عليه بغير الوعظ إذا صحي من سكره، بل الأفضل
[ ٣٧ ]
لمن رآه أو علم به أن يستر عليه لقوله ﷺ: «ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة». رواه مسلم.
وروى أو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عن دخين كاتب عقبة بن عامر قال: قلت لعقبة بن عامر: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر وأنا داعي الشرط ليأخذوهم، قال: لا تفعل وعظهم وهددهم، قال: إني نهيتهم فلم ينتهوا وأنا داعي الشرط ليأخذوهم. فقال عقبة: ويحك لا تفعل فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من ستر عورة فكأنما استحي مؤودة في قبرها».
الشرط بضم الشين وفتح الراء: هم أعوان الولاة والظلمة وأحدهم شرطي بإسكان الراء.
والمؤودة: هي البنت التي تدفن حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية.
وقد روى أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ لما أتاه ماعز فأقرّ عنده بالزنا أربع مرات، وأمر برجمه قال لهزار:
«لو سترته بثوبك كان خيرًا لك».
[ ٣٨ ]
وإنما قال ذلك لهزار لأنه هو الذي أمر ما عزًا أن يأتي النبي ﷺ فيقر عنده بالزنا، كذا جاء / في سنن أبي داود وغيرها.
وخرج ابن ماجة بإسناد حسن عن ابن عباس – ﵄ – عن النبي ﷺ قال:
«من ستر عورة أخيه ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته».
والأحاديث في فضل ستر المؤمن كثيرة جدًا، ومحل الستر فيما إذا لم تصل الحدود إلى الحكام، فإذا وصلت إليهم بالطريق الشرعي لم يجز ستره وتحرم الشفاعة فيه.
قال النووي في شرح مسلم: وإنما يندب الستر على من كان من ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيسحب أن لا يستر عليه بل يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات.
فلو لم يستر على من يندب الستر عليه، بل رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع ولكن هو خلاف الأولى.
وأما المنكّر الذي يعلم بقرائن الحال أنه سيوجد فلا إنكار فيه إلا بالوعظ بشرط أن يكون صاحبه معترفًا بعزمه عليه، كمن علم من قرينة حاله أنه عازم على الشرب ليلًا أو ليأمر فلانة الزانية، فإن أنكر أنه عازم على ذلك، لم يجز
[ ٣٩ ]
وعظة أيضًا فإن فيه إساءة الظن بالمسلم، وربما لا يقدم على ما عزم عليه.
فإن قلت: ينبغي أن نقول مثل هذا في من خلا بأجنبية، أو وقف على باب حمام لينظر إلى النساء الأجنبيات وأمثال ذلك، لأنه ربما لا يقدم على الفسق.
قلنا: إنما أنكرنا عليه من حيث أن الخلوة والوقوف معصية في نفسه لا من حيث أننا نتوقع به معصية قد لا يقدم عليها، والله أعلم.
٦ - فصل
ويشترط أيضًا أن يكون المنكر ظاهرًا بغير تجسس، فكل من ستر معاصيه في داره أو أغلق عليه بابه لا يجوز لأحد أن يتجسس عليه.
وقد روي أن عمر ﵁ تسور دار رجل فرآه على حالة مكروهة، فأنكر عليه فقال يا أمير المؤمنين: إن كنت عصيت الله من وجه فقد عصيته من ثلاثة أوجه فقال: وما هي؟ فقال: قد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وقد تجسست، وقال تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وقد تسورت من السطح، وقال سبحانه: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وما سلمت، فتركه عمر، وشرط عليه التوبة.
فإن ظهر لمن خارج الدار ما في الدار من المنكر كصوت المزامير والأوتار إذا ارتفعت وصوت المرأة وكلامها بالرفث والفحش عند العزب ونحو ذلك، فمن سمع ذلك فله دخول الدار وكسر الملاهي وإخراج المرأة.
وكذلك إذا ارتفعت أصوات السكارى بالكلمات المألوفات بينهم بحيث يسمعها أهل الشوارع فهذا أيضًا إظهار يوجب إنكار.
[ ٤٠ ]
قلت: وهذا الذي ذكرته هو معنى كلام الغزالي، وإليه ذهب الفوراني وصاحب التهذيب والقاضي أبو المحاسن الروياني وغيرهم.
وقد قال الماوردي: ليس للمحتسب أن يبحث عما لا يظهر من المحرمات وإن غلب على الظن استرار قوم بها لإمارات وآثار ظهرت، وذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون في ذلك حرمة يفوت استدراكها، وذلك مثل أن يخبره من يثق بصدقه أن رجلًا خلا ليقتله، أو امرأة ليزني بها فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث حذارًا من فوات ما لا يستدرك، وكذلك لو عرف ذلك غير المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار.
الضرب الثاني: ما قصر عن هذه الرتبة، فلا يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه فإن أصوات الملاهي المنكرة من دار أنكرها خارج الدار ولم يهجم عليها بالدخول لأن المنكر ظاهر، وليس عليه أن يكشف عن الباطن، انتهى.
وهذا مخالف لما قدمناه من أن له دخول الدار لكسر الملاهي، والله أعلم.
ويحتمل أن يقال: إنما يمنع من هجوم الدار إذا كان يحصل مقصود الإنكار من خارج، فإن علم أن ذلك المنكر لا يزول إلا بدخوله، أو يفوت بعدم دخوله، / مثل أن يخرجوا الخمر والملاهي إلى مكان آخر ويتحولوا إلى دار حصينة لا يبالون به فيها، أو يشربون الخمر ولا يلتفتون إلى إنكاره من خارج فله المبادرة بالدخول، والله أعلم.
قال الغزالي: فإن فاحت رائحة الخمر، واحتمل أن تكون محترمة فلا يجوز
[ ٤١ ]
قصدها بالإراقة، وإن علم بقرينة الحال أنها فاحت لتعاطيهم الشرب فهذا محتمل والظاهر جواز الإنكار.
وقد تستر أواني الخمر وظروفها في الكم وتحت الذيل، وكذلك الملاهي فإن رأى فاسقًا وتحت ذيله شيء لم يجز أن يكشف عليه ما لم يظهر بعلامة خاصة، فإن فسقه لا يدل على أن الذي معه خمرًا، إذ الفاسق يحتاج أيضًا إلى الخل وغيره، ولا يجوز أن يستدل بإخفائه على أن الذي معه خمرًا، وإنه لو كان خلًا لما أخفاه لأن الأغراض في الإخفاء مما تكثر، وإن كانت الرائحة فائحة فهذا محل النظر، والظاهر أن له الإنكار لأن هذه علامة تفيد الظن، والظن كالعلم في أمثال هذه الأمور.
وكذلك العود ربما يعرف بشكله إذا كان الثوب الساتر له رقيقًا، فدلالة الشكل كدلالة الرائحة والصوت وما ظهرت دلالته فهو غير مستور بل مكشوف، وقد أمرنا أن نستر ما ستره الله، وننكر على من أبدى لنا صفحته، والإبداء هو ما يدرك بحاسة السمع أو البصر أو الشم أو اللمس. إنما يجوز له أن يكسر ما تحت الثوب إذا علم أنه خمر، وليس له أن يقول له أرني لأعلم ما فيه، فإن هذا تجسس ولا رخصة فيه أصلًا، انتهى ملخصًا.
٧ - فصل
ويشترط في المنكر أن يكون معلومًا بغير اجتهاد.
قال النووي وغيره: إنما ينكر ما أجمع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن كل مجتهد مصيب، والمصيب واحد، ولا نعلمه ولم يزل الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا ينكر أحد على أحد غيره، وإنما ينكرون
[ ٤٢ ]
على من خالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا، انتهى/.
نعم لو أرى الشافعي شافعيًا يشرب النبيذ وينكح بلا ولي.
قال الغزالي: الأظهر أن له الإنكار إذا لم يذهب أحد من المحصلين إلى أن المجتهد يجوز أن يعمل بموجب اجتهاد غيره، ولأن الذي أدى إليه اجتهاده في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء. له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقد من المذاهب أطيبها عنده. بل على كل مقلد إتباع مقلده في كل تفصيل، فإذا مخالفته متفق على كونه منكرًا بين المحصلين وهو عاص بالمخالفة.
إلا أنه يلزم من هذا أمر أغمض منه، وهو أنه يجوز للحنفي أن يعترض على الشافعي إذا نكح بغير ولي، أو صلى بعد أن لمس، إذ يقول له الفعل في نفسه حق، ولكن لا في حقك فأنت مبطل بالإقدام عليه مع اعتقادك أن الصواب مذهب الشافعي، ومخالفتك ما هو أصوب عندك معصية في حقك، وإن كان صوابًا عند الله تعالى.
وكذلك الشافعي ينكر عن الحنفي في نظائر ذلك، ثم ينجز هذا إلى أمور أخر في المحسوسات، وهي أن يجامع الأعمى والأصم مثلًا امرأة على قصد الزنا، ويعلم المنكر أن هذه امرأة الأعمى، زوجه إياها أبوه في صغره، ولكنه ليس يدري بذلك، وعجز عن تعريفه ذلك لصممه، أو لكونه غير عالم بلغته فهو في الإقدام مع اعتقاده أنها أجنبية عاصٍ، ومعاقب عليه في الدار الآخرة، فينبغي أن يمنعه منها مع أنها زوجته وهو بعيد من حيث أنه حلال في علم الله تعالى، قريب من حيث أنه حرام عليه بحكم جهله.
ولا شك أنه لو علق طلاق زوجته على صفة في قلب المحتسب مثلًا من مشيئة أو غضبه أو غيره، وقد وجدت الصفة في قلبه وعجز عن تعريف الزوجين ذلك ولكن علم وقوع الطلاق في الباطن، فإذا رآه يجامعها فعليه المنع أعني باللسان لأن ذلك زنا، إلا أن الزاني غير عالم به، والمحتسب عالم بأنها طلقت منه ثلاثًا،
[ ٤٣ ]
وبكونهما غير عاصيين لجهلهما بوجود الصفة / لا يخرج الفعل عن كونه منكرًا.
ولا يتقاعد ذلك عن زنا المجنون، وقد بينا أنه يمنع منه، فإذا كان يمنع مما هو منكرًا عند الله تعالى، وإنْ لم يكن منكرًا عند الفاعل، ولا هو عاص به لعذر الجهل.
فلزم من عكس هذا أن يقال ما ليس بمنكر عند الله تعالى، وإنما هو منكر عند الفاعل لجهله لا يمنع منه، وهذا هو الأظهر والعلم عند الله.
فيحصل من هذا أن الحنفي لا ينكر على الشافعي في النكاح بلا ولي، وأن الشافعي ينكر على الشافعي فيه لكون ذلك الفعل منكرًا باتفاق المنكِر والمنكَر عليه.
وهذه مسائل فقهية دقيقة، والاحتمالات فيها متعارضة وإنما أفتينا فيها بحسب ما ترجح عندنا في الحال، ولسنا نقطع بخطأ المخالف فيها إن رأى أنه لا يجوز الإنكار إلا في معلوم على القطع.
وقد ذهب إلى هذا ذاهبون وقالوا: لا إنكار إلا في معلوم على القطع مثل الخمر والخنزير، وما يقطع بكونه حرامًا.
ولكن الأشبه عندنا أن الاجتهاد مؤثر في حق المجتهد إذ يبعد غاية البعد أن يجتهد في القبلة، ويعترف بظهور القِبلة عنده في جهة بالدلالة الظنية ثم يستدبرها، ولا يمنع منه لأجل ظن غيره إذ ربما يظن غيره أن الاستدبار هو الصواب.
ورأي مَنْ رأى أنه يجوز لكل مقلد أن يختار من المذاهب ما أراد غير معتد به، ولعله لا يصح ذهاب ذاهب إليه أصلًا، فهذا مذاهب لا يثبت، وإنْ ثبت لا يعتد به، انتهى.
فهذه الشروط المذكورة لابد منها في وجوب الإنكار وهي: أن يكون الفعل منكرًا، أو أن يكون موجودًا، أو أن يكون ظاهرًا، وأنْ يكون معلومًا بغير اجتهاد، والله ولي التوفيق.
[ ٤٤ ]