وَالنَّظَر فِي العواقب وانفساح مَذَاهِب الرَّأْي فِي المطالب وبصر أحسن الْأَمريْنِ وأنهج المسلكين وَعند العجلة والمغافصة يفوت ذَلِك فالخواطر كالبروق الخواطف لَيْسَ لَهَا ثبات فَرُبمَا لَاحَ لَهُ رَأْي وخطر لَهُ فكر فَعمل بِهِ قبل التثبت والتأمل ثمَّ يتَبَيَّن لَهُ بعد ذَلِك أَن الصَّوَاب كَانَ فِي غَيره فيندم حِين لَا يُغني النَّدَم وَلَا ينفع السدم فَأَما مَا وضح فِيهِ وَجه الصَّوَاب السداد وَأمن فِي عواقبه دواعي الْفساد فَيَنْبَغِي أَن ينتهز فِيهِ الفرصة عِنْد إمكانها ويبادرها قبل تعذرها وفواتها
قَالَ السفاح الأناة محمودة إِلَّا عِنْد إِمْكَان الفرصة وَقَالَ غَيره الفرص تمر مُرُور السَّحَاب وَقَالَ آخر تجرع من عَدوك الغصة إِلَى أَن تَجِد الفرصة فَإِذا وَجدتهَا فانتهزها قبل أَن يفوتك الدَّرك أَو يُعينهُ الْفلك
قَالَ الشَّاعِر
[ ٢٢٣ ]
(وَإِن فرْصَة أمكنت مرّة فَلَا تبد فعلك إِلَّا بهَا)
(فَإِن لم تلج بَابهَا مسرعا أَتَاك عَدوك من بَابهَا)
وَللْآخر
(إِذا هبت رياحك فاغتنمها فعقبى كل عَاصِفَة سُكُون)
(وَلَا تغفل تداركها سَرِيعا فَمَا تَدْرِي السّكُون مَتى يكون)
وَلابْن الرُّومِي
(عيب الأناة وَإِن كَانَت مباركة أَن لَا خُلُود وَأَن لَيْسَ الْفَتى حجرا)
قيل من غافص الفرص أَمن الْغصَص وَقيل إِذا كَانَ الْمَوْت غير مَأْمُون طرفَة عين فَمن الْخرق تَأْخِير مَا أمكن وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من انْتظر الفرصة مؤاجلة الِاسْتِقْصَاء سلبته الْأَيَّام فرصته لِأَن صناعَة الْأَيَّام السَّلب وَشرط الزَّمَان الإفاتة
[ ٢٢٤ ]
بَاب فِي إِيثَار السّلم وَالْمُوَادَعَة على الْحَرْب والمنازعة وَكَيْفِيَّة الدُّخُول على الْحَرْب عِنْد الْحمل عَلَيْهَا والاضطرار إِلَيْهَا
اعْلَم أَن السّلم بَاب السَّلامَة وَسبب الاسْتقَامَة
قَالَ الثعالبي السّلم سلم السَّلامَة قَالَ غَيره أغمد سَيْفك مَا نَاب عَنهُ لسَانك واستمل عَدوك مَا مَال بِهِ إحسانك وَقيل من أتم النصح الْإِشَارَة بِالصُّلْحِ وَقَالَ بَعضهم من استصلح عدوه زَاد فِي عدده وَمن استفسد صديقه نقص من عدده وَفِي الزبُور من كثر عدوه فليتوقع الصرعة وَقَالَ دَاوُد ﵇
[ ٢٢٥ ]
لَا تشتر عَدَاوَة وَاحِد بصداقة ألف
قَالَ الشَّاعِر
(وَلَيْسَ كثير ألف خل وَصَاحب وَإِن عدوا وَاحِدًا لكثير)
وَقَالَ بَعضهم لَا تفتح بَابا يعييك سَده وَلَا ترسل سَهْما يعجزك رده وَلَا تفْسد أمرا يعييك إِصْلَاحه وَلَا تغلق بَابا يعجزك افتتاحه
وَقيل لَا لَا يغرنك المرتقى السهل إِذا كَانَ المنحدر وعرا وَقيل توق كل التوقي وَلَا حارس من الْأَجَل وتوكل ق ٢٦ كل التَّوَكُّل وَلَا عذر فِي التَّغْرِير وَمن كتاب كليلة ودمنة أَرْبَعَة لَا يركبهَا إِلَّا أَعْوَج وَلَا يسلم مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل مناجزة الْعَدو وركوب الْبَحْر وَشرب السم للتجربة وائتمان النِّسَاء على الْأَسْرَار وَفِيه أَيْضا الْقَلِيل مِنْهَا كَبِير النَّار والعداوة
[ ٢٢٦ ]
وَالْمَرَض وَقيل كل شَيْء ينْفق عَلَيْهِ من المَال إِلَّا الْحَرْب فَإِن النَّفَقَة عَلَيْهَا من النُّفُوس
قَالَ الشَّاعِر
(كم بَين قوم إِنَّمَا نفقاتهم مَال وَقوم يُنْفقُونَ نفوسا)
وَكَانَ السّلف ﵃ يستحسنون قَول عَمْرو بن معدي
(الْحَرْب أول مَا تكون فتية تسْعَى لزينتها بِكُل جهول)
(حَتَّى إِذا اشتدت وشب ضرامها ولت عجوزا غير ذَات جليل)
(شَمْطَاء جزت رَأسهَا وتنكرت مَكْرُوهَة للشم والتقبيل)
[ ٢٢٧ ]
وَقَالَ زُهَيْر
(وَمن يعْص أَطْرَاف الرماح فَإِنَّهُ يُطِيع العوالي ركبت لكل لهذم)
يَقُول من عَصا الصُّلْح وَالْمُوَادَعَة قبل الْقِتَال طلب ذَلِك وَرَضي بِهِ وأطاعه بعد أَن ضرسته الْحَرْب ونالت مِنْهُ الْفِتْنَة
قَالَ الشَّاعِر
وسالمت لما طَالَتْ الْحَرْب بَيْننَا إِذا لم تظفرك الحروب فسالم)
قَالَ زُهَيْر يصف الْحَرْب
(وَمَا الْحَرْب إِلَّا مَا علمْتُم وذقتم وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ المرجم)
(مَتى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضرى إِذا ضريتموها فتضرم)
(فتعرككم عَرك الرَّحَى بثفالها وتلقح كشافا ثمَّ تحمل فتتئم)
(وتنتج لكم غلْمَان أشأم كلهم كأحمر عَاد ثمَّ ترْضع فتفطم)
(فتغلل لكم مَا لَا تغل لأَهْلهَا قرى بالعراق من قفيز وَدِرْهَم)
[ ٢٢٨ ]