قَالَ بعض البلغاء لَا يكن عفوك وإغضاؤك سَببا للجراءة عَلَيْك وَعلة الْإِسَاءَة إِلَيْك فَإِن النَّاس رجلَانِ عَاقل يَكْتَفِي بالعذل والتأنيب وجاهل يحوج إِلَى الضَّرْب والتأديب وَقَالَ الْعَفو احْتِمَال الذَّنب الَّذِي لَا يكون عَن عمد وَلَا يقْضِي بِوُجُوب حد فَأَما الذَّنب الَّذِي يركب عمدا وَيُوجب حدا فَلذَلِك مَا لَا تحمله السياسة وَلَا تطابقه الشَّرِيعَة قَالَ رَسُول الله ﷺ أقيلوا ذَوي الهيئات عثراتهم إِلَّا فِي الْحُدُود قَالَ
[ ٢١٤ ]
الْمَنْصُور إِذا كَانَ الْحلم مفْسدَة كَانَ الحكم معْجزَة وَقيل من عَفا عَمَّن يسْتَوْجب الْعقُوبَة كَانَ كمن عاقب من يسْتَوْجب المثوبة وَقيل الْعَفو يفْسد من اللَّئِيم بِقدر مَا يصلح من الْكَرِيم
قَالَ أَبُو الطّيب المتنبي
(إِذا أَنْت أكرمت الْكَرِيم ملكته وَإِن أَنْت أكرمت اللَّئِيم تمردا)
(وَوضع الندى مَوضِع السَّيْف بالعلى مُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندا)
وَقَالَ أَيْضا
(إِذا قيل رفقا قيل للحلم مَوضِع وَعلم الْفَتى فِي غير مَوْضِعه جهل)
[ ٢١٥ ]
وَهَذَا من قَول للأحنف بن قيس قيل لَهُ أَيْن الْحلم فَقَالَ عِنْد الْحَيِي وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ السَّيْف أنمى عددا وَأكْثر ولدا
وَقَوله الْقَتْل أنفى للْقَتْل وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾
[ ٢١٦ ]
وَلما أنْشد النَّابِغَة الْجَعْدِي رَسُول الله ﷺ قَوْله
[ ٢١٧ ]
(وَلَا خير فِي حلم إِذا لم تكن لَهُ بَوَادِر تَحْمِي صَفوه أَن يكدرا)
(وَلَا خير فِي جهل إِذا لم يكن لَهُ حَلِيم إِذا مَا أورد الْأَمر أصْدرَا)
وَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ لَا يفض فَاك
وللنعمان بن الْمُنْذر
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْكَبِير من الذُّنُوب لفضلها)
(وَلَقَد تعاقب فِي الْقَلِيل وَلَيْسَ ذَلِك لجهلها)
(إِلَّا ليعرف فَضلهَا وَيخَاف شدَّة نكلها)
وَقَالَ آخر
(فَلَا يغرنك طول الْحلم مني فَمَا أبدأ تصادقني حَلِيمًا)
[ ٢١٨ ]
وَقَالَ آخر
(بطرتم فطرتم والعصا زجر من عَصا وتقويم عبد الْهون بالهون رادع)
وَقَالَ بشار
(وَالْحر يلحى والعصا للْعَبد )
وَقَالَ ابْن دُرَيْد
(واللوم للْحرّ مُقيم رادع وَالْعَبْد لَا يردعه إِلَّا الْعَصَا)
[ ٢١٩ ]
فِي ذكر الأناة وذم العجلة فِي الْأُمُور الَّتِي لَا يستعقب ق ٢٥ فتها ضَرَر وَلَا يخْشَى من تَأْخِيرهَا غرر
قَالَ رَسُول الله ﷺ لأشج عبد الْقَيْس إِن فِيك خَصْلَتَيْنِ يحبهما الله الْحلم والأناة وَقَالَ ﵊ التؤدة والاقتصاد والتثبت جُزْء من سِتَّة وَعشْرين جُزْءا من النُّبُوَّة
وَقَالَ ﵊ من تأتى أصَاب أَو كَاد وَمن عجل أَخطَأ
[ ٢٢٠ ]
أَو كَاد وَقَالَ الأناة حصن السَّلامَة والعجلة مِفْتَاح الندامة وَقَالَ من ركب الْعجل أدْرك الزلل
قَالَ الْقطَامِي
(قد يدْرك المتأني بعض حَاجته وَقد يكون مَعَ المستعجل الزلل)
وَقيل التأني فِي الْأُمُور أول الحزم والتسرع فِي الْأُمُور عين الْجَهْل
وَقيل إِذا لم تدْرك الْحَاجة بالرفق والدوام فَبِأَي شَيْء تدْرك
وَقيل من اسْتعْمل الرِّفْق غنم وَمن اسْتعْمل الْخرق نَدم وَمن اقتحم الْأُمُور لَقِي الْمَحْذُور العجول مُخطئ وَإِن ملك والمتأني مُصِيب وَأَن هلك
[ ٢٢١ ]
وَقَالَ ابْن المعتز العجلة تضمن العثرة بِكُل مكل مَكْرُوه وَقَالَ الْخرق بالرفق يلحم وَقَالَ غَيره بالتأني تدْرك الْغَرَض
[ ٢٢٢ ]