قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ بغي عَلَيْهِ لينصرنه الله﴾
وَقَالَ ﷺ لَيْسَ شَيْء أسْرع عُقُوبَة من بغي
وَفِي بعض الْآثَار لَو بغى جبل على جبل لجعله الله دكا
قَالَ أَبُو بكر الصّديق الله عَنهُ ثَلَاث من كن فِيهِ كن عَلَيْهِ الْبَغي والنكث وَالْمَكْر
[ ١٩٩ ]
وَقيل من سل سيف الْبَغي قتل بِهِ وَقيل الْبَغي مرتعه وخيم
وَقيل احذر مصَارِع الْبَغي قَالَ بَعضهم من ق ٢٢ سل سيف الْبَغي أغمد فِي رَأسه وَمن أسس أساس السوء أسسه على نَفسه
[ ٢٠٠ ]
بَاب فِي ذكر الْعَفو ومدح مستعمله فِي أَكثر أَحْوَاله والانتقام وَمحل اسْتِعْمَاله
اعْلَم أَن الْحلم مَحْمُود فِي مَحَله وَالْعَفو مستحسن إِذا اسْتعْمل مَعَ أَهله
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾
وَقَالَ جلّ وَعلا ﴿والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾
[ ٢٠١ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا مَا غضبوا هم يغفرون﴾
وَكَانَ مُعَاوِيَة يَقُول أَنى لأنف أَن يكون فِي الأَرْض جهل لَا يَسعهُ حلمي وذنب لَا يَسعهُ عفوي وحاجة لَا يَسعهَا جودي وَأَغْلظ لَهُ رجل أُسَمِّهِ مَا يكره فِي وَجهه فَقَالَ لَوْلَا أَنِّي لم أتجرع جرعة قطّ هِيَ ألذ عِنْدِي من جرعة غيظ وحنق رَددتهَا بِعَفْو لسقيت الأَرْض من دمك ارْجع إِلَى أهلك سالما وَقَالَ اردشير من عاقب على الذَّنب فقد عدل وَمن صفح عَنهُ
[ ٢٠٢ ]
فقد تفضل فَاجْعَلْ لَك من الْعَفو مَا تستدعي بِهِ من الله النَّصْر وتستنزل بِهِ جميل الصنع
وَهَذَا نَظِير قَول عبد الحميد الْكَاتِب الانتقام عدل والتجاوز فضل وَأَنا أُعِيذك بِاللَّه أَن ترْضى لنَفسك بأبخس الحظين واوكس النَّصِيبَيْنِ دون أَن تبلغ أَعلَى الدرجتين وَاسْتَشَارَ الْمَأْمُون الْحسن بن سهل فِي قتل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن قتلته فلك نَظِير فِي قَتله
[ ٢٠٣ ]
وَإِن عَفَوْت عَنهُ فَلَا نَظِير لَك فعفى عَنهُ وَمِمَّا اسْتحْسنَ من اعتذار إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي قَوْله إِن بلغ جُرْمِي استحلال دمي فحلم أَمِير الْمُؤمنِينَ وفضله يبلغاني عَفوه لي بعد ذَلِك شُفْعَة الْإِقْرَار بالذنب بعد الْأَب
وَقَوله شعرًا
(أذنبت ذَنبا عَظِيما وَأَنت أعظم مِنْهُ)
(فَخذ بحقك أَولا فاصفح بِحِلْمِك عَنهُ)
(إِن لم أكن فِي فعالي من الْكِرَام فكنه)
وَقَوله
(أذنبت ذَنبا عَظِيما وَأَنت للعفو أهل)
(فَإِن عَفَوْت فَمن وَإِن جزيت فَعدل)
فَقَالَ الْمَأْمُون لَو لم يكن فِي حق نسبك مَا يقوم بالصفح عَنْك لبلغك مَا أملت حسن تنصلك ولطف توصلك وَأَن ذَنبا أَوله هفوة وَآخره تَوْبَة لحقيق أَن لَا يكون على مثله عُقُوبَة وَقَالَ الْمَأْمُون لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لقد أَشَارَ عَليّ كل أحد بقتلك حَتَّى أخي أبي إِسْحَاق وَابْني الْعَبَّاس فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّهُم نصحوا لَك بذلك فِي لَوَازِم الْخلَافَة وَمَا جرت بِهِ أَحْكَام السياسة وَلَكِن يَأْبَى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يستجلب النَّصْر إِلَّا كَمَا عوده الله
[ ٢٠٤ ]
فَقَالَ الْمَأْمُون قد مَاتَ حقدي لحياة عذرك وعفوت عَنْك وَأعظم من عفوي عَنْك أَنِّي لم أجرعك امتنان الشافعين ثمَّ سجد الْمَأْمُون طَويلا ثمَّ رفع رَأسه فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم أَتَدْرِي لم سجدت فَقلت شكرا لله ظفرك بعدو دولتك فَقَالَ مَا أردْت هَذَا وَلَكِن شكرا لله على مَا ألهمنيه من الْعَفو عَنْك فَقَالَ إِبْرَاهِيم
(إِن الَّذِي خلق المكارم حازها فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع)
(ملئت قُلُوب النَّاس مِنْهُ مهابة ويضل يكلؤهم بقلب خاشع)
(فعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثله عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع)
(ورحمت أطفالا كأفراخ القطا وحنين وَالِده بقلب جازع)
(رد الْحَيَاة عَليّ بعد ذهابها كرم المليك الْقَادِر المتواضع)
فَقَالَ الْمَأْمُون لَا تَثْرِيب عَلَيْك قد عَفَوْت عَنْك ورددت مَالك وضياعك فَقَالَ فِي ذَلِك
(رددت مَالِي وَلم تبخل عَليّ بِهِ وَقبل ردك مَالِي قد حقنت دمي)
(فَأَبت عَنْك وَقد خولتني نعما هما الْحيتَان من موت وَمن عدم)
(فَلَو بذلت دمي أبغي رضاك بِهِ وَالْمَال حَتَّى أسل النَّعْل من قدمي)
[ ٢٠٥ ]
(مَا كَانَ ذَاك سوى عَارِية رجعت إِلَيْك لَو لم تعرها كنت لم تلم)
(فَإِن جحدتك مَا أويت من نعم إِنِّي لفي اللوم أحظى مِنْك فِي الْكَرم ق ٢٣)
وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي قد أدعى الْإِمَامَة لنَفسِهِ فِي زمن الْمَأْمُون وبويع لَهُ بِبَغْدَاد وَمكث على ذَلِك مُدَّة وَأَصْحَاب الْمَأْمُون يحاربونه إِلَى أَن ظفروا بِهِ فعفى عَنهُ كَمَا تقدم وَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُول وَالله مَا صفح الْمَأْمُون عني صلَة لرحمي وَلَكِن طَار اسْم فِي الْعَفو حَتَّى أَن يسديه إِلَيّ
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لقد لذ لي الْعَفو حَتَّى حسبتني لَا أثاب عَلَيْهِ
وَكتب معمر مولى سُلَيْمَان من الْحَبْس إِلَى الرشيد لست فِي عقابي إِذا كنت سقيما بأعظم ثَوابًا مِنْك فِي تخيلتي إِن كنت بَرِيئًا
وَقَالَ اردشير وجدنَا للذة الْعَفو مَا لم نجد للذة الْعقُوبَة وَأمر الْحجَّاج بقتل أَقوام فَلَمَّا قدم أحدهم للْقَتْل بعد جمَاعَة مِنْهُم قَالَ
[ ٢٠٦ ]
وَالله لِأَن أسأنا فِي الذَّنب فَمَا أَحْسَنت فِي الْعَفو فَقَالَ الْحجَّاج أما كَانَ فِي هَؤُلَاءِ الْجِيَف من يحسن مثل هَذَا وَعفى عَنهُ وَعَمن بَقِي مِنْهُم وَقَالَ عبد الصَّمد للسفاح إِذا قتلت أكفاءك فبمن تباهي بملكك وَقَالَ مُعَاوِيَة أولى النَّاس بِالْعَفو أقدرهم على الْعقُوبَة
وَقَالَ عبد الْملك بن مَرْوَان أَحَق النَّاس بِالْإِحْسَانِ من أحسن الله إِلَيْهِ وأولاهم بِالْعَفو من بسط الله بِالْقُدْرَةِ يَدَيْهِ
وَقَالَ ابْن المعتز كفى بالظفر شَفِيعًا للمذنب إِلَى الْحَلِيم وَقَالَ حَسبك من عَدوك ذله فِي قدرتك وَقَالَ أَيْضا مَا عفى الذَّنب من
[ ٢٠٧ ]
قرع بِهِ وَقَالَ لَا تَشِنْ وَجه الْعَفو بالتأنيب وَقَالَ آخر أولى السَّائِلين بالإسعاف من طلب الْعَفو وَقَالَ اعْفُ عَمَّن أَبْطَأَ بالذنب وأسرع بالندم وَقَالَ الْأَمِير شمس الْمَعَالِي الْعَفو عَن المجرم من وَاجِب الْكَرم وَقبُول المعذرة من محَاسِن الشيم قيل اعتذر أَحْمد بن هِشَام الْكَاتِب إِلَى أَحْمد بن أبي خَالِد بِعُذْر فَقَالَ لَهُ أَحْمد بن خَالِد وَالله لَا قبلت عذرك حَتَّى أُسِيء إِلَيْك قَالَ ابْن هِشَام وَالله لِأَن فعلت لاستعديت عَلَيْك إِلَّا نَفسك وَلَا أَطْعمنِي فِيك إِلَّا ظلمك فاستحيا مِنْهُ وَقبل عذره وَقَالَ بعض البلغاء لَيْسَ من عَادَة الْكِرَام إسراع الانتقام وَلَا من شَرط الْكِرَام إِزَالَة النعم وَلَا تَأْخُذ بالسهو وَلَا تزهد فِي الْعَفو وَارْحَمْ من دُونك يَرْحَمك من فَوْقك
وَهَذَا الْمَعْنى قريب من قَول النَّبِي ﷺ الراحمون
[ ٢٠٨ ]
يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء عَفْو الْمُلُوك أبقى للْملك
[ ٢٠٩ ]