١ - عن أنس بن مالك﵁- قال: "أُتي النبي - ﷺ - بلحم، فقيل: تُصُدِّق به على بريرة، قال: هو لها صدقة ولنا هدية" (١).
فهنا نجد أَنَّ النبي - ﷺ - وَصَّفَ بذل اللحم لبريرة بأَنَّه صدقة؛ لأَنَّها مستحقة، ولها أخذ الصدقة، والنبي - ﷺ - لا يأكل من الصدقات، ومع ذلك همَّ بالأكل منه؛ لأَنَّ بذله من بريرة للنبي - ﷺ - هدية، وهو
_________________
(١) متفق عليه، فقد رواه البخاري (الفتح ٥/ ٢٠٣، ٩/ ٤٠٤)، وهو برقم ٢٥٧٧، ٥٢٧٩، ومسلم (٢/ ٧٥٥)، وهو برقم ١٠٧٤.
[ ١ / ٥٧ ]
يأكل الهدية، فجهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها، والتحريم الكلي على الصفة لا على العين (١)، وقد باشر النبي - ﷺ - تَوْصِيف الواقعة بنفسه، فدَلَّ على مشروعية تَوْصيف الواقعة في الإِفتاء والقضاء.
٢ - عن عمرو بن العاص﵁- أَنَّه سمع رسول الله - ﷺ - قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمَّ أخطأ فله أجر" (٢).
فقد أمر النبي - ﷺ - القاضي بالاجتهاد إذا أراد الحكم، وأخبر بما له من الأجر (٣)، ومن اجتهاد القاضي تَوْصِيف القضية بتحلية الواقعة بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي.
يقول ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): في شرح هذا الحديث: "ودَلَّ على أَنَّه لا بُدَّ للحاكم من الاجتهاد، وهو نوعان: اجتهاد في إدخال القضية التي وقع فيها التحاكم بالأحكام الشرعية، واجتهاد في تنفيذ ذلك الحق على القريب والصديق وضدهما " (٤)، فإدخال الواقعة في الحكم الشرعي هو التَّوصيف للقضية، وهو اجتهاد لا بُدَّ منه.
_________________
(١) فتح الباري ٥/ ٢٠٤، ٩/ ٤١٤، بدائع الفوائد ٤/ ١٣٤٢.
(٢) متفق عليه، واللفظ لمسلم، فقد رواه البخاري (الفتح ١٣/ ٧١٨)، وهو برقم ٧٣٥٢، ومسلم (٣/ ١٣٤٢)، وهو برقم ١٧١٦.
(٣) تفسير القرطبي ١١/ ٣١٠.
(٤) بهجة قلوب الأبرار ١٤٨.
[ ١ / ٥٨ ]
٣ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أَنَّه قد سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (١).
وإنَّما وقع النهي من النبي - ﷺ - للقاضي عن القضاء وهو غضبان حتى لا يخل باجتهاده في تنزيل الحكم الكلي على الواقعة القضائية، فدَلَّ على مشروعية التَّوْصِيف.
يقول ابن سعدي: "إنَّ النهي عن الحكم في حال الغضب ونحوه مقصود لغيره، وهو أَنَّه ينبغي للحاكم ألَّا يحكم حتى يحيط علمًا بالحكم الشرعي الكلي، وبالقضية الجزئية من جميع أطرافها، ويحسن كيف يطبقها على الحكم الشرعي، فإنَّ الحاكم محتاج إلى هذه الأمور الثلاثة:
الأول: العلم بالطرق الشرعية التي وضعها الشارع لفصل الخصومات والحكم بين الناس.
الثاني: أَنْ يفهم ما بين الخصمين من الخصومة، ويتصورها تصورًا تَامًّا، ويدع كل واحد منهما يدلي بحجته، ويشرح قضيته شرحًا تَامًّا، ثم إذا تحقق ذلك وأحاط به علمًا احتاج إلى الأمر الثالث.
الثالث: هو صفة تطبيقها وإدخالها في الأحكام الشرعية.
فمتى وفق لهذه الأمور الثلاثة وقصد العدل وُفِّق له وهدي إليه،
_________________
(١) متفق عليه، واللفظ لمسلم، فقد رواه البخاري (الفتح ١٣/ ١٣٦)، وهو برقم ٧١٨٥، ومسلم (٣/ ١٣٤٢)، وهو برقم ١٧١٧.
[ ١ / ٥٩ ]
ومتى فاته واحد منها حصل له الغلط واختل الحكم" (١).
فإدخال الواقعة في الحكم الكلي هو التَّوْصِيف المطلوب، وهو اجتهاد لا بُدَّ منه للقاضي، فدَلَّ على مشروعيته.
٤ - وفَعَلَه النبي - ﷺ -، فنزَّل الأحكام الكلية على الوقائع الجزئية؛ فلما كسرت الرُّبيِّع عمة أنس بن النضر ثنية جارية اختصموا إلى النبي - ﷺ -، وأبوا إلَّا القصاص، فقضى بكسر ثنية الربيع قصاصًا؛ تطبيقًا لقوله- تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢).
فعن أنس: "أَنَّ الرُّبَيِّع- عمته- كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش (٣)، فأتوا رسول الله - ﷺ - وأبوا إلَّا القصاص، فأمر رسول الله - ﷺ - بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ ! لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي
_________________
(١) بهجة قلوب الأبرار ٢٤٠.
(٢) شرح مسلم للنووي ١١/ ١٦٢ - ١٦٣، فتح الباري ٨/ ١٧٧.
(٣) الأرش: ما يأخذه المجني عليه عما أصابه من الجنايات والجراحات جبرًا لما حصل فيها من النقص. [النهاية في غريب الحديث: ١/ ٣٩].
(٤) قوله: "لا تكسر ثنيتها" المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص بالعفو، لا رد الحكم الشرعي [شرح مسلم للنووي ١١/ ١٦٣].
[ ١ / ٦٠ ]
القوم، فعفوا، فقال رسول الله - ﷺ -: إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه" (١).
وظاهر من هذا الحديث أَنَّ النبي - ﷺ - قضى بالقصاص في الواقعة المذكورة لانطباق الآية آنفة الذكر عليها، وهذا هو التَّوْصِيف.