إنَّ العلاقة بين حكمي الوضع والتكليف تظهر في أمرين هما:
_________________
(١) الِإحكام للقرافي ٩٧، معالم أصول الفقه ٣٦٢، يقول القرافي في الِإحكام ٩٧: "قال العلماء: الأحكام من خطاب التكليف، والأسباب والشروط من باب خطاب الوضع، فهما بابان متباينان".
(٢) الفروق ١/ ١٦٢.
(٣) انظر: المطلب الثالث من المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الثاني، والمبحث الأول من الفصل الثالث من الباب الثالث.
[ ١ / ١٠٨ ]
(أ) أَنَّ الحكم الوضعي معرف للحكم التكليفي ومؤثر فيه:
أحكام الوضع من السبب والشرط والمانع أوصافٌ وأعلام ومُعَرِّفات لحكم التكليف، فإذا وقعت هذه المُعَرِّفات من سبب وغيره وتحققت بفعل المكلف لها استدعت أحكام التكليف وترتبت عليها من وجوب وحرمة أَوْ غيرهما، فالشرع يخبرنا بوجود الأحكام التكليفية من حرمة أَوْ وجوب أَوْ غيرها بوجود الأسباب والشروط والموانع، فهي توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفى بوجود المانع أَوْ انتفاء الأسباب والشروط.
فإيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب، وذلك بعد تحقق شروط السبب وانتفاء موانعه، فعلى الأحكام الوضعية تتوقف الأحكام التكليفية، لا أَنَّ الأحكام الوضعية مأمور بها من حيث هي، فكأَنَّه قيل مثلًا: إذا وجد القتل العمد وتحققت شروطه وجب القصاص، وإذا وجدت الولادة المانعة منه بين طالب القصاص والقاتل أَوْ انتفت شروطه أَوْ شيء منها انتفى القصاص.
ولذلك كثيرًا ما يطلق الحكم الشرعي مرادًا به الحكم التكليفي؛ لأَنَّه هو الأصل، وهو المراد بالتكليف، وأَمّا الوضعي فهو معرف له ومؤثر فيه (١).
_________________
(١) شرح تنقيح الفصول ٧٨، ٧٩، شرح مختصر الروضة ١/ ٤١١ - ٤١٦، ٤٣٨ - ٤٤٠، شرح الكوكب المنير ١/ ٣٤٣، ٤٣٥، معالم أصول الفقه ٣٢١، ٣٦٢، ٣٦٣، السبب عند الأصوليين ١/ ٩٥.
[ ١ / ١٠٩ ]
(ب) حكم التكليف لا يقوم بدون حكم الوضع:
إنَّ حكم التكليف مرتب على حكم الوضع ومُتَوَقِّف عليه، فلا يتصور انفراد حكم التكليف بدون حكم الوضع، فلا تكليف إلَّا وله سبب، وشرط، وعدم مانع (١).
يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "ولا يتصور انفراد التكليف؛ إذ لا تكليف إلَّا وله سبب، أَوْ شرط، أَوْ مانع" (٢).
ومن الممكن حصول حكم الوضع من دون حكم التكليف، وذلك مثل: أَنْ يبلغ شخص ولكن لا تجب عليه الصلاة؛ لأَنه مجنون، ومثل أَنْ يحول الحول على مال لدى شخص ولكن لا تجب عليه الزكاة؛ لأَنَّ النِّصاب لم يتم، وهكذا (٣)، فالسبب قد يوجد ولكن لا يتحقق شرطه أَوْ يوجد مانعه، فلا يترتب عليه أثره.
* * *
_________________
(١) شرح مختصر الروضة ١/ ٤٤٠، شرح الكوكب المنير ١/ ٣٤٤.
(٢) شرح تنقيح الفصول ٨١.
(٣) شرح الكوكب المنير ١/ ٣٤٤، شرح مختصر الروضة ١/ ٤٣٩. تنبيه: هناك فروق بين الحكم الوضعي والتكليفي تجدها في: السبب عند الأصوليين ١/ ١٣٢، الحكم الوضعي ٦٢، الحكم التكليفي ٤٥.
[ ١ / ١١٠ ]