لم أقف على من عرَّف "تَوْصِيف الأَقْضِيَة" قصدًا، لكن وردت عبارات عن الفقهاء يُعلم منها تعريفهم له، وقد وقفت من ذلك على ما يلي:
١ - قال محمد بن عبد السلام (ت: ٧٤٩ هـ): "ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه، وإنَّما الغرابة في استعمال كليات الفقه وتطبيقها على جزئيات الوقائع، وهو عسير" (٣).
٢ - وقال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم
_________________
(١) قطوف لغوية ٢٥٨.
(٢) الوسيط لمجمع اللغة ٢/ ٧٤٣.
(٣) نقلًا عن البهجة ١/ ٣٧، مواهب الجليل ٦/ ٨٧.
[ ١ / ٤٠ ]
الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبِّق أحدهما على الآخر" (١).
٣ - قال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - في تحقيق المناط (٢) بتعيين محل الحكم الشرعي-: "ومعناه أَنْ يثبت الحكم بمدركه الشرعي- أيْ بدليله- لكن يبقى النظر في تعيين محله" (٣).
٤ - وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "فاعلم أَنَّ كل مسألة تفتقر إلى نظرين: نظر في دليل الحكم، ونظر في مناطه فإذا تحقق له- أي للمكلف- المناط بأي وجهٍ تحقق فهو المطلوب، فيقع عليه الحكم بدليله الشرعي" (٤).
وهذا في تحقيق المناط للواقعة بتنزيل الحكم عليها لكل مكلف.
_________________
(١) إعلام الموقعين ١/ ٨٧ - ٨٨، وفي الطرق الحكمية ص ٤ - ٥ مثله، فقال - بعد ذكر ما سلف حاصله-: "ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب"، وانظر- أيضًا-: بدائع الفوائد ٣/ ١١٧، وفيه: "ثم يطبقَ بين هذا وهذا، بين الواقع والواجب- الحكم الكلي-، فيعطي الواقع حكمه من الواجب"، وانظر الِإعلام ٤/ ٢٠٤.
(٢) وهو أحد الاصطلاحات التي تطلق على التَّوْصِيف- كما سيأتي-.
(٣) الموافقات ٤/ ٩٠.
(٤) الاعتصام ٢/ ١٦١، وفي المعنى نفسه: الموافقات ٣/ ٤٣، ٤/ ٣٣٤.
[ ١ / ٤١ ]
ويقول أيضًا: "لا يَصِحّ للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلَّا أَنْ يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه؛ لأَنَّه سئل عن مناط معين فأجاب عن مناط غير معين" (١).
٥ - قال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ): " فليستحضر - يعني القاضي- حكم تلك الواقعة ثم ينقح الواقعة ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له" (٢).
٦ - ويقول ابن الغرس (ت: ٨٩٤ هـ): "ولا بُدَّ من التطبيق بين الدعوى والحجة- أي البينة- والمقضي به- أيْ الدليل من كتاب وسنة- " (٣).
٧ - ويقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "والفتوى والقضاء كلاهما تطبيق للتشريع، ويكونان في الغالب لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي بحيث تكون المسألة أَوْ القضية جزئيًّا (٤) من القاعدة الأصلية" (٥).
_________________
(١) الموافقات ٣/ ٨٣ - ٨٤.
(٢) مزيل الملام ص ١١٥.
(٣) الفواكه البدرية ص ٣٧، وانظر أيضًا المرجع نفسه ص ٨٩.
(٤) هكذا في الأصل ولعل صوابها: "جزءًا".
(٥) مقاصد الشريعة ٣١.
[ ١ / ٤٢ ]
ويستفاد مما تقدم أَنَ تَوْصِيف الأَقْضِيَة هو: تنزيل الحكم الكلي على الواقعة القضائية لمطابقتها له.
أَوْ هو: تطبيق الحكم الكلي على الواقعة القضائية بعد اكتمال المرافعة.
ويمكننا صياغة ذلك بصيغة ثالثة فنقول: إنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة هو: تحلية الواقعة القضائية الثابتة- بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي بعد اكتمال المرافعة.
وهذا تعريف للتَوْصِيف الموضوعي؛ لأَنَّه هو المراد عند الِإطلاق، وسوف يأتي تعريف لأنواع أخرى من التَّوْصِيف، وذلك عند ذكرها في موضعها من هذا الكتاب- إن شاء الله- (١).