إنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة مما لا يتم الحكم القضائي إلَّا به، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب، فالوقائع يتكرر نزولها، ولا يطابق بعضها بعضًا، بل تختلف عنها قليلًا أَوْ كثيرًا بحكم ما يحف بها عند وقوعها من علل دافعة، أَوْ عوارض مانعة، أَوْ ظرف زماني أَوْ مكاني، فلا يمكن التقليد فيها، فوجب الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في كل قضية تعرض على القاضي (٣)، يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بُدَّ من النظر فيها والاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أَنَّه تقدم لنا مثلها فلا بُدَّ من النظر في كونها مثلها أَوْ لا، وهو نظر اجتهاد" (٤).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٢٩.
(٢) المرجع السابق نفسه ٢٢/ ٣٣٠.
(٣) الموافقات ٤/ ٨٩ - ٩٣، مصادر المعرفة ٤٢٩، الثبات والشمول ٢٣٢ - ٢٣٤، المناهج الأصولية ٦، نظرية التعسف ١٩.
(٤) الموافقات ٤/ ٩٠.
[ ١ / ٦٢ ]
ثم إنَّ تقرير الحكم الكلي وأوصافه- مفترضاته ومُعَرِّفَاته- منزل في الأذهان لا على الأعيان، وهو مقرر لأجل تطبيقه على الأعيان، والأعيان والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة بل مشخصة، فلا بُدَّ من إيقاع الحكم عليها بتحلية الواقعة بالأوصاف المقررة في الحكم الكلي، وهذا هو التَّوْصِيف، ولو فرض عدمه لانعدم الحكم على الأعيان، وكان التكليف محالًا، وهو غير ممكن شرعًا وعقلًا (١).
يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد (٢) لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلَّا في الذهن؛ لأَنَّها مطلقات وعمومات، وما يرجع إلى ذلك منزلات (٣) على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنَّما تقع معينة مشخصة، فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلَّا بعد المعرفة بأَنَّ هذا المعين يشمله ذلك المطلق أَوْ ذلك العام فلا بُدَّ من هذا الاجتهاد في كل زمان؛ إذ لا يمكن حصول التكليف إلَّا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفًا بالمحال، وهو غير ممكن شرعًا كما أَنَّه غير ممكن عقلًا، وهذا
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٩٣ - ٩٤، مجموع الفتاوى ٢٩/ ١٥٣ - ١٥٤، شرح مختصر الروضة ٣/ ٢٣٥.
(٢) يعني: تحقيق المناط بتعيين محل الحكم الكلي وهو التَّوْصِيف للواقعة.
(٣) أي مفترضات.
[ ١ / ٦٣ ]
أوضح دليل في المسألة" (١).
ويقول ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ): "وحكّام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة، ولا يحكمون في الأمور الكلية، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أَنْ يحكموا بما في كتاب الله، فإنَّ لم يكن فبما في سنة رسول الله - ﷺ -، فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه" (٢).
ويقول الدريني (معاصر) في بيان أهمية التطبيق على الوقائع: "من الواضح أنَّ الاجتهاد في التطبيق أضحى لا يقل خطرًا عن الاجتهاد في الاستنباط الفقهي المجرد إن لم نقل: إنَّ الأول أعظم خطرًا، لأَنَّه يتعلق بالثمرات الواقعية، والآثار العملية في حياة الأمة، وهي الغاية القصوى من التشريع كله" (٣).
ومن هنا نشأت صعوبة أمر القضاء، يقول جعيط (ت: ١٩٧٠ م): "ولدقة تحقيق المناط وتطبيق القواعد على جزئياتها صَعُب أمر القضاء" (٤).
* * *
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٩٣ - ٩٤.
(٢) منهاج السنة ٥/ ١٣٢.
(٣) المناهج الأصولية ٦، والمعنى نفسه ص ٣٣ من المرجع المذكور، ونظرية التعسف ١٨.
(٤) الطريقة المرضية ص ٤٤.
[ ١ / ٦٤ ]