التحقيق لغة: مصدر من الرباعي حَقَّقَ؛ فيقال: تحقَّق الأمر والشيء عَرَفَ حقيقته وصار منه على يقين (٤)، وتحقق الأمرُ: صَحَّ ووقع (٥).
_________________
(١) انظر ذلك في الموضوع الأول من هذا التمهيد، الموافقات ٤/ ٩٠.
(٢) مختار الصحاح ص ٦٥٥، المصباح المنير ٢/ ٦٠١، الوسيط لمجمع اللغة ٢/ ٩١٥.
(٣) الأشباه والنظائر ص ٣٨٨، وانظر في المعنى نفسه: الموافقات ٤/ ٢٤٦.
(٤) مختار الصحاح ص ١٤٧، المصباح المنير ١/ ١٤٤، الوسيط لمجمع اللغة ١/ ١٨٨.
(٥) الوسيط لمجمع اللغة ١/ ١٨٨.
[ ١ / ٤٨ ]
والمناط لغة: اسم لموضع التعليق، وناط الشيء علقه (١).
والمراد بـ (تحقيق المناط) هنا: تطبيق الحكم الكلي على الواقعة القضائية.
وقد أطَلَقَ تحقيقَ المناط على تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع في القضاء والفتوى- وهو التَّوْصِيف- عددٌ من الأصوليين، منهم الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ)، فقد قسم الاجتهاد قسمين:
أحدهما: لا ينقطع إلَّا عند فناء الدنيا يوم قيام الساعة؛ لزوال التكليف.
والثاني: يمكن أَنْ ينقطع قبل فناء الدنيا (٢).
والمراد بالقسم الثاني: بيان وجود العلة المَنْصُوص عليها في الفرع، وهو القياس (٣).
وأَمَّا القسم الأول فالمراد به: تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع، وقد قال عنه الشاطبي: "ومعناه أَنْ يثبت الحكم بمدركه الشرعي- أيْ: بدليله- لكن يبقى النظر في تعيين محله" (٤).
_________________
(١) المصباح المنير ٢/ ٦٣٠، مختار الصحاح ص ٦٨٥.
(٢) الموافقات ٤/ ٨٩.
(٣) الموافقات ٤/ ٩٥، شرح مختصر الروضة ٣/ ٢٣٥.
(٤) الموافقات ٤/ ٩٠.
[ ١ / ٤٩ ]
وقال عنه- أيضًا- (١): "فكأَنَّه- يعني: الذي ينزل الأحكام على الوقائع- يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام (٢)، ويقيد به ما ثبت إطلاقه في الأول، أَوْ يضم قيدًا أَوْ قيودًا لما ثبت له في الأول بعض القيود، هذا معنى تحقيق المناط هنا". فالنظر في محل الحكم بتحليته بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي هو التَّوْصِيف الذي سلف ذكره.
وقال عنه الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "أَنْ يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها أَوْ مَنْصُوص عليها وهي الأصل، فيبين المجتهد وجودها في الفرع" (٣)، ومثَّل لذلك: بأَنَّ نفقة الزوجة والأقارب واجبة بقدر الكفاية، ثُمَّ قال: "فوجوب قدر الكفاية متفق عليه، أَمَّا كون الكفاية رطلًا أَوْ رطلين فيعلم بالاجتهاد" (٤).
وقال أيضًا: "ومن هذا الباب من أتلف شيئًا فعليه ضمانه بمثله أَوْ قيمته فهذا متفق عليه، لكن كون هذا مثلًا له أَوْ هذا المقدار قيمته
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٩٨ - ٩٩.
(٢) يعني به: تحقيق المناط بتقرير وتصوير النُّصُوص على الوقائع في الذهن مستمدًا من النُّصُوص الشرعية، وهو عمل الفقيه، مثل تعيين المثل في جزاء الصيد [الموافقات ٤/ ٩٧].
(٣) شرح مختصر الروضة ٣/ ٢٣٣.
(٤) المرجع السابق ٣/ ٢٣٤.
[ ١ / ٥٠ ]
فهو اجتهادي" (١).
وقال: "إنَّ هذا ليس بقياس" (٢).
فالاجتهاد بتعيين قدر الكفاية عند النزاع أَوْ تعيين الضمان بالمثل أَوْ القيمة هو التَّوْصِيف المطلوب تحلية الواقعة المتنازع فيها به.
وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "المناط هنا ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأَنَّه ليس المراد به العلة، وإنَّما المراد به النَّصّ العام، وتطبيق النَّصّ في أفراده هو هذا النوع من تحقيق المناط" (٣).
وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - وهو يتحدث عن المفتي وعمله في تَوْصِيف الواقعة بإنزال الحكم عليها-: "لا بُدَّ من نظره فيه- أيْ: فيما يبلغه عن ربه- من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية، ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، ومُوَقِّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره" (٤).
فتبين أَنَّه لا بُدَّ من تَوْصِيف الواقعة من قبل المفتي أَوْ القاضي،
_________________
(١) المرجع السابق نفسه ٣/ ٢٣٤.
(٢) المرجع السابق ٣/ ٢٣٦.
(٣) مذكرة أصول الفقه ص ٢٤٤.
(٤) الموافقات ٤/ ٢٤٦.
[ ١ / ٥١ ]
وكل ذلك يطلق عليه تحقيق المناط وإن تميز حكم القاضي بالنظر في ثبوت الوقائع والإِلزام دون المفتي (١).