وينقسم السبب من هذه الجهة قسمين، هما (١):
القسم الأول: سبب يقتضي عزيمة.
والعزيمة اصطلاحًا: حكم ثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح.
فهي ما شرع ابتداء من الأحكام وفق الدليل غير متصل بمعارض راجح، مثل: وجوب الصوم.
وهي الأصل في الأحكام، وتشمل الأحكام الخمسة، وأَمَّا ما شرع لأجل العارض فهو الرخصة -كما سيأتي-.
فالعزيمة راجعة إلى أمر كلي ابتدائي، والرخصة راجعة إلى جزئي مستثنى من ذلك الأصل الكلي (٢)، فالسبب المقتضي للعزيمة هو سبب العزيمة.
القسم الثاني: سبب يقتضي رخصة.
والرخصة اصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح.
فهي كالاستثناء من الدليل العام للعزيمة لدليل يخصه لمقتضٍ
_________________
(١) التقسيم مستفاد من الأمثلة المدرجة فيه.
(٢) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٧٦، أصول الفقه للخضري ٦٦، السبب عند الأصوليين ١/ ١٠٩.
[ ١ / ١٤٠ ]
من ضرورة، أَوْ مشقة، أَوْ إكراه، فالمقتضي للرخصة من الضرورة والِإكراه هو سببها، فمثال سبب الرخصة في حالة الضرورة: الاغتصاص باللقمة المبيح لشرب الخمر؛ لأَنَّه لا يوجد عنده ما يدفع به الغصة غير الخمر.
ومثال سبب الرخصة في حال الِإكراه: جواز النطق بكلمة الكفر لمن أكره عليها وقلبه مطمئن بالِإيمان.
ومثال سبب الرخصة حال المشقة التي لا تصل إلى حد الضرورة: السفر والمرض يُعَدَّان مظنة للمشقة وسببًا لها يقتضي إفطار الصائم.
والرخصة تجري فيها الأحكام التكليفية الثلاثة: الوجوب، والاستحباب، والِإباحة، فالوجوب مثل: أكل الميتة للمضطر لمن خشي على نفسه الهلاك.
والاستحباب مثل: قصر الصلاة في السفر، والجواز مثل: النطق بكلمة الكفر حال الِإكراه، وكل ذلك إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع.
ويتبين أَنَّ سبب الرخصة قد يكون اضطراريًا، كجواز أكل الميتة عن اضطرار في مخمصة، وقد يكون حاجيًا، مثل: الجمع والقصر في السفر (١).
_________________
(١) شرح الكوكب المنير ١/ ٤٧٨، أصول الفقه للخضري ٦٦، السبب عند الأصوليين ١/ ١١٥.
[ ١ / ١٤١ ]
وما سرت عليه هنا من تقسيم السبب إلى سبب يقتضي رخصة وسبب يقتضي عزيمة -يوافق مذهب مَنْ عدَّ الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية التي تترتب عليها الأحكام التكليفية (١)، وهذا هو الراجح؛ لأَنَّ العزيمة سبب لاستمرار الأحكام الأصلية العامة، والرخصة راجعة إلى جَعْل الشَّارع الأحوال الطارئة سببًا للتخفيف عن العباد، والسبب من الأحكام الوضعية لا التكليفية، فالرخصة والعزيمة لا طلب فيها ولا تخيير؛ بل وضعٌ وجُعْلٌ يترتب عليه حكم تكليفي (٢)، ولذا جرى عدُّها من الأسباب، وتقسيمها على نحو ما ذكرته آنفًا.