والمراد به: تحلية الواقعة القضائية بالأوصاف الشرعية المقررة
في الحكم الكلي بعد استجواب الطرفين.
فإذا فرغ القاضي من استجواب الطرفين لا بُدَّ له من تحديد الوقائع المؤثرة في الحكم والتي يتوجه عليها الإِثبات، وحذف الأوصاف الطردية التي لا يترتب على وجودها أَوْ فقدها ثمرة، وسبيل ذلك تَوْصِيف الواقعة توصيفًا ابتدائيًّا، وذلك بمقابلتها مع الحكم الكلي الملاقي لها، والاستفسار عن الأوصاف والوقائع التي يقتضيها الحكم تهيئة للوقائع المؤثرة للإِثبات، ثم يحدد القاضي ما تصادق عليه
[ ١ / ٦٧ ]
الطرفان، وما اختلفا فيه من الوقائع المؤثرة، ويوجه الإِثبات على ما اختلفا فيه (١).
يقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ): "والقاضي يستمع أولًا دعوى المدعي ويوفق هذه الدعوى على إحدى المسائل الشرعية فيستوضح القيود والشروط المقتضية" (٢).
وهذا التَّوْصِيف الابتدائي الموضوعي قد يتضاد فيكون للدعوى تَوْصِيف وللإِجابة تَوْصِيف آخر، وذلك سائغ، ولكن المعتدّ به التَّوْصِيف النهائي الذي تنتفي فيه المضادة، والقاضي عند التَّوْصِيف الابتدائي يحدد ماهية الواقعة المتنازع فيها متنقلًا من الأعم إلى الأخص حتى يصل إلى الحكم المحتمل، فبعد تقديم الوقائع له وسماع الدعوى يتساءل: هل هذه الواقعة من المعاملات أَوْ من الجنايات؟ ثم إذا كانت من المعاملات فهل هي من المعاملات المالية من بيوع وما في حكمها، أَوْ أَنَّها من الأنكحة وما يلحق بها؟ وإذا كانت من الأنكحة وما يلحق بها فهل هي من المواريث، أَوْ الوصايا، أَوْ المنازعة في عقد النكاح، أَوْ من الطلاق، أَوْ من عيوب النكاح، أَوْ من النشوز؟ وهكذا ينتقل القاضي- لأجل تصور الواقعة في الذهن- من الأعم إلى الأخص مراعيًا التقسيمات الممكنة حتى يصل إلى الحكم
_________________
(١) درر الحكام لحيدر ٤/ ٦٠٢، مزيل الملام ص ١١٣.
(٢) درر الحكام لحيدر ٤/ ٦٠٢.
[ ١ / ٦٨ ]
الكلي الفقهي المحتمل الانطباق على الواقعة فيحدده ويوصف الواقعة به توصيفًا ابتدائيًّا (١).
ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ هذا التَّوْصِيف الابتدائي منزل على افتراض صِحَّة أقوال الخصمين فكأَنَّه فتوى؛ إذ الغرض منه تهيئة الواقعة المؤثرة للإِثبات بطرق الحكم، ولذلك سمي توصيفًا ابتدائيًّا، وبهذا التَّوْصِيف يتم إعداد الواقعة للتَوْصِيف النهائي مما يؤكد التَّوْصِيف الابتدائي، أَوْ يُعدِّله، أَوْ يَعْدِلُ عنه.