الأصل في الأحكام الشرعية أَنْ تكون كلية منزَّلة على الأوصاف لا على الأشخاص والوقائع المعينة، وهذا هو الكثير الغالب فيها، فإذا وقعت بعد ذلك واقعة اجتهد القاضي والمفتي في تنزيلها على تلك الأحكام الكلية (١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ١٥٣، الموافقات ٣/ ٣٦٦.
[ ١ / ٧٣ ]
غير أَنَّه قد عرضت وقائع في عهد النبي - ﷺ - نزل بشأنها آيات من الله﷿-، أَوْ ورد بشأنها أحاديث من النبي - ﷺ -، وهذا ما يمكن أَنْ نطلق عليه التَّوْصِيف التشريعي.
والمراد به: ما جاء من الأحكام منزَّلًا على وقائع بأعيانها مباشرة بنَصٍّ الكتاب أَوْ السنة؛ إفتاءً، أَوْ قضاءً.
فإذا وقعت نازلة في عهد النبي - ﷺ -، واستدعت حكمًا، فنزل بخصوصها آية من كتاب الله، أَوْ قضى النبي - ﷺ - فيها أَوْ أفتى، فيكون ذلك توصيفًا لخصوص تلك النازلة، وهذا يشمل جميع الآيات التي نزلت على سبب معين أَوْ مقصودًا بها واقعة معينة، وكلَّ ما قضى فيه النبي - ﷺ - بين متخاصمين، أَوْ أفتى فيه بناءً على سبب معين بخصوص تلك الواقعة بأشخاصها وأحوالها ابتداء.
وأذكر بعض الأمثلة فيما يلي:
(أ) مثال ما تم توصيفه بالقرآن تشريعًا: أَنَّ أوس بن الصامت - ﵁- لما ظاهر امرأته خولة بنت ثعلبة﵂- جاءت خولة للنبي - ﷺ - شاكية حالها، عارضة ما حصل من زوجها فأنزل الله فيهما (١) قوله- تعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٤/ ٣٤٠.
[ ١ / ٧٤ ]
الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ١ - ٤].
فعن عائشة﵂- أَنَّها قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة إلى النبي - ﷺ - تكلمه وأنا ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله﷿-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية" (١)، فقد بين الله﷿- ما وقع من أوس بن الصامت على زوجته، وأَنَّه ظهار، وهذا هو التَّوْصِيف التشريعي عينُه.
(ب) مثال ما تمَّ توصيفه بالسُّنَّة تشريعًا: قضاء النبي - ﷺ - في شراج الحرة:
فعن عروة بن الزبير أَنَّه حَدَّث: "أَنَّ رجلًا من الأَنْصَارِ خاصم
_________________
(١) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٨/ ٢٩٨)، وهو برقم ٤٥٨، والبخاري معلقًا بصيغة الجزم (الفتح ١٣/ ٣٧٢) في كتاب التوحيد، باب "وكان الله سميعًا بصيرًا"، والنسائي (٦/ ١٦٨)، وهو برقم ٣٤٦٠، وابن ماجه (١/ ٣٨١)، وهو برقم ٢٠٧٣، والحاكم (٢/ ٥٢٣)، وهو برقم ٣٧٩٢/ ٩٢٩ وصححه، وأقره الذهبي في التلخيص.
[ ١ / ٧٥ ]
الزبير عند النبي - ﷺ - في شراج (١) الحَرَّة (٢) التي يسقون بها النخل، فقال الأَنْصَارِي: سَرِّح الماء يمرُّ، فأبى عليه، فاختصما إلى النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنْصَارِي فقال: أَنْ كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر (٣)، فقال الزبير: والله إنَّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] " (٤).
وغير ذلك كثير مما جاءت فيه أحكام النبي - ﷺ - بسبب خصومة معينة فقضى فيها بحكم كان فاصلًا للمتنازعين فيما تنازعوا فيه.