هناك فروق بين التَّوْصِيف الفتوي والتَّوْصِيف القضائي، ويظهر ذلك في الأمور الآتية:
_________________
(١) الموافقات ٤/ ٨٩، ٩٢.
(٢) الموافقات ٤/ ٩١، ٩٣، ٩٤.
[ ١ / ٨٢ ]
(أ) أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي منزَّل على صدق المستفتي فيما يذكره من وقائع.
أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فلا بُدَّ فيه من النظر في ثبوت الوقائع بطرق الحكم والإِثبات المقررة (١).
يقول عبد العزيز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "المفتي أسير المستفتي، والحاكم أسير الحجج الشرعية والظواهر" (٢).
ولا يعني ذلك الاسترسال في تصديق كل مستفت فيما يقدمه من وقائع، بل لا بُدَّ من الاحتياط من تلاعب المتلاعبين، وكشف حيل المحتالين (٣).
وقد أمر الله﷿- رسوله - ﷺ - بالتثبُّت من أعذار المعتذرين بالتخلُّف عن غزوة تبوك الذين لَبِسوا الأعذار ولا عذر لهم (٤)، فقال- تعالى-: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٢، ٤٣].
_________________
(١) الإِحكام للقرافي ص ٢٦، ٢٨، فتاوى السبكي ٢/ ١٢٣، شرح عماد الرضا ١/ ٥٩.
(٢) قواعد الأحكام ٢/ ٩١.
(٣) الإِحكام للقرافي ص ١١٨ - ١١٩، إعلام الموقعين ٤/ ٢٢٩، الكشاف ٦/ ٢٩٩.
(٤) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٧٤.
[ ١ / ٨٣ ]
٢ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي لا يترتب عليه إلزام حسي من المفتي، وإنَّما هو بيان لانطباق الأوصاف على الواقعة، وترتيب الحكم الكلي الفقهي من وجوب وإباحة وكراهة ونحوها من غير إلزام.
أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فيزيد على ذلك بأَنَّه يترتب عليه إلزام من الحاكم بما تقرر في الحكم الكلي (١).
٣ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي يجري فيما يترتب عليه الوجوب أَوْ الحرمة، أَوْ الإِباحة، أَوْ الندب، أَوْ الكراهة، أَوْ الصَحَّة، أَوْ البطلان.
أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فلا يجري فيما يترتب عليه الندب أَوْ الكراهة؛ لأَنَّ الندب والكراهة حمل على الحث بالفعل أَوْ الترك من غير إلزام، والقضاء إجبار وإلزام (٢).
٤ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي يدخل جميع أبواب العلم؛ في العقائد، والعبادات، والمعاملات، وغيرها.
أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فلا يدخل مسائل العلم الكلية كالتنازع في معنى آية أَوْ حديث، أَوْ حكم كلي، كتحريم السباع، وطهارة الأواني والمياه، ونحو ذلك مما يختلف فيه أهل العلم.
_________________
(١) فتاوى السبكي ٢/ ١٢٢ - ١٢٣، شرح عماد الرضا ١/ ٥٩.
(٢) بداية المجتهد ٢/ ٤٧٥، الإِحكام للقرافي ص ٣٤.
[ ١ / ٨٤ ]
كما لا يدخل التَّوْصِيف القضائي في العبادات صِحَّةً وفسادًا، وأسبابها وشروطها وموانعها، فالعبادات تَصْحِيحًا وإبطالًا ليست محلًا للقضاء، بل هي محل للفتيا، فلا يحكم القاضي بأَنَّ خروج الدم ينقض الوضوء أَوْ أَنَّه لا ينقضه، نَعَمْ يحكم القاضي بإلزام من امتنع عن أداء الزكاة، وليس ذلك من الحكم في صِحَّة العبادة أَوْ بطلانها.
كما لا يدخل التَّوْصِيف القضائي مسائل العقيدة، كتنازع الناس في الاستواء؛ لأَنَّ حكم الحاكم بصِحَّة هذا أَوْ ذاك مما ليس فيه فائدة (١).
يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "حكم الحاكم إنَّما يؤثر إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية" (٢).
وإنَّما لا يدخل التَّوْصِيف القضائي في هذه الأمور لأَنَّه لا إلزام فيها، فلا يتوجه النظر في توصيفها قضاء.
_________________
(١) موجبات الأحكام ص ١٩١، معين الحكام للطرابلسي ص ٣٩، ٤٢، الفروق ٤/ ٤٨، تبصرة الحكام ١/ ٧٩، ١١٤، تهذيب الفروق ٤/ ٨٩، البهجة ١/ ٣٥، الغياثي ص ١٩٨، عماد الرضا ١/ ٣٠٣، مجموع الفتاوى ٣٠/ ٢٣٨، ٢٧/ ٢٩٧، ٢٩٩، ٣٥/ ٣٦٠، الإِنصاف ١١/ ٣١٤، مغنى ذوي الأفهام ص ٢٣٢، مطالب أولى النهي ٦/ ٥٣٥.
(٢) الفروق ٤/ ٤٩، وانظر: تهذيب الفروق ٤/ ٩١.
[ ١ / ٨٥ ]
٥ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي يدخل ما لا يثبت في الذمة ويسقط بفواته، مثل: رد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة.
ولا يدخل التَّوْصِيف القضائي ذلك؛ لأَنَّه لا إلزام فيه (١).
* * *
_________________
(١) بداية المجتهد ٢/ ٤٧٥، شرح المنتهى ٣/ ٥٨٩، الكشاف ٤/ ٤٨١.
[ ١ / ٨٦ ]