وَيَنْبَغِي للْملك أَن لَا يمْضِي الْأُمُور بهاجس رَأْيه ونتائج فكره تَحَرُّزًا من إفشاء سره والاستعانة بِرَأْي غَيره حَتَّى يشاور ذَوي الأحلام والنهى وَأهل الْأَمَانَة والتقى مِمَّن قد حنكتهم التجارب فارتضوا بهَا وَعرفُوا عِنْد موارد الْأُمُور حقائق مصادرها فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ استبداده بِرَأْيهِ أضرّ عَلَيْهِ من إذاعة سره وَلَيْسَ كل الْأُمُور المبرمة أسرارا مكتومة وَلَا الْأَسْرَار المكتومة بمشاورة النصحاء فَاشِية مَعْلُومَة
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ مَا سعد أحد بِرَأْيهِ وَلَا شقي عَن مشورة
[ ٧٣ ]
قَالَ بعض الْحُكَمَاء الاستشارة عين الْهِدَايَة وَقد خاطر من اسْتغنى بِرَأْيهِ
وَقَالَ بعض البلغاء من حق الْعَاقِل أَن يضيف إِلَى رَأْيه آراء الْعلمَاء وَيجمع إِلَى عقله عقول الْحُكَمَاء فَالرَّأْي الْفَذ رُبمَا زل وَالْعقل الْفَرد رُبمَا ضل ويعتمد على استشارة من صَلَاحه مَوْصُول بصلاحه إِذا كَانَ عريا من الْهوى فِي المشورة فَإِن الْهوى يصد عَن الرَّأْي وَيمْنَع من الرُّؤْيَة
وَقَالَ النَّبِي ﷺ حبك للشَّيْء يعمي ويصم أَي يعمي عَن الرشد ويصم عَن الموعظة
[ ٧٤ ]
وَلَا يصور فِي نَفسه قبح الْحَاجة إِلَى رَأْي غَيره فَإِنَّهُ لَيْسَ يُرِيد الرَّأْي للإفتخار بِهِ وَإِنَّمَا يُريدهُ للِانْتِفَاع
وَقد قَالَت الْحُكَمَاء من كَمَال عقلك استظهارك على عقلك
وَقَالَ بعض البلغاء إِذا أشكلت عَلَيْك الْأُمُور وَتغَير لَك الْجُمْهُور فَارْجِع إِلَى رَأْي الْعُقَلَاء وافزع إِلَى استشارة الْعلمَاء وَلَا تأنف من الاسترشاد وَلَا تستنكف من الاستمداد فَلِأَن تسْأَل وتسلم خير من أَن تستبد وتندم
وتكثر من استشارة ذَوي الْأَلْبَاب لاسيما فِي الْأَمر الْجَلِيل فَإِن لكل عقل ذخيرة من الصَّوَاب ومسكنا من التَّدْبِير ولقلما يضل عَن الْجَمَاعَة رَأْي أَو يذهب عَنْهُم الصَّوَاب
وَلَا يجمعهُمْ على المشورة فَيكون الرَّأْي وَاحِدًا أَو يُوقع بَينهم إحنا وَلَا يطلع بَعضهم على استشارة بعض ليحيل كل وَاحِد مِنْهُم فكره فِي الرَّأْي طَمَعا فِي الحظوة بِالصَّوَابِ
وَليكن مَعَ ذَلِك غير وان فِي الفكرة وَلَا مقصرا فِي الارتياء اتكالا على الِاسْتِعَانَة بآرائهم فَيكون فِي الرَّأْي مفوضا وَفِي الْأَمر
[ ٧٥ ]
مُقَلدًا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الاستسلام لرأي المشير هُوَ الْعَزْل الْخَفي فَإِذا أظهروه من مَكْنُون آرائهم سبرها بِرَأْيهِ واختبرها بعقله وسألهم عَن أُصُولهَا وفروعها وباحثهم عَن أَسبَابهَا ونتائجها وَلم يبد لَهُم رَأْيه فَإِنَّهُ يَسْتَفِيد بذلك ثَلَاث خِصَال
إِحْدَاهُنَّ معرفَة عقله وَصِحَّة رُؤْيَته
وَالثَّانيَِة معرفَة عقل صَاحبه وصواب رَأْيه
وَالثَّالِثَة وضوح مَا انغلق من الصَّوَاب
فَإِذا تقرر لَهُ الرَّأْي أَمْضَاهُ وَلم يَأْخُذهُمْ بعواقب الإكداء فِيهِ فَإِنَّمَا على الناصح الِاجْتِهَاد وَلَيْسَ عَلَيْهِ ضَمَان النجاح
وَقد قيل فِي الْمثل الطَّالِب للنجاح كالضارب للقداح سهم لَهُ وَسَهْم عَلَيْهِ