وَيكون كثير الاعتناء بسيرة حماة الْبِلَاد وولاة الْأَطْرَاف الَّذين قد فوض إِلَيْهِم أمانات ربه واستخلفهم على حفاظ خلقه فَينْدب لذَلِك من أمنائه من قد حَاز خِصَال التَّفْوِيض وَاسْتحق بحزمه وشهامته الْولَايَة والتقليد
وَقد قَالَ أردشير فِي بعض حكمه لَا يصلح لسد الثغور وقود الجيوش وتدبير الْخُيُول وحراسة الأقاليم إِلَّا من تكاملت فِيهِ خمس خلال
حزم يتَيَقَّن بِهِ عِنْد موارد الْأُمُور وحقائق مصادرها وَعلم يحجزه عَن التهور فِي المشكلات إِلَّا عِنْد تجلي فرصتها وشجاعة لَا ينقصها الملمات بتواتر جوائحها وعظيم هولها وَصدق فِي الْوَعْد والوعيد يوثق مِنْهُ بِالْوَفَاءِ عَلَيْهَا وجود يهون عِنْده تبذير الْأَمْوَال عِنْد ازدحام السُّؤَال عَلَيْهِ
[ ١٠٥ ]
وَهَذِه خِصَال إِن لم يحزها ذَوُو السياسة ويكملها أولو الرِّعَايَة كَانَ إخلالهم فِيمَا يقلدون من أَعْمَالهم بِقدر إخلالهم بِمَا عدموه مَعَ تَكَامل خصالهم وَقد يقْتَرن بِهَذِهِ الْخِصَال مَا يُخَالف حَاله على حسب اخْتِلَاف الزَّمَان فَرُبمَا حمد من أخلاقه فِي بعض الْأَزْمَان اللين واللطف وَفِي بعض الْأَزْمَان الخشونة والعنف فَإِن لكل زمَان حكما وَلكُل قوم تدبيرا
وَقد وصف عمر بن الْخطاب رضوَان الله عَلَيْهِ أَخْلَاق الْوُلَاة فَقَالَ لَا يصلح أَن يَلِي أَمر الْأمة إِلَّا حصيف الْعقْدَة قَلِيل الْغرَّة بعيد الهمة لَا يخْشَى فِي الله لومة لائم ثمَّ يكون شَدِيدا من غير عنف لينًا من غير ضعف جوادا من غير سرف
وَهَذِه الْأَخْلَاق الَّتِي وصفهَا يجب أَن تكون لَازِمَة لكل وَال مطبوعة فِي كل مُدبر
ثمَّ يحفظ مَرَاتِب جَمَاعَتهمْ وَينزل كل وَاحِد مِنْهُم الْمنزلَة الَّتِي يَسْتَحِقهَا لكفايته وَحسن أَثَره فَإِن حفظ الْمَرَاتِب فِي المملكة أولى من حفظ السّمع وَالْبَصَر لعظم المنافسة فِيهَا وَكَثْرَة
[ ١٠٦ ]
الْمُزَاحمَة عَلَيْهَا وَقد يُدَلس عَلَيْهَا كتدليس البهرج وترشح لَهَا من لَيْسَ من أَهلهَا غَاصبا عَلَيْهَا فتصغر فِيهَا أَيدي أَرْبَابهَا وَينفذ فِيهَا حكم غصابها وَلَيْسَ كل من تعاظم بعظيم وَلَا كل من تسود بِسَيِّد صَار والناسك غير المتناسك والشريف غير المتشرف وَلَا خير فِي مملكة الرؤوس فِيهَا أذنابا والأذناب رؤوسا
وَهَذَا أَمر يجب صرف الاهتمام إِلَيْهِ لما فِي نظامه من نضارة الْملك وغضارته وبهجة الْعَيْش ولذته إِذْ لَا شَيْء أعظم إيحاشا من إِضَاعَة مثله سعي الكفاة وَرفع السفلة الدناة
فَإِذا حمد سعي صَاحب فِي ولَايَته أقره على عمله فَإِنَّهُ وَإِن حسن أَن ينْقل الْجند من مرتبَة إِلَى أُخْرَى فَلَيْسَ بصواب أَن ينْقل وَالِي مَدِينَة إِلَى مَدِينَة أُخْرَى وَلَا وَصَاحب خراج إِلَى ولَايَة أُخْرَى بل تكون ولَايَته مَا بَقِي على جميل السِّيرَة فَإِن أَتَى بِمَعْصِيَة أَو خِيَانَة صرفه صرفا لَا ولَايَة بعده إِلَّا عَن تَوْبَة وإقلاع
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْحَاشِيَة والحكام وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنه مَتى عرف من السُّلْطَان أَنه يرى الصّرْف والاستبدال اعْتقد كل وَال أَن أَيَّامه قَصِيرَة فَعمل لسوق يَوْمه محتجنا للأموال فِي صدر ولَايَته
[ ١٠٧ ]
وَلم يلْتَفت إِلَى صَلَاح غده فَإِذا صرف خلف الْبِلَاد على من بعده مَرِيضَة ثمَّ زَادهَا الثَّانِي مَرضا حَتَّى تخرب
فَإِذا سكنت نفس النَّاظر أَن أَعماله مقرة عَلَيْهِ نظر فِيهَا كنظر الشافي غلاتهم وَكَانَ فكره فِي صَلَاح غده قبل فكره صَلَاح يَوْمه لعلمه بِأَن خير الْعَاقِبَة أَو شَرها عَائِد عَلَيْهِ ومنسوب إِلَيْهِ
وَليكن نزها عَن أَمْوَالهم غير طامع فِي شَيْء من أَحْوَالهم فَإِنَّهُ إِن طمع مِنْهُم فِي الْيَسِير أطمعهم فِي الْكثير وَإِن أَخذ مِنْهُم مَالا أخذُوا مِنْهُ أضعافه فيظن أَنه قد ارتفق بِمَال غَيره وَهُوَ قد أَخذ بعض حَقه مَعَ قبح القالة وَسُوء العاقية
وَقد قيل من طمع فِي أَمْوَال عماله ألجأ بهم إِلَى اقتطاع أَمْوَاله
وَقَالَ أنو شرْوَان من خَافَ شرك أفسد أَمرك
وَقَالَ أردشير لَا ترجو خير من لَا يَرْجُو خيرك وَلَا تأمن جَانب
[ ١٠٨ ]
من لَا يَأْمَن جَانِبك
فَإِن ظهر مِنْهُم على مَال قد احتجنوه أَو حق قد خانوه طالبهم بِهِ مُطَالبَة الْمَدِين الْمنصف ثمَّ كَانَ من وَرَاء تأديبهم بعد اسْتِيفَاء حَقه واسترجاع مَاله
وَإِذا وجد من بعض خدمه هفوة أَو تقصيرا لم يَأْته عمدا وَلَا فعله قصدا لم يَأْخُذهُ بذنب الدَّهْر وعوائق الْقَضَاء مَعَ حسن الثِّقَة بِهِ
فقد قيل أَي عَالم لَا يهفو وصارم لَا ينبو وجواد لَا يكبو
وَقَالَ الشَّاعِر
(وَلست بمستبق أَخا لَا تلمه على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
[ ١٠٩ ]
وَإِذا قطعت بَعضهم عَن الْخدمَة قواطع ظَهرت أعذارها ووضح برهانها لم يكلفه فعل مَا لَيْسَ فِي وَسعه فقد تقطع الْمُلُوك القواطع عَن حُقُوق أنفسهم فَكيف بأوليائهم وخدمهم