فقد قَالَ أنو شرْوَان إِنِّي بلغت هَذِه الرُّتْبَة بثمان خِصَال وَذَلِكَ أَنِّي لم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي قطّ وَلَا أخلف فِي وعد وَلَا وَعِيد قطّ وَوليت للكفاية وَأثبت للغناء لَا للهوى وعاقبت للأدب لَا للغضب وأودعت قُلُوب الرّعية شدَّة الْمحبَّة من غير جرْأَة وَقُوَّة الهيبة من غير ضغينة وعممت بالقوت وحذفت الفضول
وَهَذِه أوضح سيرة سَار بهَا ملك فِي سياسة ملكه وحراسة دولته
[ ١٢٣ ]
وَقَالَ الشَّاعِر
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْعَظِيم من الذُّنُوب لفضلها)
(وَلَقَد تعاقب فِي الْيَسِير وَلَيْسَ ذَاك لجهلها)
(إِلَّا ليعرف فَضلهَا وَيخَاف شدَّة نكلها)
وليعلم أَن الْقبْح فِي الظُّلم بِقدر الْحسن فِي الْعدْل والزهد فِي ولَايَة الظَّالِم بِقدر الرَّغْبَة فِي ولَايَة الْعَادِل
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يخْتَار لنَفسِهِ الرَّغْبَة فِي أَيَّامه بتسليط الْعدْل على ملكه وَالْإِحْسَان إِلَى رَعيته فَإِنَّهُ إِن قدر على ملكة أَجْسَادهم بسلطانه فَلَيْسَ يقدر على ملكة قُلُوبهم إِلَّا بإحسانه
وَقد قيل من جمع المَال لنفع غَيره أطاعوه وَمن جمع المَال لنفع نَفسه أضاعوه
[ ١٢٤ ]
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء من خَافَ إساءتك اعْتقد مساءتك
فَإِن فتش عَن سرائرهم مَعَ استقامة ظواهرهم وَأَرَادَ أَن يؤاخذهم بِمَا يخفونه من ضمائرهم فقد كلف نَفسه هما قد كفيه واستفسد من يطيعه ويتقيه وَعدل عَمَّا يستصلح بِهِ السرائر من الْإِحْسَان إِلَى مَا يستفسد بِهِ الظَّوَاهِر من المكاشفة
وَحكى اليزيدي ﵀ أَن كسْرَى بن قباذ رفع إِلَيْهِ رجل من أَصْحَابه إِن فِي بطانة الْملك جمَاعَة قد فَسدتْ نياتهم وخبثت ضمائرهم وَقد هموا بِمَا لم يَفْعَلُوا وهم غير مأمونين على الْملك فَوَقع أَنا أملك الأجساد لَا النيات وَأحكم بِالْعَدْلِ لَا بالرضى وأفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن السرائر