وَإِذا كَانَ الْوَقار مَحْمُودًا وَكَانَ الْإِنْسَان بِهِ مَأْمُورا فَوَاجِب أَن نصف مِنْهُ فصولا دَالَّة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا
فَمن ذَلِك قلَّة التسرع إِلَى الشَّهَوَات والتثبت عِنْد الشُّبُهَات
[ ٦٢ ]
وَاجْتنَاب سرعَة الحركات وخفة الإشارات ثمَّ إطراق الطّرف وَلُزُوم الصمت فَإِنَّهُ أبلغ فِي الْوَقار وَأسلم من هَذَا الْكَلَام مَعَ أَن الْملك ملحوظ الأنفاس مَنْقُول اللَّفْظ
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء الْحصْر خير من الهذر لِأَن الْحصْر يضعف الْحجَّة والهذر يتْلف المهجة
وَقَالَ بعض البلغاء الزم الصمت فَإِنَّهُ يكسبك صفو الْمحبَّة ويؤمنك سوء المغبة ويلبسك ثوب الْوَقار وَيَكْفِيك مُؤنَة الِاعْتِذَار وَتكلم أَرْبَعَة من حكماء الْمُلُوك بأَرْبعَة كَلِمَات كَأَنَّهَا رميت عَن قَوس
فَقَالَ ملك الرّوم أفضل علم الْعلمَاء السُّكُوت
وَقَالَ ملك الْفرس إِذا تَكَلَّمت بِالْكَلِمَةِ ملكتني وَلم أملكهَا
وَقَالَ ملك الْهِنْد أَنا على رد مَا لم أقل أقدر مني على رد مَا قلت
وَقَالَ ملك الصين نَدِمت على الْكَلَام وَلم أندم على السُّكُوت
[ ٦٣ ]
وليعلم أَن الْحَاجة إِلَى الصمت أَكثر من الْحَاجة إِلَى الْكَلَام لِأَن الْحَاجة إِلَى الصمت عَامَّة وَالْحَاجة إِلَى الْكَلَام عارضة فَلذَلِك مَا وَجب أَن يكون صمت الْعَاقِل فِي الْأَحْوَال أَكثر من كَلَامه فِي كل حَال
حُكيَ أَن بعض الْحُكَمَاء رأى رجلا يكثر الْكَلَام ويقل السُّكُوت فَقَالَ لَهُ إِن الله تَعَالَى إِنَّمَا جعل لَك أذنين وَلِسَانًا وَاحِدًا ليَكُون مَا تسمعه ضعف مَا تَتَكَلَّم بِهِ فَإِذا دَعَتْهُ الْحَاجة إِلَى الْكَلَام سبره وَقيل اللِّسَان وَزِير الْإِنْسَان فَإِذا تكلم تحذر من الْإِكْثَار فَقل من كثر كَلَامه إِلَّا وَكثر ندمه
وَقد قيل من كثر كَلَامه كثرت آثامه وَلَا يَنْبَغِي أَن يعجب بجيد كَلَامه وَلَا بصواب مَنْطِقه فان الْإِعْجَاب بِهِ سَبَب الْإِكْثَار مِنْهُ وَقد قيل من أعجب بقوله أُصِيب بعقله