فَأَما الْعلم فَيَنْبَغِي للْملك أَن يعرف فَضله ويستبطن أَهله ليَكُون بِالْعلمِ موسوما وَإِلَيْهِ مَنْسُوبا فَإِن الْإِنْسَان مَوْسُوم بسيما من قاربه ومنسوب إِلَيْهِ أفاعيل من صَاحبه وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ الْمَرْء على دين خَلِيله
وَقَالَ الْمَرْء مَعَ من أحب
[ ١١٩ ]
وَقَالَت الْحُكَمَاء يظنّ الْمَرْء مَا يظنّ بقرينه
وَقد تخْتَص الْمُلُوك من هَذَا بِمَا يباينون بِهِ من سواهُم لخفاء أَحْوَالهم عَن الرّعية فيقضون عَلَيْهِم بِمَا قد عرفوه من أَحْوَال بطائنهم فَإِن استبطنوا الْعلم قضوا عَلَيْهِم بِالْعلمِ وَإِن استبطنوا الْجَهْل قضوا عَلَيْهِم بِمَا عرفوه من أَحْوَال بطانتهم الْجُهَّال وَإِن علمُوا مَا ينتشر من الْفساد الْعَظِيم بإهمال الْعلمَاء وَترك مُرَاعَاتهمْ وَذَلِكَ أَنه رُبمَا بعث بَعضهم قلَّة الْمَادَّة وَضعف الْحَال على مُسَامَحَة النَّفس فِي التبذل وارتكاب الشّبَه فِي التكسب فَإِذا وَافق ذَلِك إِعْرَاض السُّلْطَان عَنْهُم قبحت آثَارهم عِنْد الْعَامَّة وتقاصرت رتبتهم عِنْد الْخَاصَّة فهجروا هجر الْأَعْدَاء وزجروا زجر السُّفَهَاء ثمَّ سرى ذَلِك فِي حواصهم ومتصونيهم وَعم فِي جنسهم ومتدينهم فَذَهَبت بهجة الْعلم وبهاؤه وَقل طلابه وعلماءه وَصَارَ ذَرِيعَة إِلَى انقراضه ودراسته
ثمَّ لَا يبعد أَن يظْهر أهل نحل مبتدعة ومذاهب مخترعة يزوقون كلَاما مموها ويزخرفون مذهبا مشوها يخلبون بِهِ قُلُوب الأغمار ويعتضدون على نصرته بالسفلة الأشرار فَيصب النَّاس إِلَيْهِم وينعطفوا عَلَيْهِم بخلابة كَلَامهم وَحسن ألطافهم مَعَ أَن لكل جَدِيد لَذَّة وَلكُل مستحدث صبوة وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن أخوف
[ ١٢٠ ]
مَا أَخَاف على أمتِي مُنَافِق عليم اللِّسَان
فَتَصِير حِينَئِذٍ الْبدع فَاشِية ومذاهب الْحق واهية ثمَّ يُفْضِي بهم الْأَمر إِلَى التحزب والعصبة فَإِذا رَأَوْا كَثْرَة جمعهم وَقُوَّة شوكتهم داخلهم عز الْقُوَّة ونخوة الْكَثْرَة فتضافر جهال نساكهم وفسقة عُلَمَائهمْ بالميل على مخالفيهم فَإِذا استتب لَهُم ذَلِك زاحموا السُّلْطَان فِي رئاسته وقبحوا عِنْد الْعَامَّة جميل سيرته فَرُبمَا انفتق مَالا يرتق فَإِن كبار الْأُمُور تبدو صغَارًا
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ أهلك أمتِي رجلَانِ عَالم فَاجر وجاهل متعبد وَسُئِلَ عَن شرار الأشرار فَقَالَ شرار الْعلمَاء
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ قَصم ظَهْري رجلَانِ
[ ١٢١ ]
ناسك جَاهِل يَدْعُو إِلَى جَهله بنسكه وعالم فَاسق يَدْعُو إِلَى فسقه بِعِلْمِهِ
وَهَذَا أَمر يجب على الْملك مراعاته لما فِيهِ من حراسة الدّين وَحفظ المملكة وحسم ذَلِك أَن يُرَاعِي الْعلم وَأَهله وَيصرف إِلَيْهِم حظا من عنايته ويعتمد أهل الْكَفَاءَة مِنْهُم بالتقريب والصيانة وَأهل الْحَاجة مِنْهُم بالرفد والإعانة فَفِي ذَلِك بهاء الْملك وإعزاز الدّين
وَقد قيل إِن من إجلال الشَّرِيعَة إجلال أهل الشَّرِيعَة