وليعلم أَنه لَا استقامة لَهُ ولرعيته إِلَّا بتهذيب أعوانه وحاشيته لِأَنَّهُ لَا يقدر على مُبَاشرَة الْأَمر بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَنِيب فِيهَا الكفاة من أَصْحَابه وَقد شبه المتقدمون السائس الْمُدبر للمملكة فِي
[ ٩٥ ]
السّلم وَالْحَرب بالطبيب الْمُدبر للجسد فِي حفظ الصِّحَّة وعلاج الْأَمْرَاض وشبهوا الْيَدَيْنِ فِي بطشها بالجند والأعوان وَالرّجلَيْنِ بِالْكُرَاعِ وَالظّهْر والعينين بالحجاب والحرس والأذنين بأصحاب الْبَرِيد وَالْأَخْبَار وَاللِّسَان فِي نطقه بالوزراء وَالْكتاب بالخطباء والأعضاء الْمُجَاورَة للقلب بحاشية الْملك على طبقاتهم فِي الْقرب والبعد
وحاجة الْخَاصَّة إِلَى الْعَامَّة فِي الِاسْتِخْدَام كحاجة الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة إِلَى الَّتِي لَيست بشريفة لِأَن بعض الْأُمُور لبَعض سَبَب وعوام النَّاس لخواصهم عدَّة وَلكُل صنف مِنْهُم إِلَى الآخر حَاجَة وَإِذا كَانَ أعوانه مِنْهُ بِمَنْزِلَة أَعْضَائِهِ الَّتِي لَا قوام للجسد إِلَّا بهَا وَلَا يقدر على التَّصَرُّف إِلَّا بِصِحَّتِهَا واستقامتها وَجب عَلَيْهِ تَقْوِيم عوجهم وَإِصْلَاح فاسدهم وإبادة من لَا يُرْجَى صَلَاحه مِنْهُم كالسلع الَّتِي لَا يَسْتَقِيم الْجَسَد إِلَّا بقطعها
قَالَ أبرويز من اعْتمد على كفاة السوء لم يخل من رَأْي فَاسد وَظن كَاذِب وعدو غَالب
وأصل مَا يَبْنِي عَلَيْهِ قَاعِدَة أمره فِي اختبار أعوانه وكفاته أَن
[ ٩٦ ]
يختبر أهل دولته ويسبر جَمِيع حَاشِيَته ويتصفح عُقُولهمْ وآراءهم وَمَعْرِفَة هممهم وأغراضهم حَتَّى يعرف بواطن أَحْوَالهم وكوامن أَخْلَاقهم فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك وجد طباعهم مُخْتَلفَة وهممهم متباينة فَيصْرف كل وَاحِد فِيمَا طبع لَهُ وجبل عَلَيْهِ وَلَا يُعْطي أحدهم منزلَة لَا يَسْتَحِقهَا وَلَا يستكفيه أَمر ولَايَة لَا ينْهض بهَا وَلَا ينقصهُ عَن مرتبته الَّتِي يَسْتَحِقهَا بِحسن كِفَايَته فكلا الْأَمريْنِ مُضر وبالسياسة معر
وَقد قَالَ بهْرَام جور لَا شَيْء أضرّ على الْملك من استخبار من لَا يصدق إِذا خبر واستكفاء من لَا ينصح إِذا دبر
وَقد قيل لبرز جمهر كَيفَ اضْطربَ بعض أُمُور آل ساسان وَفِيهِمْ مثلك قَالَ لأَنهم استعانوا بأصاغر الْعمَّال على أكَابِر الْأَعْمَال فآل أَمرهم إِلَى مَا آل
وَقيل من اسْتَعَانَ بأصاغر رِجَاله على أكَابِر أَعماله فقد ضيع الْعَمَل وأوقع الْخلَل
وَقد قَالَ بعض حكماء البلغاء من استوزر غير كَاف خاطر
[ ٩٧ ]
بِملكه وَمن اسْتَشَارَ غير أَمِين أعَان على هلكه وَمن أسر إِلَى غير ثِقَة ضيع سره وَمن اسْتَعَانَ بِغَيْر مُسْتَقل أفسد أمره وَمن ضيع عَاقِلا دلّ على ضعف عقله وَمن اصْطنع جَاهِلا أعرب عَن فرط جَهله
وليحذر تَوْلِيَة أحد بشفاعة شَفِيع أَو لرعاية حُرْمَة إِذا لم يكن مضطلعا بثقل مَا ولي وَلَا ناهضا بعبء مَا استكفي
فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء من قلد لذِي الْكِفَايَة سلم وَمن قلد لذِي الرِّعَايَة نَدم
وَكَذَلِكَ لَا يُورث الْأَبْنَاء منَازِل الْآبَاء إِذا لم يتناسبوا فِي الشيم والطباع كَمَا لَا يَرث الأشرار مَرَاتِب آبَائِهِم الأخيار وَلَا يستخدم فِي الكتبة من كَانَ أَبوهُ كَاتبا إِذا كَانَ هُوَ غير كَاتب فَإِن أحب مُكَافَأَة أحد من هَؤُلَاءِ كافأه بِالْمَالِ والصلة وأضرب عَن إطعامه فِي الْولَايَة ليَكُون قَاضِيا لحقوقهم بِمَالِه وَلَا يكن قَاضِيا لحقوقهم بِملكه
حُكيَ أَنه كَانَ على بَاب كسْرَى ساجة منقوشة بِالذَّهَب عَلَيْهَا
[ ٩٨ ]
مَكْتُوب الْعَمَل للكفاة وَقَضَاء الْحُقُوق على بيُوت الْأَمْوَال
وَمن رَآهُ قد تصدى للمعالي لَيْسَ من أبنائها فَلَا بَأْس باستكفائه إِذا كَانَ على مَا تصدى لَهُ مطبوعا وَإِلَيْهِ مَنْسُوبا إِذْ لَا سَبِيل إِلَى نجباء أَوْلَاد نجباء على الْأَبَد