حق على كل من مكنه الله ﷿ فِي أرضه وبلاده وائتمنه على خلقه وعباده أَن يُقَابل جزيل نعمه بِحسن السريرة وَيجْرِي فِي الرّعية بجميل السِّيرَة
قَالَ الله ﷾ ﴿وَلَا تنس نصيبك من الدُّنْيَا وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن سَار فِيمَن بَين ظهريه بسيرة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وزرها ووزر العاملين بهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء
[ ٨٧ ]
وَحكي أَن عُثْمَان بن عبد الله وقف على مُحَمَّد بن سَمَّاعَة القَاضِي وَهُوَ فِي مجْلِس قَضَائِهِ يحكم بَين النَّاس فَقَالَ اسْمَع لَا سَمِعت يَا ابْن سَمَّاعَة ثمَّ أنشأ يَقُول
(لقد كلفت يَا مِسْكين أمرا تضيق لَهُ قُلُوب الخائفينا)
(أتعلم أَن رب الْعَرْش قَاض وتقضي أَنْت بَين العالمينا)
فَقَامَ ابْن سَمَّاعَة من مَجْلِسه ودموعه جَارِيَة على خَدّه
وَلَيْسَ أحد أولى بالحذر والإشفاق وَأَحْرَى بِالنّصب وَالِاجْتِهَاد مِمَّن تقلد أُمُور الرّعية لانقيادهم لحكمه وتصرفهم بَين أمره وَنَهْيه وَصَلَاح جَمَاعَتهمْ بصلاحه وَفَسَاد أُمُورهم بفساده
وَقد قَالَت الْحُكَمَاء رشاد الْوَالِي خير من خصب الزَّمَان
[ ٨٨ ]
وأرشد الْوُلَاة من حرس ولَايَته بِالدّينِ وانتظم بنظره صَلَاح الْمُسلمين وَرُبمَا أهمل بعض الْمُلُوك أَمر الدّين وعول فِي أُمُوره على قوته وَكَثْرَة أجناده وَلَيْسَ يعلم أَن أجناده إِذا لم يعتقدوا وجوب طَاعَته فِي الدّين كَانُوا أضرّ عَلَيْهِ من كل ضرّ مباين لاقتراحهم عَلَيْهِ مَا لَا ينْهض بِهِ وتحكمهم عَلَيْهِ بِمَا لَا يثبت لَهُ فَإِن سمعُوا بنابغ نبغ عَلَيْهِ قوي طمعهم فِي اجتياج أَمْوَاله وَلم يقنعهم اسْتِيعَاب حَاله فَكَانَ مِنْهُم على شفا جرف لَا يَأْمَن من سطوتهم بِهِ
وَقد قيل من جعل ملكه خَادِمًا لدينِهِ انْقَادَ لَهُ كل سُلْطَان وَمن جعل دينه خَادِمًا لملكه طمع فِيهِ كل إِنْسَان