وليعلم الْملك أَن فِي الْأُمُور الَّتِي يعم نَفعهَا إِذا صلحت ويشتمل ضررها إِذا فَسدتْ فَمِنْهَا
أَمر الدَّرَاهِم والنقود فَإِن مَا يعود على الْملك من نفع صَلَاحهَا بسعة دخله وَقلة خرجه أَضْعَاف مَا يعود من نَفعهَا على رَعيته فَإِن سامح فِي غشها وأرخص فِي خلط الْفضة بغَيْرهَا حدث من ضَرَر فَسَادهَا مَا يُقَابل نفع صَلَاحهَا لِأَنَّهُ إِذا خلط الْفضة بِمِثْلِهَا وَجعل فِي كل عشرَة خَمْسَة خرقا وَخَمْسَة مسَاوٍ ورام أَن تُؤْخَذ بِقِيمَة الْفضة الْخَالِصَة كَانَ محالا وَإِن رام أَن تُؤْخَذ بِقِيمَتِهَا لم يجد ذَلِك نفعا
[ ١١٣ ]
وَكَأَنَّهُ غير مكيالا ووزنا مَعَ إِفْسَاد الْفضة وخسران الْعَمَل وَإِذا طَال مكثها وَكثر لمسها قبحت عِنْد النَّاس فتجنبوا قبض قبيحها وَرَغبُوا فِي قبض طريها ومليحها وبهرج أَصْحَاب اللّبْس عَلَيْهَا بِضَرْب كثير الْغِشّ يكون أحسن من عتق تِلْكَ فتفسد النُّقُود ويتجنب النَّاس قبض الدَّرَاهِم ويمتنعوا من بيع الْأَمْتِعَة إِلَّا بِالْعينِ أَو الْفضة الْخرق وَتبطل معاملات النِّسَاء فينهك المستور المرق وَلَا يصل إِلَى أَرْبَاب الْأَمْوَال الجامة فتدعو الضَّرُورَة إِلَى تَغْيِير الضَّرْب فَإِن غير بِمثلِهِ كَانَ حَاله فِي الْمُسْتَقْبل كحاله فِي الأول
وَإِذا عرف من السُّلْطَان تَغْيِير ضربه فِي كل عَام عدل النَّاس عَن ضربه الى ضرب غَيره حذرا من الوضيعة والخسران وَكَانَ عدولهم إِلَى ضرب غَيره موهنا لسلطانه وَإِذا كَانَ أَمر النَّقْد مُسْتَقِيمًا أَمن من جَمِيع ذَلِك وَكَانَ المتقدمون يجْعَلُونَ ذَلِك دعامة من دعائم الْملك