وبالملك أَشد الْحَاجة إِلَى تفقد أَربع طَبَقَات وَلَا يَسْتَغْنِي عَن تفقد أَحْوَالهم بِنَفسِهِ لأَنهم عماد مَمْلَكَته وقوام دولته
فالطبقة الأولى الوزراء لأَنهم خلفاؤه وعَلى أَيْديهم تصدر أَفعاله فَإِن أَحْسنُوا نسب إِلَيْهِ إحسانهم وَإِن أساءوا أضيف إِلَيْهِ مساوئهم مَعَ عظم الضَّرَر الدَّاخِل عَلَيْهِ فِي مَمْلَكَته والقدح الموهن لدولته
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بالأمير خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بِهِ غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه
[ ٩٩ ]
والطبقة الثَّانِيَة الْقُضَاة والحكام الَّذين هم مَوَازِين الْعدْل بتفويض الحكم إِلَيْهِم وحراس السّنة باتباعها فِي أحكامهم وبهم ينتصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم فِي رد ظلامته والضعيف من الْقوي فِي اسْتِيفَاء حَقه فَإِن قل ورعهم وَكثر طمعهم أماتوا السّنة بِأَحْكَام مبتدعة وأضاعوا الْحُقُوق بأهواء متبعة فَكَانَ قدحهم فِي الدّين أعظم من قدحهم فِي المملكة فِي إبِْطَال الْعدْل أعظم من إضرارهم بالمتحاكمين إِلَيْهِم فِي إبِْطَال الْحق
وَقد قيل من أقبح الْأَشْيَاء سخف الْقُضَاة وظلم الْوُلَاة
وَقَالَ أنو شرْوَان مَا عدل من جارت قُضَاته وَلَا صلح من فَسدتْ كفاته
والطبقة الثَّالِثَة أُمَرَاء الأجناد الَّذين هم أَرْكَان دولته وحماة مَمْلَكَته والذابون عَن حَرِيم رَعيته والمالكون أَعِنَّة أجناده والعاطفون بهم على صدق نصرته وموالاته فَإِذا استقامت لَهُ هَذِه الطَّبَقَة استقام لَهُ جَمِيع أعوانه وَإِن اضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فسد نظام تَدْبيره مَعَ سَائِر أجناده لأَنهم إِلَى طَاعَة أمرائهم أسْرع وَلقَوْل كبرائهم أطوع فَإِذا خَافَ سطوة من بهم يَسْطُو وَلم يَأْمَن جَانب من
[ ١٠٠ ]
بهم ينجو كَانَ بِملكه مغررا وبنفسه مخاطرا
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن الْوَفَاء لَك بِقدر الْجَزَاء مِنْك
والطبقة الرَّابِعَة عُمَّال الْخراج الَّذين هم جباة الْأَمْوَال وعمار الْأَعْمَال والوسائط بَينه وَبَين رَعيته فَإِن نصحوا فِي أَمْوَاله وَعدلُوا فِي أَعماله توفرت خزانته بسعة الدخل وعمرت بِلَاده ببسط الْعدْل
وَقد قيل فَضِيلَة السُّلْطَان عمَارَة الْبلدَانِ وَإِن خانوا فِيمَا اجتبوه من أَمْوَاله وجاروا فِيمَا تقلدوه من أَعماله نقصت مواده وَخَربَتْ بِلَاده وَتغَير عَلَيْهِ لقلَّة دخله أجناده وتولد مِنْهُ مَا لَيْسَ يحل فَسَاده
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء ظلم الْعمَّال ظلمَة الْأَعْمَال
وَحكي أَن الْمَأْمُون جلس يَوْمًا وَحضر الْعمَّال فقبلهم أَعمال السوَاد واحتاط فِي الْعُقُود فَلَمَّا فرغ قَامَ إِلَيْهِ عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى دَفعهَا إِلَيْك أَمَانَة
[ ١٠١ ]
فَلَا تخرجها عَن يدك قبالة قَالَ صدقت وَفسخ ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ عبيد الله ابْن الْحسن الْعَنْبَري أَن تَقْبِيل الْأَعْمَال ذَرِيعَة إِلَى تحكيم الْعمَّال وتحكيمهم سَبَب لخراب الْأَعْمَال فَتنبه الْمَأْمُون على مُرَاده