قَالَ الْحَكِيم رَسُولك ترجمان عقلك
من كتاب أَخْلَاق الْمُلُوك
وَليكن الرَّسُول صَحِيح الْفطْرَة والمزاج ذَا بَيَان وَعبارَة بَصيرًا بمخارج الْكَلَام ووجوهه مُؤديا لألفاظ الْملك ومعانيها صَدُوق اللهجة لَا يمِيل إِلَى طمع حَافِظًا لما حمل وعَلى الْملك أَن يمْتَحن رَسُوله محنة طَوِيلَة قبل أَن يَجعله رَسُولا
مَا كَانَت تعْمل عَلَيْهِ مُلُوك الْفرس فِي المحنة
إِذا آثرت أَن تتَّخذ من رعاياها من تَجْعَلهُ رَسُولا إِلَى بعض
[ ٥٠ ]
مُلُوك الأَرْض كَانَت تمتحنه محنةً طَوِيلَة فَأول مَا تبتدئ بِهِ من محنته أَن توجهه رَسُولا الى بعض خَاصَّة الْملك وَمن فِي قَرَار دَاره فِي رسائلها ثمَّ تقدم عينا لَهَا عَلَيْهِ بِحِفْظ رسَالَته ويكتبها على نَص كَلَامه ومعانيه فَإِذا ردجع الرَّسُول بالرسالة وَجَاء الْعين بِمَا كتب من أَلْفَاظه قَابل بهَا الْملك أَلْفَاظ الرَّسُول فَإِن اتّفقت اَوْ اتّفقت مَعَانِيهَا عرف بهَا الْملك صِحَة عقله وَصدق لهجته ثمَّ جعله الْملك رَسُولا إِلَى عدوٍ لَهُ وَجعل عَلَيْهِ عينا يحفظ أَلْفَاظه ويكتبها ثمَّ يرفعها إِلَى الْملك فَإِن اتّفق كَلَام الرَّسُول وَكَلَام عين الْملك علم أَن رَسُوله قد صدقه عَن عدوه وَلم يتزيد للعداوة الَّتِي بَينهمَا فَإِذا صَحَّ على الِابْتِلَاء والخبرة جعله الْملك رَسُولا إِلَى مُلُوك الْأُمَم الْمُخَالفَة لَهُ ووثق بِهِ ثمَّ كَانَ من الْملك الموجه بِهِ أَن يُقيم خَبره مقَام الْحجَّة
من آيين الْفرس
[ ٥١ ]
كَانَ من سنتهمْ أَن الْملك إِذا أرسل رَسُولا جَلِيلًا ذَا مرتبَة شاهرة ومنزلة عامرة إِلَى رجل صَغِير الْمنزلَة غامض الْمرتبَة برسالة أَن يكون الْمُرْسل متذللًا لمن أرسل إِلَيْهِ وجالسًا بَين يَدَيْهِ وموفيًا لَهُ حق الرياسة عَلَيْهِ حَتَّى يتم ذَلِك الْأَمر ثمَّ بعد ذَلِك يعود كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى مَنْزِلَته
من السياسة الْعَامَّة
وَاعْلَم يَا اسكندر أَن الْفرس اصحاب فأل فاستعلمه مَعَهم فَإِنَّهُ بَاب من تَجْرِيد البخت فَإِذا أرْسلت إِلَيْهِم رَسُولا فَلَا ترسله سليم الْعين الْيُمْنَى فَإِنَّهُم يَتَطَيَّرُونَ بِهِ وَذَلِكَ لأَنهم يَقُولُونَ إِنَّهَا للشمس وَإِذا دخل رَسُولك عَلَيْهِم فليأخذ مَا أمكنه وَلَا يدْفع إِلَيْهِم شَيْئا ومره أَلا يحك رَأسه وَلَا يُشِير بِيَدِهِ إِلَيْهِم فَإِذا قعد فَلَا يقْعد بأمرهم فِي الْمرة الاولى فَإِنَّهُم يغتمون ويتقونك بِسَبَبِهِ وليرد عَلَيْهِم رَسُولك فِي كل مَا يَقُولُونَ لَا الا ان يكون ارما بَينا فَإِن سَأَلُوهُ عَن خَاصَّة الْملك قَالَ كَمَا يجب ان يكون صديقه وَهُوَ على خلاف مَا يُرِيد أعداؤه وَإِذا انْصَرف فَلَا يكثر التلفت إِلَى
[ ٥٢ ]
بِلَادهمْ فَإِنَّهُم يكْرهُونَ ذَلِك وَلَا يتَنَاوَل من دَاخل مدينتهم وَلَا من خَارِجهَا وَلَا من أنهارها شَيْئا فَإِنَّهُم يكْرهُونَ ذَلِك ويتطيرون بِهِ
قَالَ حَكِيم الْعَرَب بالرسول يعْتَبر الْمُرْسل
وَمن وَصِيَّة الْمُهلب بن ابي صفرَة اليزيد وَلَده وَليكن الرَّسُول بيني وَبَيْنك من يعقل عني وعنك وَإِذا كتبت كتابا فَأكْثر النّظر فِيهِ فَإِن كتاب الرجل مَوضِع عقله وَرَسُوله مَوضِع رَأْيه
[ ٥٣ ]
الْبَاب الرَّابِع عشر