قَالَ الْحَكِيم إِذا كذب السفير بَطل التَّدْبِير
من السياسة الْخَاصَّة
أقلل الرُّسُل يَا اسكندر إِلَى الْمُلُوك فَإِن الْآفَات مِنْهُم كَثِيرَة واذا ارسلت رَسُولا فاختبر ذكاءه وفهمه وَاحْذَرْ ان يكون سَرِيعا اَوْ كثيرا الْكَلَام أَو معجبًا أَو مِمَّن يحب شرب النَّبِيذ وأرسله إِن قدرت جَاهِلا بخبرك لم يقم فِي جوارك إِلَّا يَسِيرا وَغير خابر بِمَا يجْرِي عَلَيْهِ تدبيرك وَلَا قَائِم ملكك وراقبه ومره أَلا يقطع كَلَام من يحدثه فَإِنَّهَا خصْلَة لَا تكون فِي أديب وأرهبه
[ ٥٤ ]
من مُجَاوزَة مَا تَأمره بِهِ ومره أَلا يشرب نبيذا فَإِن الْفرس بحتالون للرسل بالقحاب ويستخرجون بِهن مخايل صُدُورهمْ
من حِكْمَة الْفرس
كَانَ أردشير بن بابك يَقُول كم من دم سفكه الرَّسُول بِغَيْر حلَّة وَكم من جيوش قد هَلَكت وعساكر قد انتهكت وَمَال قد انتهب وعهدٍ قد نقض بخيانة الرَّسُول وأكاذيبه وحقٌ على الْملك إِذا وَجه رَسُولا إِلَى ملك آخر أَن يردفه بآخر وَإِن وَجه رسولين أتبعهما بِاثْنَيْنِ وَإِن أمكنه أَلا يجمع بَين رسولين فِي طَرِيق لِئَلَّا يتلاقيا فِيهَا وَلَا يتعارفا فيتواطأ على قَول فلايفعل ثمَّ عَلَيْهِ إِذا أَتَاهُ رَسُوله بِكِتَاب أَو رِسَالَة من ملك فِي خير أَو شَرّ أَلا يحدث فِي ذَلِك شَيْئا خيرا أَو شرا حَتَّى يكْتب إِلَيْهِ مَعَ رَسُول آخر يَحْكِي فِي كِتَابه الأول حرفا بِحرف وَمعنى معنى فَإِن الرَّسُول رُبمَا حرم بعض مَا أمل فافتعل الْكتب وحرش الْمُرْسل على الْمُرْسل إِلَيْهِ فأغراه بِهِ وَكذب عَلَيْهِ
[ ٥٥ ]
من سيرة الْإِسْكَنْدَر
ذكر أَنه وَجه رَسُولا الى بعض الْمُلُوك فدجاءه برسالة على الصَّوَاب شكّ فِي حرف مِنْهَا إِذْ هُوَ نَاقض لجميعها فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر للرسول وَيلك ان الموك لَا تَخْلُو من ممقوم إِذا مَالَتْ ومسددٍ إِذا كتبت وَقد جئتني برسالة صَحِيحَة الْأَلْفَاظ جَيِّدَة الْمعَانِي وَاضِحَة الْعبارَة فِيهَا حرف ينقضها أفعلى يقينٍ أَنْت من هَذَا الْحَرْف أم شَاك فِيهِ فَقَالَ الرَّسُول بل أَنا على يَقِين مِنْهُ قَالَ فَأمر الْإِسْكَنْدَر أَن تكْتب أَلْفَاظه حرفا حرفا وتعاد إِلَى الْملك مَعَ رسولٍ ثانٍ فتقرأ عَلَيْهِ وتترجم لَهُ قَالَ فَلَمَّا قريء عَلَيْهِ الْكتاب وَمر بِهِ الْحَرْف الَّذِي أنكرهُ الاسكندر الْملك ثمَّ أَمر المترجم لَهُ فَقَالَ ضع يَدي على هَذَا الْحَرْف فوضعها فَأمر أَن يقطع ذَلِك الْحَرْف بسكين فقظع من الْكتاب وَكتب إِلَى الْإِسْكَنْدَر رَأس المملكة صِحَة فكرة الْملك وَرَأس الْملك صِحَة لهجة الرَّسُول إِذْ كَانَ الرَّسُول عَن لِسَان الْملك ينْطق وَإِلَى أُذُنه يُؤَدِّي وَقد قطعت مَا لم يكن من كَلَامي إِذْ لم أجد إِلَى قطع لِسَان الْكَاذِب سَبِيلا
فَلَمَّا جَاءَ بِهَذَا الْكتاب الى الاسكندر دع الرَّسُول الاول
[ ٥٦ ]
فَقَالَ لَهُ مَا حملك على كلمةٍ أردْت بهَا فَسَاد ملكي فَأقر الرَّسُول أَن ذَلِك كَانَ مِنْهُ لتقصير رَآهُ من الموجه إِلَيْهِ فَقَالَ الْإِسْكَنْدَر فَأَرَاك سعيت لنَفسك لَا لنا فَلَمَّا فاتك بعض مَا أملت جعلت نَارا فِي الْأَنْفس الخطيرة الرفيعة فَأمر بِنَزْع لِسَانه من قَفاهُ
قَالَت الْهِنْد إِذا أرْسلت رَسُولا إِلَى الْملك فَلْيَكُن فصيحًا بلغتك ولغته فَإِن لم تَجدهُ على مَا تؤثره فِي لغته فَلْيَكُن فصيحا فِي لغتك ذَا بَيَان وعاشة ولسان قد سلم من عنجهية الصبى وأحكمته التجارب وحلب الدَّهْر اشطر وَكَانَ اُحْدُ رجلَيْنِ اما رجل بعتقد الْفَوْز فِي الْآخِرَة بنصيحتك وقيمك إِمَامًا يأتم بك ويجعلك طَرِيقه إِلَى الله تَعَالَى أَو ذَا عقلٍ وصدقٍ وذيلٍ من عيالٍ وَأهل يلْتَفت إِلَيْهِم وتطالبه نَفسه بِالرُّجُوعِ والعودة وَلَا يجترم عَلَيْك جرما يعلم أَنهم / اخوذون بِهِ ومطالبون بِسَبَبِهِ ومعاقبون عَلَيْهِ
[ ٥٧ ]
الْبَاب الْخَامِس عشر