قَالَ الْحَكِيم
اختر لرسالتك فِي هدنتك وصلحك ومهماتك ومناظرتك والنيابة عَنْك رجلا حصيفًا بليغًا حولا قلبًا قَلِيل الْغَفْلَة منتهز الفرصة ذَا رَأْي جزل وَقَول فصل ولسان لسليط وقلبٍ حَدِيد فطنًا للطائف التَّدْبِير ومستقلًا لما ترجو أَو تحاول بالحزامة وإصابة الرَّأْي ومتعقبًا لَهُ بالحذر والتمييز ساميًا إِلَى مَا يستدعيه إِلَيْك ويستدفعه عَنْك إِن حاول جر أمرٍ احسن اتعلاقه وَإِن رام دَفعه أحسن رده حَاضر الفصاحة مبتدر الْعبارَة ظَاهر الظلاقة وثابًا على الْحجَج مبرمًا لما نقض خصمك ناقضا لما
[ ٣٣ ]
أبرم يجيل الْبَاطِل فِي شخص الْحق وَالْحق فِي شخص الْبَاطِل مَتى رام احتجاجًا عَنْك أَلد على أهل اللدد فِي مواقفه ومشاهده محتالًا فِي محاورته ومكائده جَامعا مَعَ هَذَا الْعلم الْفَرَائِض وَالسّنَن وَالْأَحْكَام وَالسير ليحتذي مِثَال من سلف فِيمَا يُورِدهُ ويصدره عَالما بأحوال الْخراج والحسابات وَسَائِر الْأَعْمَال ليناظر كلا بِحَسب مَا يرَاهُ من صَوَابه وخطائه وَليكن من أهل الشّرف والبيوتات ذَا همةٍ عالية فَإِنَّهُ لَا بُد مقتفٍ آثَار أوليته محبٌ لمناقبها مساوٍ لأَهله فِيهَا فَمَتَى اجْتمعت لَك فِيهِ هَذِه الْخِصَال فاجعله من بطانتك وأطلعه طلع أَمرك خطيره وحقيره واستشره فِي بداتك لطيفها وجليلها وَمَتى أخلت بِهِ هَذِه الْخلال كَانَت جِنَايَته عَلَيْك أعظم وَكَانَ كالسالك طَرِيقا لَا يدْرِي أَيْن يؤم مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو زيد فِي السياسة المختصرة وَأَن يكون الَّذِي تختاره للتوجه فِي الرسائل جهر الصَّوْت حسن الرواء والمنظر مَقْبُول الشَّمَائِل حسن الْبَيَان جيد الْعبارَة حَافِظًا لما يتبلغ لؤديه على وَجهه وَلَا يمنعهُ الصدْق عَن سُلْطَانه رغبةٌ يقدمهَا فِيمَن يتَوَجَّه
[ ٣٤ ]
إِلَيْهِ وَلَا مهانة يستشعرها فِي نَفسه وَتَقْدِيم النَّصِيحَة لرئيسه فَإِنَّهُ مَتى لم يكن المستكفى لهَذَا الْعلم وَاسْتعْمل بَابا من التحريف والتمويه فِيمَا يخْتَلف فِيهِ بَين السُّلْطَان وَبَين من يراسله ويشافهه على لِسَانه بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَإِن عدا هَذِه الصّفة وَقع فِي أَعمال السُّلْطَان بذلك أظهر خلل وَأعظم ضَرَر وَلذَلِك يجب على السائس أَن يجْتَهد فِي تخيره لهَذَا الْعَمَل من يصلح لَهُ ويستقل بِهِ ويجريه على وَجهه وَلَا يحْتَمل متوليه على تَقْصِير يَقع مِنْهُ فَيعرض أَمر السُّلْطَان لوُقُوع الْخلَل والانتشار فِيهِ
وَقَالَ غير الْبَلْخِي يكون الرَّسُول مَذْكُورا وسيمًا قسيمًا لَا تَقْتَحِمُهُ الْعين وَلَا يزدرى بالخبرة عفيفًا جيد اللِّسَان حسن الْبَيَان حاد الْبَصَر ذكي الْقلب يفهم الْإِيمَاء ويناظر الْمُلُوك على السوَاء فَإِنَّهُ إِنَّمَا ينْطق بِلِسَان مرسله فَإِذا ذَكرُوهُ عرف واذا نظر اليه لم يحتقر وَيجب أَن يجمل بِكُل مَا أمكن الْوَافِد والعامة ترمق الزي أَكثر مِمَّا ترمق الْكِفَايَة والسداد وَيجب أَن تزاح علله فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ حَتَّى لَا تشره نَفسه إِلَى مَا يبْذل لَهُ وَيدْفَع إِلَيْهِ فَإِن الطمع يقطع الْحجَّة وَالرَّسُول أَمِين لَا أَمِين عَلَيْهِ فَيجب أَن يرتهن بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ والإفضال عَلَيْهِ
وَاعْلَم أَن للرسالة حدودًا لَا يَتَّسِع تعديها وحقوقًا يلْزم الْقيام بهَا اولها إِيثَار الصدْق وتعمد النصح وَأَن يصدع بالرسالة وَله
[ ٣٥ ]
ان يدمج الْمَعْنى الغليظ مِنْهَا ي الْأَلْفَاظ اللينة وَأَن يتأدب بأدب الله تَعَالَى فِيمَا أدب رسله الْكِرَام حَيْثُ يَقُول ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾
وَقَالَ شَاعِر الْعَرَب
(لينوا لنا فِي القَوْل إِنَّا معشر نأبى مقادتنا على الإغلاظ)
(وَالله قد أَمر النَّبِي وصنوه فِي وحيه بإلانة الْأَلْفَاظ)
وَالرَّسُول مَعَ هَذِه الْأُمُور مُحْتَاج من الْإِقْدَام والجرأة إِلَى مثل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْوَقار والركانة لِأَنَّهُ لَيْسَ على كل الطَّبَقَات يشْتَد وَلَا لكلها يلين وَرُبمَا لم يَسعهُ إِلَّا أَن يصدع بالرسالة على مَا فِيهَا فَمن لم يكن جريئًا حرفها وأخل بهَا وأفسد مَعَانِيهَا
وَحكى أَصْحَاب السّير فِيمَا نقلوه من أَخْبَار عبد الْملك ابْن مَرْوَان أَنه أرسل بعض أَصْحَابه إِلَى الْحجَّاج بن يُوسُف برسالةٍ غَلِيظَة وحذره من تعديها أَو إلانة ألفاظها فأداها وَعَاد إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أدّيت مَا حَملتك قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ أما لَو لم تفعل لضَرَبْت عُنُقك قَالَ الرَّسُول هَذَا عِقَاب الْمعْصِيَة فَمَا ثَوَاب الطَّاعَة فَأمر لَهُ بجائزة وحملان
[ ٣٦ ]
الْبَاب السَّابِع