جَاءَ فِي السِّيرَة أَن هِشَام بن عبد الْملك كتب إِلَى ملك الرّوم كتابا كَانَ عنوانه من هِشَام بن عبد الْملك أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى الطاغية ملك الرّوم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْكتاب وقرا العنوان قَالَ مَا ظَنَنْت أَن الْمُلُوك الْعُقَلَاء يسبون وَمَا يُؤمنهُ أَن أكتب إِلَيْهِ من ملك الرّوم الى الْملك المذموم الاحول المشئوم وَأعَاد الْكتاب وَلم يفضه وَلَا قَرَأَهُ ثمَّ سَار عَقِيبه فشعث بِلَاد الْإِسْلَام
كتب نقفور ملك الرّوم إِلَى هَارُون الرشيد بعد أَن استولى على مملكة الرّوم من نقفور ملك الرّوم إِلَى هَارُون ملك الْعَرَب أما بعد فَإِن الملكة الَّتِي كَانَت قبلي أقامتك مقَام الرخ وأقامت
[ ٧٨ ]
نَفسهَا مقَام البيدق فَحملت إِلَيْك من أموالها مَا كنت حَقِيقا أَن تحمل إِلَيْهَا أَمْثَاله لَكِن ذَاك من ضعف النِّسَاء وحمقهن فَإِذا قَرَأت كتابي فاردد مَا حصل قبلك من أموالها وافتد نَفسك بِمَا تقع المصادرة عَلَيْهِ وَإِلَّا فالسيف بيني وَبَيْنك
فَلَمَّا قَرَأَ الرشيد الْكتاب استفزه الْغَضَب حَتَّى لم يقدر أحد ان ينظر اليه دو أَن يخاطبه واستعجم الْأَمر على الْوَزير من أَن يُشِير عَلَيْهِ أَو يتْركهُ يستبد بِرَأْيهِ فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَكتب
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
من هَارُون الرشيد إِلَى نقفور ملك الرّوم
[ ٧٩ ]
قَرَأت كتابك يَا ابْن الْفَاجِرَة وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ دون أَن تسمع بِهِ وَالسَّلَام
وشخص لوقته حَتَّى أَنَاخَ على هرقلة فَفتح وغنم وَاصْطفى وَأفَاد وأحرق وَاصْطلمَ فَطلب نقفور الْمُوَادَعَة على خراج يُؤَدِّيه فِي كل سنة فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك فَلَمَّا رَجَعَ عَن غزوته وَصَارَ بالرقة نقض نقفور الْعَهْد وخان الْمِيثَاق عَمَّا أَخذ عَلَيْهِ فَمَا تهَيَّأ لأحد إخْبَاره بذلك إشفاقًا عَلَيْهِ وعَلى أنفسهم من الكرة فِي مثل تِلْكَ الْأَيَّام فاحتال وزيره يحيى بن خَالِد بشاعر من أهل جنده يكنى أَبَا مُحَمَّد وَيُسمى عبد الله بن يُوسُف فَقَالَ
[ ٨٠ ]
(نقض الَّذِي أَعْطيته نقفور وَعَلِيهِ دَائِرَة الْبَوَار تَدور)
(أبشر أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ غنم أَتَاك بِهِ الْإِلَه كَبِير)
(فتحٌ يزِيد على الْفتُوح مؤيدٌ بالنصر فِيهِ لواؤك المنشور)
(فَلَقَد تباشرت الرّعية أَن اتى باغدر مِنْهُ وافدج وَبشير)
(ورجت يَمِينك ان عجل غَزْوَة تشفي النُّفُوس مَكَانهَا مَذْكُور)
(نقفور إِنَّك حِين تَغْدُو أَن نأى عَنْك الإِمَام لجَاهِل مغرور)
(أظننت حِين غدرت أَنَّك مفلتٌ هبلتك أمك مَا ظَنَنْت غرور)
وَقَالَ ابو الْعَتَاهِيَة
[ ٨١ ]
(تجبلت الدُّنْيَا لهارون بِالرِّضَا وَأصْبح نقفور لهارون ذِمِّيا)
وَقَالَ غَيره
(لجت بنقفور أَسبَاب الردى عَبَثا لما رَأَتْهُ بغيل اللَّيْث قد عَبَثا)
وَكتب باسيل بن إليون ملك الرّوم إِلَى المعتصم أَمِير الْمُؤمنِينَ يسفه عَلَيْهِ ويتوعده ويتهدده فَأمر بإجابته فَكل عمل لَهُ سنخة طولهَا وَاسْتوْفى مَعَانِيهَا وَاحْتج عَلَيْهِ من كِتَابه بِمَا فسخ بِهِ دَعْوَاهُ وأبطل عَلَيْهِ مَا حَكَاهُ فَلَمَّا قُرِئت عَلَيْهِ النّسخ استطولها وَقَالَ ليكتب إِلَيْهِ بِمَا أَنا ممليه وَهُوَ
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
أما بعد فقد قَرَأت كتابك وفهمت خطابك وَالْجَوَاب مَا ترى لَا مَا تسمع بِهِ وَسَيعْلَمُ الْكَافِر لمن عُقبى الدَّار
وَسَار تلو كِتَابه فخرب بِلَاده وسبى رَعيته وَاسْتولى على أَكثر مَمْلَكَته وَلَو لم ينخع لَهُ بِالطَّاعَةِ لأتى على نَفسه
[ ٨٢ ]
الْبَاب الْحَادِي وَالْعشْرُونَ