إِذا دخل الدَّاخِل إِلَى حَضْرَة الْخَلِيفَة من أَمِير أَو وَزِير أَو ذِي قدر كَبِير فَلم يكن من الْعَادة الْقَدِيمَة ان يقبل الأَرْض لكنه إِذا دخل وَرَأى الْخَلِيفَة قَالَ: السَّلَام عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ ورحمت الله وَبَرَكَاته بكاف الْمُخَاطب فَإِنَّهُ أشفى وأبلغ وَأولى وأوقع. وَمَتى سلم بِالْكِنَايَةِ جَازَ ان يكني فِي قَوْله فَمن هَا هُنَا وَجَبت الْكَاف وَرُبمَا تقدم الْوَزير أَو الْأَمِير فَأعْطَاهُ الْخَلِيفَة يَده مغشاة بكمه إِكْرَاما لَهُ بتقبيلها واختصاصا بِهَذِهِ الْحَال الْكَبِير محلهَا. وَالْعلَّة فِي ان يغشيها بكمه لِئَلَّا يُبَاشِرهَا فَم أَو شفة وَقد عدل عَن ذَاك إِلَى تَقْبِيل الأَرْض واشترك الْيَوْم فِيهِ كل النَّاس فَأَما وُلَاة العهود من أَوْلَاد الْخُلَفَاء والأهل من بني هَاشم والقضاة وَالْفُقَهَاء والزهاد والقراء فَمَا كَانُوا يقبلُونَ يدا وَلَا أَرضًا لكِنهمْ يقتصرون على السَّلَام كَمَا ذكرنَا وَرُبمَا خطب قوم مِنْهُم بثناء وَدُعَاء وَقد اختلطوا الْآن بالطائفة الَّتِي تقبل الأَرْض إِلَّا الْأَقَل مِمَّن أَقَامَ على التورع من هَذَا الْفِعْل وَأما أوساط الْجند وَمن
[ ٣١ ]
دونهم وعوام النَّاس وَمن لَا رُتْبَة لَهُ مِنْهُم فمنكر مِنْهُم تَقْبِيل الأَرْض لِأَن مَنْزِلَتهمْ تقصر عَن ذَاك وَمن أولى الْأَفْعَال بالوزراء وَمن هُوَ فِي طبقتهم ان يدْخل إِلَى حَضْرَة الْخَلِيفَة نظيفا فِي بزته وهيئته وقورًا فِي خطْوَة ومشيته متبخرًا بالبخور الَّذِي تفوح روائحه مِنْهُ وينفح طيبه من أردانه وأعطافه وَأَن يتَجَنَّب مِنْهُ مَا يعلم أَن السُّلْطَان يكرههُ ويأبى شمه كَمَا لحق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي مَعَ المعتصم بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِمَا فَإِن إِبْرَاهِيم كَانَ يكثر اسْتِعْمَال الغالية ويتغلف مِنْهَا فِي كل يَوْم بِمِقْدَار أُوقِيَّة فِي رَأسه ولحيته ويسرح شعره فتختبىء فِي أثيابه وَبَين طاقاته وَكَانَ المعتصم يجتوي رائحتها وَلَا يَسْتَطِيع الصَّبْر عَلَيْهَا ويقاسي من اجلاسه إِلَى جَانِبه مَا يتكلفه وَلَا يبوح بِهِ فَلَمَّا زَاد ذَلِك عَلَيْهِ أَجْلِس عَليّ بن الْمَأْمُون فِيمَا بَينه وَبَينه فثقل فعله على إِبْرَاهِيم وضاق صَدره بِهِ وَلم يعرف السَّبَب فِيهِ إِلَى ان جَاءَهُ مُخَارق الْمُغنِي فَأعلمهُ ان
[ ٣٢ ]
وصيفا دخل على المعتصم بِاللَّه وأكب على رجله يقبلهَا فَدفعهُ وَقَالَ لَهُ: أردْت ان تتشبه بإبراهيم وَعم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الغالية وَوَاللَّه مَا احتملت ذَلِك مِنْهُ حَتَّى باعدت مَجْلِسه مني فَعرف حِينَئِذٍ الْعلَّة فِيمَا عَامله بِهِ وتمارض نَحْو شهر ثمَّ ركب وَدخل على المعتصم بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن حَالَة وَأَقْبل يجِيبه بانكسار فَقَالَ لَهُ: أَرَاك معافى فَمَا هَذَا الإنكسار قَالَ: من فعل الغالية يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا كنت أتغلف بِهِ مِنْهَا وَقد نهاني الطِّبّ الْآن عَنْهَا فَقَالَ لَهُ: اقبل قَوْلهم فلك فِي غَيرهَا من الطّيب مندوحه وَتركهَا وَرجع إِلَى منزله فِي الْجُلُوس وان يواصل السِّوَاك ويحفظ لهواته عِنْد الْمُنَاجَاة والمحاورة وَيجْعَل بَين ثِيَابه شتاء وصيفا جُبَّة فِيهَا قطن يمْنَع من ظُهُور الْعرق.
وَلَيْسَ للوزير وَلَا حَاضر فِي ذَلِك الْموقف ان يذكر شَيْئا إِلَّا مَا يسْأَل عَنهُ أَو يُورد قولا فِي أَخْبَار أَو مطالعة إِلَّا مَا اسْتَأْذن فِيهِ وسبيله ان يخْفض صَوته فِي حَدِيثه ومحاورته وَلَا يرفعهُ إِلَّا بِقدر السماع الَّذِي لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى استفهامه واستعادته وحَدثني إِبْرَاهِيم بن
[ ٣٣ ]
هِلَال جدي قَالَ: دخل الْحسن بن مُحَمَّد المهلبي يَوْمًا فِي وزارته لمعز الدولة إِلَى حَضْرَة الْمُطِيع صلوَات الله عَلَيْهِ وَجرى بَينهمَا خطاب علا صَوت المهلبي فِيهِ فَغَضب الْمُطِيع وَقَالَ لَهُ: يَا كلب ترفع صَوْتك بَين يَدي وَأمر بِهِ فَأخْرج مجذوبا بِيَدِهِ ومدفوعا فِي ظَهره وَجلسَ فِي الدهليز وَقَالَ: انا خَادِم وَلم يكن مَا أنكر مني عَن عمد أَو سوء أدب وانما صوتي جهير وَكَانَ مَا كَانَ من كَلَامي على هَذَا الأَصْل وَمَتى انصرفت على هَذِه الْجُمْلَة الَّتِي لَا تخفى وَهن جاهي ووقف أَمْرِي وتنكر لي صَاحِبي وَلم يزل يسْأَل ويضرع إِلَى ان أذن لَهُ فِي الْعود إِلَى حَضْرَة الْمُطِيع صلوَات الله عَلَيْهِ وَدخل وَاعْتذر وخاطبه بِمَا سكن بِهِ مِنْهُ وسبيله ان يقل الِالْتِفَات إِلَى جانبيه وورائه والتحريك ليده أَو شَيْء من أَعْضَائِهِ أَو رفع رجل للاستراحة عِنْد اعيائه وَأَن يغض طرفه عَن كل مرأى إِلَّا شخص الْخَلِيفَة وَحده ومخارج لَفظه وَألا يسَار أحدا فِي مَجْلِسه وَلَا يُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَلَا عَيْنَيْهِ وَلَا يقْرَأ رقْعَة وَلَا كتابا يوصلان إِلَيْهِ بَين يَدَيْهِ إِلَّا مَا احْتَاجَ إِلَى قِرَاءَته عَلَيْهِ وَأذن لَهُ فِيهِ وَلَا يُخَاطب من يخاطبه فِي تعرف أَمر مِنْهُ أَو إِقَامَة حجَّة عَلَيْهِ إِلَّا بأخف الْأَلْفَاظ وَأَشد الِاسْتِيفَاء وان يَجْعَل وُقُوفه من أول مدخله وَإِلَى حِين مخرجه فِي مَوضِع رتبته من غير أَن يتجاوزه إِلَى مَا فَوْقه أَو دونه اللَّهُمَّ إِلَّا ان يَدعُوهُ الْخَلِيفَة إِلَى سر
[ ٣٤ ]
يقرب مِنْهُ فِيهِ وَلَا يبرح مَا دَامَ مكلما لَهُ ومقبلا عَلَيْهِ وَلَا يُقيم إِذا فرغ مِمَّا بَينه وَبَينه وَإِذا خرج وَهُوَ يُشَاهِدهُ جعل خُرُوجه تراجعا إِلَى وَرَائه لِئَلَّا يوليه ظَهره فَإِذا غَابَ عَن طرفه استقام فِي مَشْيه وان يمْتَنع من الضحك وان جرى مَا يُوجِبهُ فان من كثر ضحكة سخفت هَيئته وَمن زَاد مرحة سَقَطت هيبته وَمن فضل كَلَامه على قدر الْحَاجة أُصِيبَت غرته وَكَثُرت عثرته وَأَن يتَجَنَّب المخاط والبصاق على الْجُمْلَة وَالْإِطْلَاق والسعال والعطاس على قدر مَا اسْتَطَاعَ وأطاق فَإِن اجل مَا يكون الْإِنْسَان فِي عين صَاحبه إِذا كَانَ شخصا صمتا وجسما صدى لَا يخرج مِنْهُ شَيْء كالبصاق والمخاط وَلَا يدْخل إِلَيْهِ شَيْء كالطعام وَالشرَاب وَمَتى استرسل فِي ذَاك مَعَ سُلْطَانه فَهبت بهجته من عينه وَقَلبه وَظَهَرت نبوته فِي طرفَة وَلَفظه فَأَما الثَّانِيَة فَتجوز مَعَ الأخوان والجلساء وَتحرم مَعَ الْأَصْحَاب والرؤساء وَأما الأولى فَتحرم مَعَ الْكل وتقبح مَعَ الْجَمِيع وَأَن يتحرز من الْحَاجة إِلَى استثبات الْخَلِيفَة فِي أَمر يَأْمُرهُ بِهِ أَو قَول يُورِدهُ عَلَيْهِ بِفضل الإصغاء والإصاخة إِلَى مَا يخاطبه بِهِ فَإِنَّهُ بَين أَلا يفهمهُ فقد استعجم عَلَيْهِ مَا يُرَاد مِنْهُ أَو يستعيده فقد كلفه من الْإِعَادَة مَا فَارق فِيهِ الْآدَاب اللائقة وَأَن يتَجَنَّب أيراد حِكَايَة تستمحل أَو لفظ يسترذل فقد قيل ان بعض وزراء الْبِلَاد الَّتِي لَا يعرف أَهلهَا النعام وصف لصَاحبه طائرا يبتلع الْجَمْر وَالْحَدِيد الَّذِي توقد عَلَيْهِ النَّار وعنى النعام فكذب
[ ٣٥ ]
قَوْله واستبعد ان يكون صَادِقا فِيهِ وان الْوَزير خرج من بَين يَدَيْهِ واجما مِمَّا سَمعه مِنْهُ منكسرا بِمَا قابله بِهِ ثمَّ انفق المَال الْكثير وَغرم الْغرم الثقيل فِي طلب النعام وَحمله إِلَى ذَلِك الْبَلَد حَتَّى إِذا حملت مِنْهُ عدَّة بعد الكلفة الشَّدِيدَة مَاتَت فِي الطَّرِيق فَلم يسلم مِنْهَا إِلَّا وَاحِدَة وأحضرها الْوَزير للْملك وأحضر الْجَمْر وَالْحَدِيد حَتَّى ابتلعته فَلَمَّا رأى الْملك ذَلِك وَشَاهد سرُور الْوَزير بِهِ وبدفعه عَن نَفسه مَا دَفعه فِيهِ قَالَ لَهُ: ان جهلك عِنْدِي الْيَوْم أَكثر مِنْهُ عِنْد حكايتك مَا حكيت ودعواك مَا ادعيت لانه يَنْبَغِي للعاقل إِلَّا يحدث حَدِيثا يُنكره السَّامع وَيحْتَاج فِي الدّلَالَة عَلَيْهِ إِلَى مثل مَا تكلفته من الْفِعْل وَالْغُرْم أوليس لَو مَاتَت هَذِه النعامة الْبَاقِيَة لتحَقّق عَلَيْك الْكَذِب وخسرت المَال والتعب وَلَو منعت لسَانك مَا كنت غَنِيا عَنهُ لكفيت مَا وَقعت فِيهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي: سَأَلَ الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ جِبْرِيل عَن المَاء وَكم يلبث لَا يتَغَيَّر فَأعلمهُ أَن المَاء إِذا كَانَ على غَايَة الصفاء لم يتَغَيَّر قطّ فصدقت قَول جِبْرِيل وَقلت: عِنْدِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من مَاء القيسرة دساتيج مُنْذُ بضع عشْرين سنة وَمَا أَظُنهُ تغير فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله مَا أعجب مَا ذكرت وأنفذ رَسُولا إِلَى أُمِّي يَسْتَدْعِي مِنْهَا الدساتيج وَمن ظَنّه أَنه يعود بتكذيبي فَلَمَّا أَتَاهُ بالدساتيج وعَلى أغطيتها ذكر السّنة الَّتِي أَخذ المَاء فِيهَا من القيسرة
[ ٣٦ ]
أطرق خجلا وغيظا وخلع عَليّ خلع التصنع والتجمل وَمضى على ذَاك نَحْو شَهْرَيْن واستزارني وَجرى بَين يَدَيْهِ حَدِيث الْبُسْر وَكبره وَصغر نَوَاه فَقلت: فِي بُسْتَان دَاري نخل معقلي وزنت قشرة من بسرة فَكَانَت عشرَة دَرَاهِم وَفِي نواتها أقل من دانقين فَقَالَ لي: اتَّقِ الله يَا عَم وَلَا تفضح أَمِير الْمُؤمنِينَ بَان ينْسب عَمه إِلَى الْكَذِب ثمَّ بعث من أحضرهُ من الْبُسْتَان عشر بسرات فَأول بسره وَقعت فِي يَده وَزنهَا فَصحت تِسْعَة دَرَاهِم وَفِي نواتها أقل من دانق فاستحيا وَأظْهر الْعجب من ذَاك وَحصل إِبْرَاهِيم فِي قَوْله مَا قَالَ بَين الْكَذِب لَو لم تُوجد تِلْكَ الدساتيج وَيخرج وزن البسرة مَا خرج أَو مَا كَانَ من غيظ الْمَأْمُون.
وسبيل الانسان ان يكف لِسَانه عَن غيبَة سُلْطَانه أَو الْغَيْبَة عِنْده فَإِنَّهُ بَين ان يبلغهُ مَا قَالَ فِيهِ فيحفظ عَلَيْهِ ان لم يسخطه سخطا يَدعُوهُ إِلَى بطشه بِهِ أَو يتصوره فِيمَا قَالَ عِنْده بِصُورَة من سَاءَ بمحضره أما لشر غلب على طبعه أَو حسد استكن فِي صَدره وَقَالَ الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ لحميد الطوسي: ان الصّديق يحول بالجفاء عدوا والعدو يحول بالصلة صديقا وأراك رطب اللِّسَان بعيوب إخوانك فَلَا تزدهم فِي أعدائك والعاقل قَلِيل الْعَيْب مَا كَانَ الْعَيْب عَارِف بِنَفسِهِ وَمَا اعتادت نَفسِي غيبَة وَلَا رِيبَة.
[ ٣٧ ]
وَحدث مُفْلِح الْأسود قَالَ: كَانَ سُلَيْمَان بن الْحسن عِنْد تقلده وزارة المقتدر صلوَات الله عَلَيْهِ يكثر من ذكرعلي بن مُحَمَّد بن الْفُرَات والطعن عَلَيْهِ وأتبين من المقتدر بِاللَّه كَرَاهِيَة لما يسمعهُ مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام أعَاد سُلَيْمَان ذكر ابْن الْفُرَات والوقيعة فِيهِ فَقَالَ لَهُ المقتدر بِاللَّه:
(أقلوا عَلَيْهِم لَا أَبَا لأبيكم من اللوم أَو سدوا الْمَكَان الَّذِي سدوا)
قَالَ: فتأملت سُلَيْمَان وَقد امتقع لَونه وكادت الأَرْض تخيس بِهِ وَلم يعد لَهُ ذكرا من بعد.
وَأورد فِي هَذَا الْموضع خَبرا فِي الشَّرّ وَعوده على أَهله وَالْمَكْر ورجوعه على فَاعله وجدته لائقا وعجيبا فِي فنه وباعثا على الْخَيْر وان وَقع الإستقرار فِي بعض الْأَوْقَات بِهِ.
حدث مَيْمُون بن هرون بن مخلد بن أبان الْكَاتِب قَالَ: كَانَ بَين جدي مخلد وَبَين فرج بن زِيَاد الرخجي من التعادي لأجل
[ ٣٨ ]
الإعمال وَولَايَة الأهواز والمجاورة بِبَغْدَاد أَمر مَشْهُور وَكَانَ فِي فرج شَرّ وغدر ونفاق ومكر وَجَرت الْحَال بَينهمَا على ذَاك أَيَّام الرشيد والأمين والمأمون رحمت الله عَلَيْهِم واحترقت الدَّوَاوِين فِي فتْنَة الْأمين وفيهَا على فرج الْأَمْوَال الجليلة وَقد احتال فِي اسْتِهْلَاك مَا تعلق بِهِ مِنْهَا بضروب التَّوَصُّل وَالْحِيلَة وَاتفقَ أَن اجْتمعَا يَوْمًا بِحَضْرَة الْمَأْمُون وأخذا فِي المناظرة والمهاترة وجدي يتَوَلَّى يَوْمئِذٍ الضّيَاع الْعَامَّة وَكَانَ إِذْ ذَاك فرج يتَوَلَّى الضّيَاع الْخَاصَّة فَاعْترضَ الْمَأْمُون إِذْ ذَاك بِأَن قَالَ لجدي انا أعلم ان جَمِيع حِسَاب فرج عنْدك وَأَنه قد احتال فِيمَا كَانَ فِي الدَّوَاوِين مِنْهُ وَمَا يقنعني مِنْك إِلَّا إحضاري كل مَا تعرفه وَعمل مشاهرة لَهُ بِمَا يلْزمه فَقَالَ لَهُ: لست أعرف من ذَلِك إِلَّا قدر مَا أتذكره وأرجع إِلَى أثبات عِنْدِي فِيهِ وأطالع أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهِ قَالَ: افْعَل واجمع كل مَا يمكنك جمعه ويتحقق عنْدك وُجُوبه وَانْصَرف جدي إِلَى دَاره وَكَانَ عِنْده سَائِر حسابه. وأحضر كاتبين لَهُ يُقَال لَهما يُونُس بن زِيَاد وَيحيى بن رَاشد وحجب النَّاس عَنهُ وَتفرد
[ ٣٩ ]
مَعَهُمَا بِإِخْرَاج مَا يُخرجهُ وَتَحْصِيل مَا يحصله واحتاجوا إِلَى من يكْتب بَين أَيْديهم فاستعانوا بِابْن حدث ليحيى بن رَاشد وَلم يَدعُوهُ ينْصَرف إِلَى منزله فِي الْيَوْم الأول وَلَا الثَّانِي وَأَقَامُوا على أَمرهم يَوْمَيْنِ وليلتين فأخرجوا على فرج مَالا جَلِيلًا وَجعل مخلد جدي يبطل كل مَا يقدر ان لَهُ حجَّة فِيهِ واشتمل مَا حققوه وصححوه على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم وَانْصَرف ابْن يحيى فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة إِلَى منزله وَكَانَ لَهُ خَال فِي جملَة فرج ينزل مَعَهم فِي دَارهم فَقَالَ لَهُ: يَا بني فيمَ أَنْتُم وَلم لم تَنْصَرِف مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ وَلم يزل يتسقطه ويستخرجه ويعده عَن فرج الصِّلَة وَالْإِحْسَان حَتَّى أقرّ لَهُ بِالْأَمر كُله وَأخْبرهُ بِمَا خرج على فرج بعد ترك مَا ترك وَإِسْقَاط مَا أسقط فبادر الرجل إِلَى فرج وحدثه بِمَا حَدثهُ بِهِ ابْن أُخْته فَقَامَتْ قِيَامَته مِنْهُ وتصور زَوَال نعْمَته بِهِ وَصَارَ فِي اللَّيْل إِلَى بَاب جدي رَاجِلا غير رَاكب وَمَعَهُ غُلَام وَاحِد فِي ظلمَة بِغَيْر شمعة فَوَجَدَهُ مغلقا ونادى بخادم كَانَ لنا يُقَال لَهُ طريف نِدَاء خفِيا يَا با فلَان انا بِالْبَابِ وَسمع الْخَادِم صَوته فَعرفهُ وَقَالَ: أَبُو الْفضل قَالَ: نعم وَأُرِيد ان أُكَلِّمك فِي سر فَلَا ترفع صَوْتك وَخرج إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَك يَا سَيِّدي وَمَا هَذِه الصُّورَة فَقَالَ: احتل لي فِي الْوُصُول إِلَى مَوْلَاك السَّاعَة. فَقَالَ: قد صعد إِلَى السَّطْح وَحصل مَعَ الْحرم وَإِذا كَانَ ذَاك لم يمكني لقاؤه وَلَا خطابه. فَقَالَ: فتلطف توصل. فَأعْطَاهُ كيسًا فِيهِ دَنَانِير وَقَالَ لَهُ هَذِه أَرْبَعمِائَة دِينَار خُذْهَا واجتهد فَحملت الْخَادِم الرَّغْبَة فِي الدَّنَانِير على ان صعد الدرجَة قَالَ طريف: فَلَمَّا قربت من مَوضِع مولَايَ تنحنحت. فَقَالَ لي وَهُوَ مذعور: مَا جَاءَ بك فِي وَقت لم تجر عَادَة مِنْك وَلم اجترأت على مَا لم يكن لَك رخصَة فِيهِ قلت: أردْت ان أذكر لَك شَيْئا هُوَ خير فَقَامَ إِلَى رَأس الدرجَة وَقَالَ لي: مَا عنْدك قلت: ان
[ ٤٠ ]
فرجا على بابك وَمَعَهُ غُلَام وَاحِد بِغَيْر شمعة فَأَطْرَقَ سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه إِلَيّ وَقَالَ لي: أَعْطَاك وأرغبك فأقدمت على مَا كَانَ مِنْك اصدقني عَن أَمرك قلت: نعم، وأريته الْكيس. قَالَ: رده وَخذ مثل مَا فِيهِ من تَحت يدك وَأدْخلهُ الي الدَّار قَالَ الْخَادِم: وعدت إِلَى فرج فعرفته مَا جرى ورددت الْكيس عَلَيْهِ فساءه ذَاك وغمه وَنزل مولَايَ وَجلسَ فِي مَوْضِعه وَدخل فرج فَلَمَّا قرب مِنْهُ قَامَ إِلَيْهِ واستقبله فاستعفاه من فعله وَطرح نَفسه على حَصِير بَين يَدَيْهِ ثمَّ على الأَرْض وَبكى طَويلا وَقَالَ لَهُ: الله الله يَا بالْحسنِ فِي وَفِي نعمتي وَوَلَدي وَلَا تقتلني وتفقرني واعف لي عَن كل مَا تقدم مني فَقَالَ لَهُ: معَاذ الله ان أفعل ذَاك وَمَا الَّذِي جرى واحوجك إِلَى هَذَا القَوْل فَقَالَ: قد سَمِعت مَا أَمرك أَمِير الْمُؤمنِينَ بِهِ وَعرفت مَا كَانَ مِنْك فِي إِخْرَاج حسابي وَإِسْقَاط كل مَا كَانَت فِيهِ حجَّة لي وتحصيلك عَليّ بعد ذَلِك مَا فِيهِ هلاكي وفقري وَذَهَاب حَالي بَقِيَّة عمري فراقب الله فِي وفيمن ورائي فانك عَالم بكثرتهم وَلم يزل القَوْل مترددا بَينهمَا إِلَى ان قَالَ لَهُ جدي: أما فعلت بِي كَذَا فاحتملت وسعيت عَليّ فِي الْأَمر الْفُلَانِيّ فَصَبَرت وعرضتني للْقَتْل وَذَهَاب النِّعْمَة فِي الْوَقْت الْفُلَانِيّ وَمَا أبقيت وَحلفت لي يَمِينا بعد يَمِين وَمَا وفيت وَعدد ذَلِك شَيْئا شَيْئا وواقفه عَلَيْهِ أمرا أمرا فَقَالَ لَهُ: قد صدقت فِي كل مَا قلت وأسأت فِي كل مَا فعلت فَخذ عَليّ بِالْفَضْلِ وقابلني بالصفح وَوَاللَّه واستتم يَمِينا غموسا لَا قُمْت بعد مقَامي هَذَا مقَاما يسوءك ولأكونن كَأحد أوليائك فِي الْإِخْلَاص لَك. فأقلني العثرة وَاسْتعْمل معي الفتوة فَقَالَ لَهُ جدي: وَالله لاقابلن نعْمَة الله عِنْدِي فِيك وَفِيمَا كفانية مِنْك بِالزِّيَادَةِ فِي الْإِحْسَان إِلَيْك وَالْأَخْذ بوثائق الْحجَّة عَلَيْك على تصوري وتحققي انك لَا تنْزع عَن عادتك وَلَا ترجع عَن عداوتك وَأَن الَّذِي
[ ٤١ ]
يأتيني آنِفا من قبيحك أَكثر مِمَّا أبدته الْأَيَّام أَولا مِنْك فَقَالَ: أكون إِذن لغير رشدة وبحيث استدعي من الله الْعقُوبَة والنقمة فَقَالَ: فَمَا تشَاء قَالَ: قد علمت مَا دَار بَيْنك وَبَين أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنَّك لَا تَجِد بدا من إبرائي شَيْئا فَقَالَ لَهُ: قد خرج عَلَيْك فِي عَاجل التصفح كَذَا وَكَذَا بعد إِسْقَاط كل مَا لَك فِيهِ حجَّة مَقْبُولَة أَو مدفوعة وَعَلَيْك بعده من الْبَاب الْفُلَانِيّ كَذَا وَمن الْبَاب الْفُلَانِيّ كَذَا وواقفه على وَجه وَجه وَهُوَ يَقُول هَذَا صَحِيح وانت فِيهِ منصف إِلَّا ان للاستسلام حكما وَهَذَا الْمقَام بَين يَديك حَقًا فألطف فِي ان تقرر عَليّ عشْرين ألف ألف دِرْهَم. قَالَ فان جَعلتهَا خَمْسَة عشر ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: تَأْخُذ بيَدي وتتمم مننك عِنْدِي قَالَ: فان جَعلتهَا عشرَة آلَاف ألف دِرْهَم قَالَ: تسترقني وتستعبدني قَالَ: فان جَعلتهَا خَمْسَة آلَاف ألف دِرْهَم قَالَ: هَذَا مَا لَا يبلغهُ أملي وَلَا ينْهض بِهِ شكري قَالَ: فان أسقطت الْكل عَنْك قَالَ: لَا أقدر على مُقَابلَة هَذَا التفضل مِنْك قَالَ: فان الله قد وَضعه عَنْك قَالَ فَكيف تفعل مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا عَلَيْك وكل مَا لزمك بعد وقتي هَذَا فَهُوَ عَليّ دُونك وَلست أدعك تَنْصَرِف بعد ان جِئْت على هَذِه الصُّورَة وسلكت فِيمَا بَيْننَا سَبِيل الاستصفاح والاستقالة أَو أخرق حِسَابك بَين يَديك وأحلف لَك انني لَا اُسْتُبْقِيَ مِنْهُ سحاة وَاحِدَة ودعا الْحساب فأحرقه وَأظْهر فرج من السرُور مَا لم تقله الأَرْض مَعَه وَأورد من الشُّكْر مَا استغرق فِيهِ طوقه ووسعه ثمَّ قَالَ لَهُ جدي: قد شهد الله مَا عاملتك بِهِ وَهُوَ الْمُسلم مِنْك والمجازي لكل منا على قدر نِيَّته وَوَاللَّه لَا تركت غَايَة فِي النكث والغدر وركوب الشَّرّ وَالْبَغي إِلَّا بلغتهَا فَبكى فرج وَقَالَ: أكون إِذن ولد زنا وَجعل يحلف ويتألى على الْإِخْلَاص والصفاء
[ ٤٢ ]
والثبات وَالْوَفَاء ونهض فَقَامَ مَعَه جدي وتعانقا وَأمر الغلمان بِحمْل الشموع بَين يَدَيْهِ إِلَى دَاره بعد ان جهد بِهِ فِي ان يركب فَلم يفعل وَبكر جدي إِلَى الْمَأْمُون فَأعلمهُ أَنه نظر فِيمَا عِنْده من حِسَاب فرج فَوجدَ لَهُ من الْحجَج فِيهِ مَا يبطل مَعَه كل مَا يخرج عَلَيْهِ وتلطف فِي قَوْله وَحسن مَنَابه عَن فرج حَتَّى اندرجت الْقِصَّة وزالت الْمُطَالبَة فَحلف طريف انه لم يمض على ذَاك إِلَّا أقل من خَمْسَة عشر يَوْمًا حَتَّى دس فرج لمولاي فِي الشاشية مَا دس فَقُلْنَا لَهُ: وَكَيف كَانَ ذَاك قَالَ: كَانَ لفرج غُلَام يعرف بنصر يعْمل القلانس ويصنع الشاشيات مقدما فِي الحذق بهَا وَكَانَ يعْمل لنا مَا نحتاج إِلَيْهِ مِنْهَا فَلَمَّا كَانَ بعد الحَدِيث الْمَذْكُور بأيام جَاءَنِي بِخمْس شواشي قد تأنق فِيهَا فأخذتها مِنْهُ وأدخلتها إِلَى مولَايَ فَقَالَ: من جَاءَ بِهَذِهِ قلت: نصر غُلَام فرج فنظرها واستحسنها وَأَمرَنِي بِأَن أعْطِيه إِذا ركب وَاحِدَة مِنْهَا ليلبسها وَأَرَادَ من غَد الرّكُوب وَكنت أَصْحَبهُ فِيهِ وأحمل دواته فَخرج سحرًا وَقد دفعت إِلَيْهِ الشاشية من الْخمس المحمولات وَصَارَ فِي دهليزه فَوجدَ برذونه يراض وَقعد على دكته وأحس بحكة فِي رَأسه فَأخذ الشاشية ووضعها فِي يَده الْيُسْرَى وحك الْموضع باليمنى وجس الشاشية فَوجدَ فِي رَأسهَا مَا انكره وتأمله بِيَدِهِ فَإِذا هُوَ شَيْء مربع وَعَاد إِلَى الدَّار وَدَعَانِي على خلْوَة وَقَالَ لي: يَا طريف قرب الشمعة مني فقربتها إِلَيْهِ وَقَالَ جس هَذَا الْموضع من الشاشية فقد انكرت أمره فجسسته وَقلت: قد انكرت يَا مولَايَ مثل مَا أنكرته قَالَ: فِي خفك سكين
[ ٤٣ ]
قلت: نعم قَالَ: هَاتِهَا وخرق الشاشية فَإِذا صَلِيب من خوص فَلم أفهم الْقِصَّة وَرفعت صوتي فَقَالَ أكفف وكففت وَقَالَ: هَذِه الشاشية من شواشي نصر الَّتِي حملهَا إِلَيْنَا البارحة قلت: نعم قَالَ: اكتم مَا جرى وَلَا تشعر بِهِ أحدا من عُلَمَائِنَا واستدعى أُخْرَى من هَذِه الشواشي وخرقها فَكَانَ فِيهَا مثل مَا كَانَ فِي الأولى وَاعْتبر الْكل فَكَانَت حَالَة وَاحِدَة وَأَمرَنِي بإحضار دَنَانِير عين عَليّ مبلغها فأحضرتها وَأمر بِالصَّدَقَةِ بهَا وَقَالَ: ايتني بشاشية مِمَّا عندنَا من غير صَنْعَة نصر فَأَتَيْته بعدة اخْتَار مِنْهَا وَاحِدَة جَدِيدَة ولبسها وَقَالَ لي: ان نصرا سيقف السَّاعَة بِالْبَابِ وَيرى شاشيتي جَدِيدَة ويسألك عَنْهَا فَإِذا فعل فَقل لَهُ: هَذِه مِمَّا حَملته أمس وَقد أَمر لَك بِدَرَاهِم إِذا عدت دفعتها إِلَيْك وَلَا تزِدْه تبيينا على ذَاك قَالَ طريف: وَخرجت مَعَ مولَايَ فَإِذا نصر بِالْبَابِ كَمَا حسب وسألني عَن الشاشية فأجبته بِمَا وَجب ومضينا إِلَى دَار الْخلَافَة وَأذن الْمَأْمُون للْكتاب والقواد وَدخل فرج فِيمَن دخل وخاض الْكتاب فِيمَا كَانُوا يَخُوضُونَ فِيهِ دَائِما وَتعرض فرج لمولاي فِي بعض مَا جرى وهاتره ونافره وَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا يدين بِدينِك وان أظهر انه مَوْلَاك وَلَا يرى نصحك وَأَن زوق بِلِسَانِهِ مَا يزوقه لَك وَأَنه ليعتقد عبَادَة الصَّلِيب وَدَلِيل ذَاك ان فِي شاشيته وَاحِدًا وَمَتى شَككت فِي قولي فخرقها وفتشها واعرف كذبي من صدقي فِيهِ بامتحانها فَوَجَمَ الْمَأْمُون لقَوْله وَحمله كرم النَّفس وَفضل الْحلم على ترك الْأَمر بتخريق الشاشية وبادر مخلد إِلَى أَخذهَا من رَأسه وتمزيقها بَين يَدَيْهِ وَقَالَ: انا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عَبدك وَعبد آبَائِك الرَّاشِدين صلوَات الله عَلَيْهِم وَمن يرى إمامتك دينا وَنَصِيحَتِك حَقًا وَقد علمت انك توقفت عَن اختبار
[ ٤٤ ]
أَمر الشاشية حَيَاء مني وابقاء عَليّ وَمَا أقدمت على مَا أَسَأْت الْأَدَب فِيهِ من تخريقها بحضرتك إِلَّا لأبرىء ساحتي عنْدك مِمَّا قرفني هَذَا الْفَاجِر الغادر السَّارِق بِهِ قد غل أموالك واحتجنها وألط بِمَا حصل فِي ذمَّته مِنْهَا وَوَاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وحياتك الجليلة لقد كَانَ من خبري فِي يومي هَذَا وَمَا دبره عَليّ فِي أَمر هَذِه الشاشية كَيْت وَكَيْت وقص عَلَيْهِ الْقِصَّة وَسمي لَهُ نصرا القلانسي غُلَامه الَّذِي كَانَ مَا احتال بِهِ على يَده فاغتاظ الْمَأْمُون على فرج مِمَّا سَمعه وَعجب من إقدامه على مَا صنعه وَأمر باحضار نصر فأحضر وَسَأَلَهُ عَن الصُّورَة فلجلج فِيهَا حَتَّى إِذا مد وَضرب خمسين عَصا اعْترف بهَا وأحال على فرج فِيهَا فبصق الْمَأْمُون عِنْد ذَاك فِي وَجه فرج وَشَتمه وَأمر بِتَسْلِيمِهِ إِلَى مخلد ليحاسبه ويطالبه بالأموال الَّتِي يُخرجهَا عَلَيْهِ وَانْصَرف فرج خازيا منخذلا ومخلد مخلوعا عَلَيْهِ مكرما وَحمل إِلَيْهِ فرج فحبسه عِنْده بعد أَن وبخه على مَا كَانَ مِنْهُ وَقَالَ لَهُ: ألم أقل لَك انك لَا تدع قَبِيح رسمك وَلَا تنْزع عَن ذميم خلقك وعَلى ذَاك فأستأنف من الْإِحْسَان إِلَيْك مَا استديم بِهِ صنع الله عِنْدِي فِيك وَلم يزل مخلد يلطف فِي أَمر فرج ويكلم عَمْرو بن مسْعدَة فِي مقاربته ومباشرته حَتَّى قرر عَلَيْهِ ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم وَكَانَ عَمْرو يعجب من تنَافِي مَا بَين الرجلَيْن والمأمون يعجب ويعجب أَصْحَابه مِنْهُمَا.
[ ٤٥ ]
وسبيل صَاحب السُّلْطَان ان يتَجَنَّب السّعَايَة والنميمة فَإِنَّهُمَا من الْأَفْعَال اللئيمة الذميمة وَقد قيل قَول ثَبت فِي النُّفُوس واطرد مَعَه الْقيَاس: من نم إِلَيْك ثمَّ عَلَيْك وَمن سعى عنْدك سعى بك وَكتب مُحَمَّد بن عَليّ كَاتب مُحَمَّد بن خَالِد إِلَيْهِ: ان قوما جَاءُوهُ على سَبِيل التنصح فَذكرُوا ان رسوما للسُّلْطَان بأرمينية قد عفت ودرست وانه توقف عَن تتبعها إِلَى ان يعرف رَأْيه فِيهَا فَوَقع على ظهر رقعته: قَرَأت هَذِه الرقعة المذمومة وسوق السعاة بِحَمْد الله عندنَا كاسدة وألسنتهم فِي أيامنا كليلة فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا فاحمل النَّاس على قانونك وخذهم بِمَا فِي ديوانك فَلم ترد النَّاحِيَة لتتبع الرسوم الْعَافِيَة وَلَا لالحياء الْآثَار الدائرة وجنبني وتجنب بَيت جرير حَيْثُ يَقُول:
(وَكنت إِذا حللت بدار قوم رحلت بخزية وَتركت عارا)
وَأجر أمورك على مَا يكْسب الدُّعَاء لنا لَا علينا وَاعْلَم انها مُدَّة تَنْتَهِي وَأَيَّام تَنْقَضِي فَأَما ذكر جميل أَو خزي طَوِيل وَقد يجوز ان يُرِيد السُّلْطَان أمرا والرأي يُنَافِيهِ أَو يكره شَيْئا وَالصَّوَاب يَقْتَضِيهِ وَلَيْسَ من حكم الْأَدَب ان يُرَاجع بِإِقَامَة حجَّة وَاسْتِيفَاء مناظرة أَو يكاشف برد إِرَادَة وَاسْتِعْمَال مضادة فَإِن ذَلِك يَدْعُو إِلَى توغر الصُّدُور واللجاج فِي الْأُمُور وَعَلَيْك بالإشارات اللطيفة ومعاريض القَوْل الْخَفِيفَة وإيراد الْأَحَادِيث المشاكلة وَوضع الموضوعات المقاربة.
[ ٤٦ ]
وَقَالَ عبد الْملك بن صَالح لعبد الرَّحْمَن بن وهب مؤدب وَلَده: يَا عبد الرَّحْمَن لَا تَعْنِي على قَبِيح وَلَا تردن عَليّ فِي محفل وكلمني على قدر مَاء استنطقك وَاعْلَم ان حسن الِاسْتِمَاع أحسن من حسن الحَدِيث فأرني فهمك فِي طرفك. واعمل أنني قد جعلتك جَلِيسا مقربا بعد ان كنت معلما مباعدا وَمن لم يعرف نُقْصَان مَا خرج مِنْهُ لم يعرف رُجْحَان مَا دخل فِيهِ وَإِيَّاك ان تظهر للسُّلْطَان قُوَّة نفس وَشدَّة بَطش أَو تحمله على تعسف الطَّرِيق وتولج الْمضيق وخبط المسالك واقتحام المراكب فيتصورك فِي الأولى بِصُورَة الأهوج الَّذِي لَا يُبَالِي كَيفَ دخل أَو خرج فَلَا يأمنك على نَفسه وَملكه وَتَكون مَعَه فِي الْأُخْرَى بَين ان تصيب فيعتقد ان الْإِصَابَة من رأية أَو تزل فينسب الزلل إِلَيْك ويحيل الذَّنب عَلَيْك وَلَكِن من الأولى التَّوَسُّط بَين الْإِسْرَاع والتثبط والتقصي والتورط وَالْإِشَارَة إِلَى مَا الرَّأْي فِيهِ أصوب وَمن سَلامَة العواقب أقرب ليخلص من عُهْدَة التَّعْيِين وَالنَّص وتبعة الْبَتّ وَالْقطع ويصل بلطف الحزم إِلَى مَا يكون فِيهِ الْحَظ وَقَضَاء حق النِّعْمَة بالنصح وَكَانَ المكتفي بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ أَمر الْعَبَّاس بن الْحسن وزيره ان يجرد جَيْشًا إِلَى الْحَاج فَإِذا انصرفوا وحصلوا بِالْكُوفَةِ طلب حِينَئِذٍ زكرويه فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: إِلَيّ
[ ٤٧ ]
مرجع الْحَاج مَا قد كفى الله أمره وَجلسَ الْعَبَّاس فِي دَاره وَعِنْده وُجُوه الْكتاب والقواد فَقَالَ لَهُم: ان أَمِير الْمُؤمنِينَ أَمرنِي بِكَذَا وَكَذَا وأشرت بترك طلب زكرويه ثِقَة بَان الله يرِيح مِنْهُ قبل وَقت الْحَاج فَمَا ترَوْنَ فَكل صوب رَأْيه وَعلي بن مُحَمَّد بن الْفُرَات سَاكِت لَا ينْطق فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: مَا عنْدك يَا أَبَا الْحسن قَالَ أَلا تخَالف أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن كَانَ مَا رَآهُ صَوَابا كَانَ تَوْفِيقًا أَو خطا كَانَ عَليّ رَأْيه دون رَأْيك فَأَقَامَ على أمره وَكَانَ من الْوَقْعَة بالحاج مَا كَانَ.
وَمَا شَيْء أقبح بِذِي قلم من تعَاطِي الشجَاعَة والتخلق بأخلاق الجندية وَقد حُكيَ ان عبيد الله بن سُلَيْمَان كَانَ وَاقِفًا بِحَضْرَة المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ إِذْ أفلت سبع من يَدي سِبَاع وهرب النَّاس من بَين يَدَيْهِ وَعدا عبيد الله مذعورا وَدخل تَحت سَرِير وَثَبت المعتضد بِاللَّه فِي مَوْضِعه (٤) فَلَمَّا أَخذ السَّبع وَعَاد عبيد الله إِلَى حَضرته، قَالَ لَهُ المعتضد: مَا أَضْعَف نَفسك يَا عبيد الله! وَمَا كَانَ السَّبع ليصل إِلَيْك وَلَا يتْرك ان يصل فتفعل مَا فعلت فَقَالَ لَهُ: قلبِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قلب الْكتاب وَنَفْسِي من نفوس الإتباع لَا الْأَصْحَاب فَلَمَّا خرج قَالَ لَهُ أَصْحَابه فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُم: أصبت فِيمَا كَانَ مني وغلطتم فِي تصوركم وَوَاللَّه مَا خفت السَّبع لأنني كنت أعلم انه لَا يصل إِلَى ولكنني اعتمدت ان يرى الْخَلِيفَة قُصُور منتي وَقصر همتي فيأمنني
[ ٤٨ ]
وَلَا يخَاف غائلتي وَلَو رأى بِخِلَاف هَذِه الصُّورَة لكَانَتْ فِي تِلْكَ المخافة المحذورة.
وَمِمَّا يجْرِي فِي ضد هَذِه الطَّرِيقَة مَا حدث بِهِ سِنَان بن ثَابت جدي قَالَ: كَانَ المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَاقِفًا فِي الميدان قبل إفضاء الْخلَافَة إِلَيْهِ وَبَين يَدَيْهِ إِسْمَاعِيل بن بلبل إِذْ عرض عَلَيْهِ مهر عَظِيم الْخلق حِين جلب من الجشر فَأمر إِسْمَاعِيل بعض الراضة بِأَن يسرجه ويلجمه ويركبه فَلَمَّا أسرجه ورام أَن يركبه لم يسْتَطع ذَاك وَلَا أمكنه فَضَحِك إِسْمَاعِيل بِهِ وَكَانَ قَوِيا ايدا وَتقدم ليركب الْمهْر وَقد أمسك لَهُ من كل جَانب فَمَا هُوَ ان وثب على ظَهره حَتَّى اضْطربَ من تَحْتَهُ وشب وَقَامَ على رجلَيْهِ وَكَاد إِسْمَاعِيل يسْقط مِنْهُ وحاول النُّزُول مِنْهُ فَلم يستطعه حَتَّى امسكه جمَاعَة فبذ وخجل عِنْد ذَاك خجلا شَدِيدا واستحيي استحياء كَبِيرا
[ ٤٩ ]
وَأَرَادَ المعتضد بِاللَّه ان يبين لَهُ مَوضِع حذقه بالفروسية وانها لَيست بالإيد وَالْقُوَّة وَالْجَلد والشدة فَقَالَ: قدمُوا الْمهْر إِلَيّ فَقدم وَلم يزل يمسح وَجهه بِيَدِهِ وَالْمهْر يتشممه وينخر وَلَا ينفر حَتَّى إِذا بَالغ فِي تسكينه وَرَأى مِنْهُ الانس بِهِ وضع رجله فِي الركاب ووثب على ظَهره كأسرع من لمح الْبَصَر وَأخذ عنانه أخذا رَفِيقًا ثمَّ حَرَكَة تحريكا لطيفا وَلم يزل بِهِ حَتَّى خطا وَمَشى وَذهب عَلَيْهِ وَجَاء فَكَأَنَّهُ قد ذلل وريض مُنْذُ سنة وَقد كَانَ إِسْمَاعِيل غَنِيا عَن فعله الَّذِي أبدى مِنْهُ عَجزه لَان الفروسية لم تكن من شَأْنه وَلَا مِمَّا يُرَاد مِنْهُ أَو يُطَالب بِهِ فَهَذَا مقَام جهل الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وتعاطيه مَا لَيْسَ من فنه.
وَإِيَّاك وإعادة حَدِيث تسمعه أَو إفشاء سر تستودعه. فقد قيل ان السُّلْطَان (١) يغْفر كل ذَنْب إِلَّا مَا كَانَ من إفشاء حَدِيث، أَو فَسَاد حرمه أَو قدح فِي دولة وعَلى ذَاك قَالَ المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ لِأَحْمَد بن الطّيب السَّرخسِيّ وَقد قبض عَلَيْهِ عِنْد خُرُوجه إِلَى الْقَاسِم بن عبيد الله بسره فِي أمره: انت قلت لي ان السُّلْطَان يعْفُو عَن كل أَمر مَا دون الْخُرُوج بسره أَو الْإِفْسَاد لحرمه
[ ٥٠ ]
أَو السَّعْي على دولته وَأَنا أحملك على حكمك وَقَتله.
وَمَا زَالَ جرح اللِّسَان كجرح الْيَد وزلة القَوْل كزلة الْفِعْل وعثرة الْكَلم كعثرة الْقدَم فاحذر ان يكون تقربك إِلَى السُّلْطَان أَو وزيره بخيانة صَاحبك مُقَدرا انك تحظى بذلك عِنْده فَرُبمَا كَانَ فِيهِ فَسَاد أَمرك مَعَه كَمَا لحق المكني أَبَا نوح مَعَ إِسْمَاعِيل بن بلبل فَإِن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْفُرَات حدث قَالَ: لما كثرت شكوى الْمُعْتَمد بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ من إِسْمَاعِيل بن بلبل أَرَادَ الْمُوفق ان يقْضِي حَقه بِصَرْف إِسْمَاعِيل إِلَى ان يسكن مَا فِي نَفسه مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: أخرج إِلَى ضياعك بكوثى وأقم فِيهَا مُدَّة شهر مُعْتَزِلا للْعَمَل ثمَّ عد بعد ذَلِك وقلد مَكَانَهُ الْحسن بن مخلد واستخلف الْحسن أَبَا نوح وَكَانَ أَبُو نوح يُكَاتب إِسْمَاعِيل بن بلبل بأخبار الْحسن فَلَمَّا عَاد إِسْمَاعِيل إِلَى النّظر فِي الوزارة وحضره أَبُو نوح وَجعل يخاطبه خطاب مأنوس بِهِ وَإِسْمَاعِيل يلوي وَجهه عَنهُ فَلَمَّا خلا
[ ٥١ ]
بِهِ أقبل عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: ان الْحَال الَّتِي قدرتها قربتك مني هِيَ الَّتِي نفرتني مِنْك ومنعتني الثِّقَة بك لِأَنَّك إِذا لم تصلح لمن اصطنعك ورفعك وقلدك من الْعَمَل أَكثر مِمَّا قلدتك لم تصلح لي وَمَا أحب كونك بحضرتي وَلَا اختلاطك بخاصتي فاختر بريد نَاحيَة تشاكل طبعك فَاخْتَارَ بريد ماه الْبَصْرَة وقلده إِيَّاه.
وَإِن اتّفق للسُّلْطَان ان يَقُول قولا ملحونا أَو يروي حَدِيثا مدفوعا أَو ينشد شعرًا مكسورا لم يكن لمن يحضر مَجْلِسه من حرمه وَذَوي انسه فضلا عَن أهل الحشمة وَمن لَا تعلق لَهُ بِخُصُوص الْخدمَة ان يرد ذَلِك مواجها ومصرحا بل يعرض بِهِ مُشِيرا وملوحا ويورد فِيهِ من النَّظَائِر والإشكال مَا يكون طَرِيقا إِلَى معرفَة الصَّوَاب فَأَما مَا عَسى ان يَكْتُبهُ السُّلْطَان بِيَدِهِ ويسهو فِي شَيْء من إعرابه أَو لَفظه فعلى وزيره أَو كَاتب رسائله أَن يصلحه سرا لَا جَهرا فَإِن فِي ذَاك تأدية للأمانة فِي النَّصِيحَة وحراسة لصَاحبه من ظُهُور الْعَيْب والنقيصة.
وَحدث النَّضر بن شُمَيْل قَالَ: دخلت على الْمَأْمُون
[ ٥٢ ]
صلوَات الله عَلَيْهِ بمرو وَعلي أَخْلَاق مترعبلة فَقَالَ لي: يَا نضر تدخل عَليّ فِي مثل هَذِه الْأَخْلَاق قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن حر مر وَلَا يدْفع إِلَّا بِهَذِهِ الثِّيَاب فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّك متقشف وتجارينا الحَدِيث فَقَالَ الْمَأْمُون: حَدثنِي هشيم بن بشير عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله إِذا تزوج الرجل الْمَرْأَة لدينها وجمالها كَانَ فِي ذَاك سداد من عوز فَقلت: صدق فوك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وعثر هشيم حَدثنِي عَوْف الإعرابي عَن الْحسن عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله: إِذا
[ ٥٣ ]
تزوج الرجل الْمَرْأَة لدينها وجمالها كَانَ فِي ذَاك سداد من عوز وَكَانَ الْمَأْمُون مُتكئا فَاسْتَوَى جَالِسا وَقَالَ: السداد لحن يَا نضر قلت: نعم وَإِنَّمَا لحن هشيم وَكَانَ لحانا قَالَ: مَا الْفرق بَينهمَا قلت: السداد: الْقَصْد فِي الدّين والسبيل والسداد: الْبلْغَة وكل مَا سددت بِهِ شَيْئا فَهُوَ سداد قَالَ: فأنشدني أخلب بَيت للْعَرَب قلت: قَول حَمْزَة بن بيض فِي الحكم بن مَرْوَان:
(تَقول لي والعيون هاجعة أقِم علينا يَوْمًا فَلم أقِم)
(أَي الْوُجُوه انتجعت قلت لَهَا وَأي وَجه الإ إِلَى الحكم)
(مَتى يقل حاجبا سرادقه هَذَا أبن بيض بِالْبَابِ يبتسم)
[ ٥٤ ]
(قد كنت أسلمت فِيك مقتبلا فهات إِذْ حل أَعْطِنِي سلمي)
قَالَ: فأنشدني أنصف كلمة للْعَرَب. قلت: قَول ابْن آبي عرُوبَة المداني:
(إِنِّي وَإِن كَانَ ابْن عمي غَائِبا لمقاذف من دونه وورائه)
(ومفيده نصري وَإِن كَانَ امْرَءًا متزحزحا فِي أرضه وسمائة)
(وَإِذا الْحَوَادِث أجحفت بسوامه قرنت صحيحتنا إِلَى جربائه)
(وَإِذا استجاش وفرته ونصرته وَإِذا تصعلك كنت من قرنائه)
(وَإِذا دَعَا باسمي ليركب مركبا صعبا قعدت لَهُ على سيسائه)
(وَإِذا أَتَى من وَجهه بطريفة لم أطلع مِمَّا وَرَاء خبائه)
[ ٥٥ ]
(وَإِذا ارتدى ثوبا جميلا لم أقل يَا لَيْت ان عَليّ حسن رِدَائه)
قَالَ: أَحْسَنت لله أَبوك فأنشدني فِي الْمَعْرُوف قلت قَول الْقَائِل.
(يَد الْمَعْرُوف غنم حَيْثُ كَانَت تحملهَا كفور أَو شكور)
(فَعِنْدَ الشَّاكِرِينَ لَهَا جَزَاء وَعند الله مَا كفر الكفور)
فَدَعَا بِدَوَاةٍ ودرج وَكتب شَيْئا لَا أعلم مَا هُوَ ثمَّ قَالَ لي: كَيفَ تَقول من التُّرَاب: أفعل قلت أترب قَالَ: فَمن الطين قلت: طن قَالَ: فالكتاب مَاذَا قلت: مترب مطين.
[ ٥٦ ]
قَالَ: هَذَا أحسن من الأول وَأَمرَنِي ان ألْقى الْفضل بن سهل بالرقعة فَأَتَيْته بهَا فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ: مَا السَّبَب الَّذِي وصلك أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم فَحَدَّثته فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ الله لحنت أَمِير الْمُؤمنِينَ قلت: لَا وَلَكِن عَرفته ان هشيما كَانَ لحانا فَأمر لي الْفضل من عِنْده بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وانصرفت إِلَى منزلي بِثَمَانِينَ وَكَانَ من حسن أدب الْحسن بن سهل وسجاحة خلقه إِذا عرض عَلَيْهِ أحد كِتَابه نُسْخَة كتاب قد أنشأه وَأَرَادَ تَغْيِير شَيْء من أَلْفَاظه ان يَقُول لَهُ: وَالله لقد أَجدت وأحسنت واستوفيت الْغَرَض وأتيت على الْمَعْنى وَلَكِن مَا عنْدك فِي إِبْدَال هَذِه اللَّفْظَة بِكَذَا وَهَذَا الْفَصْل بِكَذَا فَيَقُول الْكَاتِب: يفعل الْأَمِير ذَاك فَيَقُول: لَا بل غَيره انت بخطك وَإِذا كَانَ هَذَا فعل الْأَصْحَاب بالإتباع فَمَا قَوْلك فِي فعل الإتباع بالأصحاب.
وَلَيْسَ من الْعَادة ان يذكر أحد بِحَضْرَة الْخَلِيفَة بكنيته إِلَّا من
[ ٥٧ ]
شرفه بالتكنية وَأَهله لهَذِهِ الرُّتْبَة وَلَا باسم الْخَلِيفَة ان وَافق اسْمه اسْمه وَقد رُوِيَ ان سُلَيْمَان بن عبد الْملك قعد ذَات يَوْم يفْرض للنَّاس فَأقبل فَتى من بني عبس جسيم وسيم يمْلَأ الْعين منظره فَقَالَ سُلَيْمَان: مَا اسْمك قَالَ: سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَأَعْرض عَنهُ حِين وَافق اسْمه اسْمه فَقَالَ لَهُ الْفَتى: لَا شقي اسْم وَافق اسْمك فافرض لي فَإِنِّي سيف بِيَدِك ان ضربت بِي قطعت أَو أَمرتنِي أَطَعْت وَسَهْم فِي كنانتك أستد ان أرْسلت وأصدق حَيْثُ وجهت فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَان: مَا قَوْلك لَو لقِيت عدوا قَالَ: أَقُول حسبي الله لَا اله إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت قَالَ: اكنت متكفيا بذلك لَو لقِيت عَدوك قَالَ: انما سَأَلتنِي عَمَّا انا قَائِل فأخبرتك وَلَو سَأَلتنِي عَمَّا أَنا فَاعل لأنبأتك لَو كَانَ ذَاك لضَرَبْت بِالسَّيْفِ حَتَّى يتعقف ولطعنت بِالرُّمْحِ حَتَّى يتقصف ولعلمت اني وَإِن ألمت انهم يألمون ولرجوت من الله مَا لَا يرجون قَالَ لَهُ سُلَيْمَان أَقرَأت الْقُرْآن قَالَ نعم قرأته صَغِيرا وتأممته كَبِيرا وَجَعَلته لي أَمِيرا وعاملت عَلَيْهِ خَبِيرا قَالَ: أَفَلَك مَال يُغْنِيك أَو عرض من الدُّنْيَا يَكْفِيك قَالَ: لم أزل بَين وَالدّين لَا ينكد لي معاش بَينهمَا قَالَ فَكيف برك بهما قَالَ:
[ ٥٨ ]
اخْفِضْ لَهما من الذل جنَاحا وأرغب إِلَى الله فِي ان يوليهما صلاحا ويلقيهما يَوْم اللِّقَاء تَحِيَّة ونجاحا.
وان دعت الْحَاجة إِلَى ذكر شَيْء يُوَافق اسْم حُرْمَة للسُّلْطَان وَمَا لَا تجوز المواجهة بِهِ أَو تقع الطَّيرَة مِنْهُ أورد ذَاك باسم مستعار وتجنب فِي هَذَا مَا ينبو عَن الْقُلُوب والإسماع كَفعل عبد الْملك بن صَالح وَقد أهْدى إِلَى الرشيد وردا فانه كتب: " قد انفذت إِلَى حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وردا من بستانه فِي دَاره الَّتِي أسكنها فِي طبق من قضبان " فَلَمَّا قرئَ ذَلِك على الرشيد قَالَ أحد الجلساء: مَا ابرد قَوْله فِي قضبان فَقَالَ الرشيد: انما كنى بِهِ عَن الخيزران الَّذِي هُوَ أسم أُمِّي وَقد ملح فِي الِاسْتِعَارَة وأجمل الْأَدَب فِي هَذِه الْعبارَة فاستملح ذَلِك بعد ان استقبح وَاسْتحْسن بعد ان استهجن وكقول الْفضل بن الرّبيع وَقد سَأَلَهُ الرشيد صلوَات الله عَلَيْهِ عَن شَجَرَة خلاف وَقَالَ لَهُ: مَا هَذِه فَقَالَ: وفَاق
[ ٥٩ ]
يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وكقول الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَقد سُئِلَ وَقيل لَهُ: أَيّمَا أكبر انت أم رَسُول الله فَقَالَ: رَسُول الله أكبر وانا أسن صلى الله عَلَيْهِمَا وكقول سعيد بن مرّة وَقد دخل على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: انت سعيد فَقَالَ لَهُ: انا ابْن مرّة وأمير الْمُؤمنِينَ السعيد وَمن ضد ذَلِك مَا حَكَاهُ الْحسن بن مُحَمَّد الصلحي قَالَ: لما صرف الراضي بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى عَن وزارته نكبة ونكب عَليّ بن عِيسَى أَخَاهُ وصادر عليا على ألف ألف دِرْهَم وَعبد الرَّحْمَن على ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَكَانَ ذَلِك طريفا وَحصل عَليّ معتقلا فِي دَار الْخلَافَة وَخَافَ ان يكون فِي نفس الراضي بِاللَّه عَلَيْهِ مَا يَدْعُو إِلَى قَتله إِيَّاه فراسلني وَكنت إِذْ ذَاك كَاتب مُحَمَّد بن رائق يسألني خطاب الراضي بِاللَّه عَن صَاحِبي فِي نَقله إِلَى دَار وزيره إِلَى ان يُؤَدِّي مَا قرر عَلَيْهِ أمره فَجئْت إِلَى الراضي وَقلت
[ ٦٠ ]
لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: عَليّ بن عِيسَى خادمك وخادم آبَائِك وَمن قد عرفت مَحَله من الصِّنَاعَة وموقعه من جمال المملكة وَمن حَاله وَأمره كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: هُوَ كَذَلِك ولكنني انقم عَلَيْهِ ذنوبا وَأخذ يعدد ذنُوب عبد الرَّحْمَن فَقلت: يَا مَوْلَانَا وَأي دَرك يلْزمه فِيمَا قصر فِيهِ أَخُوهُ قَالَ: سُبْحَانَ الله وَهل دبر عبد الرَّحْمَن إِلَّا بِرَأْيهِ أَو أمضى شَيْئا أَو وَقفه إِلَّا عَن أمره وأمري إِيَّاه بألا يحل وَلَا يعْقد إِلَّا بموافقته وَأَقْبَلت أعْتَذر لَهُ وَأَجْعَل بازاء كل ذَنْب حجَّة فَقَالَ دع ذَا مَا خاطبني إِلَّا قَالَ: واك فَهَل تتلقى الْخُلَفَاء بِمثل ذَاك فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ان هَذَا طبع لَهُ قد ألف مِنْهُ وَحفظ عَلَيْهِ وعيب بِهِ فِي أَيَّام خدمته للمقتدر بِاللَّه وَمَا اسْتَطَاعَ ان يُفَارِقهُ مَعَ نشأته عَلَيْهِ وتعوده إِيَّاه فَقَالَ: اعْمَلْ على انه خلق أما كَانَ يُمكنهُ ان يُغَيِّرهُ معما وَصفته بِهِ من الْفضل وَالْعقل أَو يتحفظ معي خَاصَّة فِيهِ مَعَ قلَّة اجتماعه معي ومخاطبته إيَّايَ وَمَا يفعل هَذَا إِلَّا عَن تهاون وَقلة مبالاة فَقبلت الأَرْض مرَارًا بَين يَدَيْهِ وَقلت: الله الله وان يتَصَوَّر مَوْلَانَا ذَاك فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ عَن سوء توفيق وَالْعَفو من أَمِير الْمُؤمنِينَ مَطْلُوب وَلم أزل حَتَّى أَمر بنقله إِلَى دَار وزيره وَنقل وَصحح مَا أَخذ بِهِ خطة وَصرف إِلَى منزله.
[ ٦١ ]
وَمِمَّا هَذِه سَبيله انشاد أبي النَّجْم الراجز هِشَام بن عبد الْملك قصيدته الَّتِي أَولهَا:
(الْحَمد لله الوهوب المجزل أعْطى فَلم يبخل وَلم يبخل)
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله: وَالشَّمْس قد صَارَت كعين الْأَحْوَال فَظن انه عرض بِهِ فَأمر بِأَن توجأ عُنُقه.
وكقول ذِي الرمة وَقد أنْشدهُ:
(مَا بَال عَيْنَيْك مِنْهَا المَاء ينسكب كَأَنَّهُ من كلى مفريةٍ سرب)
فَقَالَ لَهُ: بل عَيْنك
وَقد كَانَ المتنبي افْتتح قصيدته الهائية الَّتِي يمدح بهَا عضد الدولة
[ ٦٢ ]
وأنشده اياها بقوله:
(أوه بديل من قولتي واها لمن نأت والْحَدِيث ذكرَاهَا)
فَقَالَ لَهُ: أوه وكيه وَقد كَانَ قَالَ فِي قصيدته الكافية الَّتِي ودعه بهَا:
(وَأما شِئْت يَا طرقي فكوني أذاة أَو نجاة أَو هَلَاكًا)
فَقَالَ عضد الدولة: يُوشك ان يصاب فِي طَريقَة فَكَانَت منيته فِيهِ
وَيُقَال انه دخل على الدَّاعِي الْعلوِي شَاعِر فِي يَوْم مهرجان فأنشده:
(لَا تقل بشرى وَلَكِن بشريان غرَّة الدَّاعِي وَوجه المهرجان)
[ ٦٣ ]
فبطحه وضربه خمسين عَصا وَقَالَ: اصلاح أدبه أبلغ فِي ثَوَابه
وَكَانَ إِسْمَاعِيل بن عباد أنْشد عضد الدولة فِي وُرُوده إِلَى حَضرته بهمذان قصيدة بائيه لقبت " اللاكنية " لقَوْله فِي ابتدائها:
(اشبب لَكِن بالمعالي أشبب وانسب لَكِن بالمفاخر انسب)
(ولي صبوة لَكِن إِلَى حَضْرَة الْعلي وَبِي ظمأ لَكِن من الْعِزّ أشْرب)
وَيَقُول فِيهَا فِي ذكر أبي تغلب بن حمدَان
(ضممت على أَبنَاء تغلب تأيها فتغلب ماكر الجديدان تغلب)
فتطير عضد الدولة من مواجهته إِيَّاه بتغلب وَقَالَ: يَكْفِي الله
وَهَذِه أُمُور وَإِن قلت وصغرت فلهَا تَأْثِير فِي الصُّدُور وموقع من استشعار السوء أَو السرُور. وسبيل الحازم أَن يتيقظ فِيهَا، ويتحفظ مِنْهَا وَمَا أحسن مَا قَالَ ابْن الرُّومِي، وَقد قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيم الزّجاج:
أَرَاك تكْثر التفاؤل والطيرة فَمَا اعتقادك فِي ذَاك قَالَ: الفأل لِسَان الزَّمَان والطيرة عنوان الْحدثَان.
وأياك وان يَدْعُوك انسك بالسلطان وانبساطك مَعَه إِلَى التَّقْصِير بِهِ أَو الإدلال عَلَيْهِ وخذه فِي الْمُعَامَلَة باستشعار الهيبة وَاسْتِعْمَال المراقبة وزده من الإعظام والكرامة مَعَ تَأَكد الْحُرْمَة
[ ٦٤ ]
وتمادي المصاحبة ودع التبجح بكفاية ان كَانَت فِيك أَو الْمُطَالبَة بِمَا تَقْتَضِيه آمالك ودواعيك فَإِن زِيَادَة الدَّالَّة مفْسدَة للْحُرْمَة ومواصلة الإستزادة مجلبة للبغضة وَقد حُكيَ ان الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ عرض على الْمُعَلَّى بن أَيُّوب عملا يقلده إِيَّاه فاستعفاه مِنْهُ فَقَالَ لَهُ: الخائن أسهل أمرا عَليّ من الْأمين، لِأَنَّهُ لَا يدل وَلَا يتسحب. وَقَالَ الْمَنْصُور، صلوَات الله عَلَيْهِ فِي أبي مُسلم (٢)، أدل فأمل واوجف فأعجف وَقَالَ فِي خطبَته يذكرهُ: وَلم يمنعنا وجوب الْحق لَهُ من إِيجَاب الْحق عَلَيْهِ.
وَحدث عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر قَالَ: كنت بِحَضْرَة عبيد الله بن سُلَيْمَان فَرمى إِلَى برقعة وَقَالَ: أما ترى هَذَا التَّصْرِيح والتهجين الْقَبِيح فَنَظَرت فِيهَا فَوَجَدتهَا رقْعَة حمد بن مُحَمَّد الْكَاتِب وَقد ضمنهَا:
(بَيْننَا حُرْمَة وعهد وثيق وعَلى بَعْضنَا لبَعض حُقُوق)
(فاغتنم فرْصَة الزَّمَان فَمَا يدْرِي مطيق منا مَتى لَا يُطيق) فَقلت: الْوَزير أيده الله مُنْتَهى الآمال وحقيق بِالْإِحْسَانِ والأفضال قَالَ: إِلَّا ان الدَّالَّة رُبمَا أخرجت إِلَى الْخرق وغيرت
[ ٦٥ ]
جميل الْخلق قلت: وَلَيْسَت دَالَّة ذَوي الانس مُوجبَة غَضبا وَلَا قَاطِعَة سَببا وَمن شيم الفاضلين الْإِحْسَان إِلَى الخدم المؤملين
وَمَتى أَرَادَ الْوَزير ان يكْتب شَيْئا بِحَضْرَة الْخَلِيفَة إِذا أمره بِهِ فقد كَانَت الْعَادة جَارِيَة بِأَن يكون فِي خف الْوَزير أَو الْكَاتِب دَوَاة لَطِيفَة بسلسلة ودرج ومطينة فِيهَا أساحي وطين فَإِذا أَرَادَ ان يكْتب علق الدواة فِي يَده الْيُسْرَى وَأمْسك الدرج بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَإِذا فرغ أصلح الْكتاب وأسحاه وَوضع الطين عَلَيْهِ وختمه وأنفذه.
وَقيل: إِن الواثق بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ آلى على نَفسه ليقْتلن مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات مَتى قدر عَلَيْهِ وأفضى الْأَمر إِلَيْهِ وَذَاكَ
[ ٦٦ ]
لقبيح عَامله مُحَمَّد بن عبد الْملك بِهِ وَالْخَبَر مَشْهُور فِيهِ فَلَمَّا تقلد الْخلَافَة وَأَرَادَ ان يكْتب كتابا فَأمر كِتَابه مَا خلا مُحَمَّد بن عبد الْملك بِأَن يقرروا نسخته لَهُ فَكتب كل مِنْهُم بِمَا لم يُوَافق مَا فِي نَفسه وَدخل مُحَمَّد بن عبد الْملك وَهُوَ على جملَة اعْتِقَاده فِي النبو عَنهُ واعتزام السوء فِيهِ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ يَا مُحَمَّد فِي معنى كَذَا كتابا فَأخْرج دَوَاة ودرجا من خفه وَكتب بِمَا استوفى الْمَعْنى فِيهِ وَعرضه عَلَيْهِ فَكَانَ على مَا فِي نَفسه وَقَالَ لَهُ: انت الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ الْملك من هَاهُنَا وَوضع سبابته فِي أصل أُذُنه وَخرج إِلَيْهِ بِمَا فِي صَدره مِنْهُ وَقَالَ لَهُ: استبقاؤك والاحتفاظ بك أولى من إطاعة الحفيظة فِيك وَقد حَلَفت على مَا اعتقدته فِيك بِيَمِين هِيَ كَذَا فاطلب لي مخرجا ومخلصا مِنْهَا وَأطلق من مَالِي كل مَا أَبْرَأ بِهِ من الْحِنْث فِيهَا وَأقرهُ على وزارته وَكَانَ هَذَا الرَّسْم جَارِيا إِلَى ان تغير فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِن المقتدر أَمر عَليّ بن عِيسَى ان يكْتب بِحَضْرَتِهِ كتابا عَنهُ باسقاط مَال
[ ٦٧ ]
التكملة عَن أهل فَارس فَأخْرج من خفه الدواة اللطيفة الَّتِي ذَكرنَاهَا وعلقها بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَأخذ الدرج باليمنى وَرَآهُ المقتدر بِاللَّه وَقد شقّ ذَلِك عَلَيْهِ فَأمر بإحضار دواته وان يقف بعض الخدم مَعَه فيمسكها حَتَّى يفرغ من كِتَابَته وَكَانَ أول وَزِير أكْرم بِهَذَا ثمَّ صَار رسما للوزراء بعده.
وَلَيْسَ من الْأَدَب ان يستسقى المَاء فِي دَار الْخلَافَة وَلَا من الرَّسْم ان يسقى هَذَا فِي عُمُوم النَّاس فَأَما الْخَواص فَرُبمَا فسح لَهُم فِي ذَاك على وَجه الْإِكْرَام وَالْأولَى أَلا يكون.
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ: حضر المهلبي دَار الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ لأمر عرض فَإلَى ان يُؤذن لَهُ ويصل مَا استسقى مَاء وَتَأَخر إِلَى ان دخل إِلَى حَضرته وَخرج وَنزل إِلَى طياره ولحقه خَادِم مَعَه غُلَام تركي وضيء الْوَجْه حسن الثِّيَاب وَفِي يَده شرابي ذهب فِيهِ كوز بلور وَعَلِيهِ منديل دبيقي وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى منديل شراب فَشرب المهلبي فَلَمَّا فرغ وَسلم الْكوز إِلَى الْغُلَام قَالَ الْخَادِم
[ ٦٨ ]
للغلام: امْضِ مَعَ الْوَزير فَقَالَ: المهلبي: وَلم ذَاك قَالَ: لِأَنَّهُ لم تجر الْعَادة يَا سَيِّدي بِأَن يخرج عَن دَار الْخلَافَة شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء وَيعود إِلَيْهَا وَقد رسم لي مَا فعلت وَلَا قدرَة لي على مُخَالفَته والغلام الْآن عنْدك وَمَا مَعَه لَك وأصعد المهلبي وَمَعَهُ جَمِيع ذَلِك
وَمَا أليق هَذَا الْفِعْل بِأَفْعَال السّلف من هَذِه الشَّجَرَة الشَّرِيفَة فَإِن المكنى أَبَا عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى قَالَ: حج ضرار بن الْأَزْوَر فِي الْجَاهِلِيَّة فَرَأى مَتَاعا عِنْد بعض التُّجَّار فأعجبه وساومه فِيهِ وابتاعه مِنْهُ بِثَلَاثِينَ بَعِيرًا وَقَالَ لَهُ: أقِم لي ضمينا فَدخل إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَرَأى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب صلوَات الله عَلَيْهِ فِي حلقه وَهُوَ بارع الْجمال فَقَالَ: من هَذَا قَالُوا: ابْن شيبَة الْحَمد الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَأَتَاهُ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْن شيبَة الْحَمد انا ضرار بن الإزور وَخَبره بِقِصَّتِهِ مَعَ التَّاجِر فَقَالَ: ايتني بِهِ
[ ٦٩ ]
فَأَتَاهُ بِهِ وَضمن لَهُ الْإِبِل على أسنانها وَأخذ ضرار الْمَتَاع وَانْطَلق بِهِ ثمَّ جَاءَ بِالْإِبِلِ فَوجدَ التَّاجِر قد أَخذهَا من الْعَبَّاس فَجَاءَهُ وأعلمه إِحْضَاره الْإِبِل ليأخذها مَكَان مَا دَفعه عَنهُ فَقَالَ: انا أهل بَيت إِذا أخرجنَا من أَمْوَالنَا شَيْئا لم نرتجعه فشأنك بإبلك فَعَاد ضرار بهَا وَقَالَ:
(آبت إِلَى الْحَيّ أدماء مزنمة لح محاجرها ورق وأعياس)
(أفاءها ماجد الجدين ذُو فَخر ضخم دسيعته بِالْحَمْد مكاس)
(مَا نَاب حَيّ من الْأَحْيَاء نَائِبه إِلَّا تحمل عَنْهَا ذَاك عَبَّاس)
(فَتى قُرَيْش وَفِي الْبَيْت الرفيع بهَا واري الزِّنَاد مَا أصلد النَّاس)
[ ٧٠ ]