أما الألقاب فَهِيَ قديمَة وَكَانَ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة ذُو نواس وَذُو رعين وَذُو قرن وَذُو فائش وَذُو جدن وَغير ذَلِك ووافى الْإِسْلَام فوسم بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ جمَاعَة من أَصْحَابه مِنْهُم: أَسد الله حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَذُو الْيَدَيْنِ عَمْرو بن عبد عَمْرو بن نَضْلَة وَذُو السيفين أَبُو الْهَيْثَم مَالك بن التيهَان الانصاري وَكَانَ يحضر الْحَرْب بسيفين ولقب مِمَّن اسْتشْهد فِي الحروب خُزَيْمَة بن ثَابت الانصاري بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ وجعفر بن أبي طَالب بالطيار وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن اسْمه مَذْكُور وَخَبره مَشْهُور وَكَانَ أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ يَدعُونَهُ بالأمين ولقب هُوَ أَبَا بكر بِالصديقِ وَعمر بالفاروق وَعُثْمَان بِذِي النورين ولقب النَّاس بعد وَفَاته عَليّ بن أبي طَالب بالوصي فَلَمَّا توفّي رَسُول الله دَعَا النَّاس أَبَا بكر بخليفة رَسُول الله وَكتب على كتبه مثل ذَلِك وَقَامَ عمر بعده فدعي بخليفة خَليفَة رَسُول الله مد يدة ثمَّ نقل إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ السَّبَب على مَا رُوِيَ: ان عمر رحمت الله عَلَيْهِ كتب إِلَى عاملة بالعراق بِأَن يبْعَث إِلَيْهِ رجلَيْنِ عارفين بِأُمُور الْعرَاق ليسألهما عَمَّا يُرِيد سؤالهما عَنهُ فأنفذ إِلَيْهِ لبيد بن ربيعَة وعدي بن حَاتِم فَلَمَّا وصلا إِلَى الْمَدِينَة اناخا راحلتيهما بِفنَاء الْمَسْجِد ودخلاه وَفِيه عَمْرو بن الْعَاصِ
[ ١٢٨ ]
فَقَالَا لَهُ اسْتَأْذن لنا على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهما انتما اصبتما اسْمه وَقَامَ فَدخل على عمر وَقَالَ لَهُ: السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: مَا بدا لَك يَابْنَ الْعَاصِ فِي هَذَا القَوْل لتخْرجن من ذَلِك قَالَ: نعم ورد لبيد وعدي ودخلا الْمَسْجِد وَقَالا اسْتَأْذن لنا على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقلت لَهما انتما اصبتما أُسَمِّهِ وانت الْأَمِير وَنحن الْمُؤْمِنُونَ ودعا لَهُ بِهِ على الْمِنْبَر أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَاسْتمرّ الْأَمر على مثله لكل من انتصب منصبه وَلم يتلقب أحد من بني أُميَّة فَلَمَّا انْقَضتْ أيامهم وَعَاد الْحق إِلَى أربابه وَظَهَرت الدولة العباسية ثَبت الله أَرْكَانهَا وَأخذت الْبيعَة لإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد رحمت الله عَلَيْهِ قيل الإِمَام وتلقب الْخُلَفَاء الراشدون صلوَات الله عَلَيْهِم مُنْذُ لدن أَبى الْعَبَّاس عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الَّذِي اخْتلف فِي لقبه فَقيل: الْقَائِم وَقيل: الْمُهْتَدي وَقيل: المرتضى لما غلب عَلَيْهِ السفاح وَإِنَّمَا ذكر بذلك لِكَثْرَة مَا سفح من دِمَاء بني أُميَّة وتعددت الألقاب إِلَى وزراء الدولة فتلقب أَبُو سَلمَة حَفْص بن غياث بن سُلَيْمَان الْخلال بوزير آل مُحَمَّد وَكتب ذَلِك على كتبه وَقَالَ فِيهِ سُلَيْمَان بن مهَاجر البَجلِيّ:
(إِن الْوَزير وَزِير آل مُحَمَّد أودى فَمن يشناك كَانَ وزيرا)
ولقب الْمهْدي صلوَات الله عَلَيْهِ يَعْقُوب بن دَاوُد بن طهْمَان وزيره:
[ ١٢٩ ]
الْأَخ فِي الله حَتَّى قَالَ فِيهِ سلم الخاسر:
(قل للْإِمَام الَّذِي جَاءَت خِلَافَته تهدى إِلَيْهِ بِحَق غير مَرْدُود)
(نعم الْمعِين على التَّقْوَى أعنت بِهِ أَخُوك فِي الله يَعْقُوب بن دَاوُد)
وكنى الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ أَبَا الْعَبَّاس الْفضل بن سهل ولقبه ذَا الرئاستين وكنى أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن سهل أَخَاهُ حِين استوزره بعده ولقبه ذَا الكفايتين وتلقب صاعد بن مخلد فِي أَيَّام الْمُعْتَمد بِاللَّه بِذِي الوزارتين إِشَارَة إِلَى وزارة الْمُعْتَمد والموفق وتلقب إِسْمَاعِيل بن بلبل بالشكور المناصر لدين الله وَكتب ذَلِك على كتبه وكنى المكتفي بِاللَّه أَبَا الْحُسَيْن الْقَاسِم بن عبيد الله ولقبه بولِي الدولة وَكَانَ أول من لقب فِي الدولة وكنى المقتدر بِاللَّه أَبَا الْحسن ابْن الْفُرَات وَأَبا عَليّ بن مقلة وكنى أَيْضا ابا عَليّ الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن عبيد الله ولقبه عميد الدولة وَقد لقب من أَصْحَاب السيوف وقواد الجيوش أَبُو مُسلم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بأمين
[ ١٣٠ ]
آل مُحَمَّد وَقيل: سيف آل مُحَمَّد وطاهر بن الْحُسَيْن فِي أَيَّام الْمَأْمُون رحمت الله عَلَيْهِ بِذِي اليمينين ولقب المعتصم بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ حيدر بن كاوس بالأفشين لِأَنَّهُ أسروشني وشني والأفشين اسْم الْملك بأسروشنة كَمَا يُقَال لملك الرّوم قَيْصر ولقب الْمُعْتَمد على الله رحمت الله عَلَيْهِ إِسْحَاق بن كنداج بِذِي السيفين ولقب مؤنس فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ بالمظفر وسلامة أَخُو نجح فِي أَيَّام القاهر بِاللَّه بالمؤتمن وَمُحَمّد بن طغج فِي أَيَّام الراضي بِاللَّه بالإخشيذ والإخشيذ اسْم الْملك بفرغانة وَالْحسن بن حمدَان فِي أَيَّام المتقي لله بناصر الدولة وَعلي أَخُوهُ بِسيف الدولة وتلقب توزون فِي أَيَّام المستكفي بِاللَّه بالمظفر وَكتب على كتبه: من المظفر أبي الْوَفَاء مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ.
ووافت الْأَيَّام البويهية فافتتحت الألقاب فِيهَا للثَّلَاثَة الْأُخوة الَّذين هم: أَبُو الْحسن عَليّ وَأَبُو عَليّ الْحسن وأبوا الْحُسَيْن أَحْمد: بعماد الدولة وركن الدولة ومعز الدولة واستمرت بعد ذَاك فَأَما معز الدولة فَإِنَّهُ اقترح عز الدولة فَمَنعه المستكفي بِاللَّه مِنْهُ وكسره إِلَى معز الدولة ولقب الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ بعد ذَلِك أَبَا مَنْصُور بختيار: عز الدولة وَكَانَ عضد الدولة اقترح عِنْد اسْتِقْرَار الْأَمر على تلقيبه تَاج الدولة فَلم يجب إِلَيْهِ وَعدل بِهِ إِلَى عضد الدولة فَحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ: لما ورد عضد الدولة فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة للمعاونة على الأتراك قَالَ لي فِي بعض مَا تجاذبنيه قد عرفت يَا أَبَا إِسْحَاق مَا كَانَ من الْعم معز الدولة فِي منعنَا من اللقب بتاج الدولة وردنا عَنهُ وَلَو جِئْنَا نتلقب الْآن بِهِ لقبح ان يُقَال
[ ١٣١ ]
عضد الدولة وتاج الدولة فَقلت وَلم لَا يُقَال وتاج الْملَّة فَيجمع فِي اللقبين بَين الدولة وَالْملَّة قَالَ: صدقت فاكتم هَذَا الْأَمر إِلَى أَن يحضر وقته فَلَمَّا عَاد فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائه تلقب بِهِ وَصَارَت الألقاب مثناة بعد ذَلِك ثمَّ لقب بهاء الدولة فِي أول الدعْوَة القادرية بلقب ثَالِث فِي الْأمة وَبعده بلقب رَابِع فِي الدّين وَاسْتمرّ الْأَمر على ذَاك فَأَما وُلَاة خُرَاسَان فَلم يلقب أحد مِنْهُم من قبل وَإِنَّمَا كَانُوا يكنون فَافْتتحَ ذَاك بِمَا لقب بِهِ مَحْمُود بن سبكتكين فِي الْأَيَّام القادرية.
[ ١٣٢ ]