بعد حمد الله الَّذِي بِهِ ترعى النِّعْمَة وتستبقى وتبغى الرَّحْمَة وتستدعي وَيُؤَدِّي الْحق وَيقْضى ويمتري الْمَزِيد ويستقضى وَالصَّلَاة على مُحَمَّد رَسُوله بإخلاص من السرائر واستغراق الِاجْتِهَاد فِي الابتهال وَالدُّعَاء للموقف الْأَعْظَم النَّبَوِيّ وَالْمقَام الأطهر الزكي بإطالة الْبَقَاء وإدامة الْعَلَاء واكبار الْقدر واغزار النَّصْر وحراسة الْحَوْزَة وحياطة الدعْوَة وتثبيت الْوَطْأَة وتوطيد الدولة فَمَا زَالَت الصَّنَائِع معروضة على أولي الْمَعْرُوف بهَا والبضائع مجلوبة إِلَى ذَوي الرَّغْبَة فِيهَا وأعلاق المضنة مزفوفة إِلَى أكفائها وخطابها وموقوفة على أوليائها من طلابها وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالعلوم أَعلَى البضائع قدرا وأوفى البضائع ربحا وَأقوى الذرائع حبلًا وأوضح المسالك سبلا وأعلق الْأَسْبَاب بالقلوب وأوسع الْأَبْوَاب إِلَى الْقبُول بذلك حكم الْعقل وَجرى الْعرف وَوَقع الْإِجْمَاع وَزَالَ الْخلف وَلما تَأَمَّلت أهل الزَّمَان مِمَّن رمقته الْعُيُون بنواظرها وعلقته الظنون بخواطرها وقدمته المآثر بتكاثرها وميزته المفاخر بتكاملها وَوجدت سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله لَا زَالَ جده صاعدا وسعده طالعا وعزه راهنا
[ ٣ ]
وسلطانه قاهرا الإِمَام الْمُقدم غير مدافع وَخَلِيفَة الله الْمُعظم غير مُنَازع وَأجل من رام أمدا فملكه وَرمى غَرضا فأدركه وَجرى لبلوغ غَايَة فحازها وسعى لإحراز نِهَايَة فجازها وَصَارَ بذلك أولى من نصت عَلَيْهِ الرِّجَال بالتفضيل ونصت إِلَيْهِ الرّحال بالتأميل وَأثْنى عَلَيْهِ المثنون فعجزوا عَن تَحْدِيد صفته وقرظه المقرظون فقصروا عَن تَحْصِيل حَقِيقَته وَمَا كَانَ الله ليجعل رسالاته إِلَّا بِحَيْثُ هُوَ أعرف وَأعلم ويولي نعْمَته إِلَّا من كَانَ بهَا أنهض وأقوم وَيُؤْتى خِلَافَته إِلَّا من كَانَ عَلَيْهَا أقوى وأقدر وَيُعْطى كرامته إِلَّا من كَانَ بهَا أَحْرَى وأجدر ليعلم ان أَفعاله تبَارك اسْمه وَاقعَة على الْعدْل وَالصِّحَّة وَجَارِيَة على الْحِكْمَة والمصلحة وان من أثبت ذَلِك قَاعِدَة على التدبر وأفضله عَائِدَة على التبين ان جعل استكفاءه من استكفاءه من عرض بريته واصطفاءه من اصطفاه من بَيت نبوته أولي النَّهْي والحجى وَذَوي الدّين والتقى لتَكون الْحَيَاة باختيارهم مقرونة والسيرة لِمَكَانِهِمْ مَأْمُونَة والاستقامة بتدبيرهم وعَلى أَيْديهم مَوْجُودَة والسلامة فِي مبادئهم وعواقبهم مرجوة وَالدّين بمحافظتهم محوطا وَالْأَمر بملاحظتهم مضبوطا فَالْحَمْد لله على ان جمع للحضرة المقدسة لَا زَالَت بالنصر مكنوفة وبعين الله مكلوءة شرف الْقَدِيم والْحَدِيث وكرم التليد والطريف حَتَّى اتَّصَلت الْأَوَاخِر بالمبادي واطردت الإعجاز على الهوادي وَطَابَتْ الْأُصُول والفصول وزكت الْعُرُوق وَالْفُرُوع فان امْرَءًا كَانَ من شَجَرَة النُّبُوَّة منزعة وَفِي بحبوحة الْإِمَامَة متربعة وَمن أسرة النُّبُوَّة مخرجة وَفِي بَيت الْخلَافَة مدرجة لحقيق ان يكون خَليفَة لله طَاهِرا نقيا وأمينا على دينه برا تقيًا وراعيًا لخلقة مخلصا ناصحا وَقَائِمًا بِحقِّهِ مُسْتقِلّا ناهضا وملجأ للعائذين دافعا حَافِظًا وموئلا للائذين مَانِعا عَاصِمًا وخليق ان يكون لرضى الله حائزا وبالزلفى لَدَيْهِ فائزًا وبالنعمى
[ ٤ ]
مِنْهُ مغمورا وبالحسنى مشمولا وان تكون الموهبة من كَامِلَة وبنزول الرَّحْمَة كافلة والصدور بموالاته مترعة والألسن بالثناء عَلَيْهِ مجتمعة وَالْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ لَهُ مُرْتَفعَة وَالله يُجيب فِيهِ أفضل ذَلِك مستمعا ومقبولا وأخلصة مُعْتَقدًا ومقولا ويحرس على الدّين وَالدُّنْيَا محاسنه الزاهرة ومناقبه الباهرة وَمَا مده عَلَيْهِمَا من ظلّ دولته وأجراه لَهما من بَرَكَات إيالته حَتَّى يمْلَأ الْخَافِقين عدلا شَائِعا كَمَا ملأهما فضلا بارعًا ويعم المشرقين فعلا جميلا كَمَا عَمهمَا طولا جزيلًا انه على مَا يَشَاء قدير وَبِحسن الْإِجَابَة جدير.
وَلما كَانَت الْخلَافَة من النُّبُوَّة وَكَانَ لَهَا من جلالة الْقدر وفخامة الْأَمر أَعْلَاهَا مراقب وَأَشْرَفهَا مَرَاتِب وَمن أس الإعمال وقوانين الْأَفْعَال أوضحها معالم وأثبتها دعائم وَمن شُرُوط المكاتبات ورسوم الترتيبات أحْسنهَا طرائق وأحكمها وثائق وَمن حُقُوق الْخدمَة وحدود الحشمة أولاها بأولي الْعقل والمسكة وَذَوي الحزم والحنكة وأحراها بِأَن يتداول ويتفاوض ويتناقل ليَكُون تذكرة للناسي وتبصرة للناشي وطريقا إِلَى معرفَة مَا عظمه الله من شَأْن الدعْوَة الهاشمية وأعزه من سُلْطَان الْإِمَامَة العباسية فَوجدت أَكثر ذَلِك قد درس بتقادم عهوده وَتغَير وضوعه وَلَيْسَ كل من مر على عهد اخْتَار أخباره أَو أَمر شَاهده فألفه ووجدتني قد سَمِعت من إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي فِيهِ مَا لم يكن بَقِي فِي وقته من يُشَارِكهُ فِي كثير من علمه وَعلل مَا وَقع الِاصْطِلَاح
[ ٥ ]
عَلَيْهِ مِنْهُ وَلَا بَقِي الْآن من يشاركني فِي إِسْنَاده وَرِوَايَته عَنهُ وَخفت ان تلْحق هَذِه الْبَقِيَّة بِتِلْكَ المواضي المنسية وَرَأَيْت حُقُوق النِّعْمَة الَّتِي غمرتني وغمرت أسلافي للدولة العباسية ثَبت الله أَرْكَانهَا تَقْتَضِي الْعِنَايَة بهَا ان انشر أَعْلَام سننها الْقَدِيمَة وأوضح آثَار سَيرهَا القويمة جمعت من ذَلِك مَا ضبطته بالتأليف، وحفظته بالتصنيف وَجَعَلته من القربات الَّتِي أراعي الفرص فِيهَا وأحافظ على مَا وفر الْحَظ مِنْهَا وَأَرْجُو ان يَقع الْخَادِم مِمَّا اعْتمد وَفعل الْموقع الَّذِي لحظيه بِمَا رجا وأمل وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
وسأورد مَا أوردهُ أبوابا أبين فِيهَا مَا كَانَت الْأُمُور جَارِيَة عَلَيْهِ وَمَا تأدت وآلت على الْأَيَّام إِلَيْهِ ليعرف من ذَلِك السالف والانف والمتبع والمبتدع.
[ ٦ ]