من رسوم الْكتب عَن الْخُلَفَاء وإليهم ان تكون بأوضح خطّ وأفصح لفظ وَتَكون السطور من أول القرطاس وَمن غير تَفْصِيل فِي أحد جَانِبي السطر وَيكون بَين كل سطر وسطر سَعَة.
وسبيل الْكَاتِب ان يقل الْمشق وَالْمدّ ويتجنب الْإِرْسَال والإدغام وَيمْتَنع من النقط والشكل فَإِن فيهمَا تقصيرا بِمن يُكَاتب لِأَنَّهُ يتَصَوَّر بِصُورَة من تنقص مَعْرفَته فَيحْتَاج إِلَيْهِمَا فِي مُكَاتبَته.
فَأَما العنوان فَالَّذِي جرت الْعَادة بِهِ فِيهِ ان يكْتب فِي جَانِبه الْأَيْمن بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم لعبد الله عبد الله أبي جَعْفَر الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بِغَيْر دُعَاء وَلَا ذكر اسْم أَب وان كَانَ خَليفَة ملقبا لَان اللقب بإمرة الْمُؤمنِينَ قد قَامَ مقَام النّسَب الَّذِي يعْتَمد فِيهِ التَّعْرِيف.
وَمن الْجَانِب الآخر: من عَبده أَو عَبده وصنيعته وعَلى مَا يخْتَار الْمكَاتب فلَان بن فلَان باسمه وَاسم أَبِيه وان كَانَ مكني من حَضْرَة الْخَلِيفَة لم يذكر عَلَيْهِ أَو ملقبا مكني اقْتصر على اللقب والأسم وَاسم الْأَب وان كَانَ الْأَب ملقبا مكنى ذكره باللقب وَالِاسْم وَقَالَ بعد ذَلِك: مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ ان كَانَ من الْأَعَاجِم والموالي وَيكون جَمِيع مَا ذَكرْنَاهُ فِي سطر وَاحِد وَقد كَانَت العنوانات الْعَامَّة قَدِيما على مثل هَذِه الصّفة من تَقْدِيم اسْم الْكَاتِب وَتَأْخِير اسْم الْمَكْتُوب
[ ١٠٤ ]
إِلَيْهِ إِلَّا فِيمَا كَانَ إِلَى أَمَام أَو وَالِد على مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله من قَوْله: إِذا كتب أحدكُم فليبدأ بِنَفسِهِ إِلَّا إِلَى وَالِد أَو أَمَام وَكتب زيد بن ثَابت إِلَى مُعَاوِيَة فَبَدَأَ باسم مُعَاوِيَة اتبَاعا لهَذِهِ الوصاة والطريقة.
وَكَانَ مِمَّا نقمه الْمَنْصُور صلوَات الله عَلَيْهِ على أبي مُسلم ان كتب أَبُو مُسلم إِلَيْهِ: من أبي مُسلم إِلَى أبي جَعْفَر عُدُولًا بِهِ عَن هَذِه الرُّتْبَة وتوقفا عَن الْإِقْرَار لَهُ بِالْإِمَامَةِ ثمَّ تسمح النَّاس فقدموا اسْم الْمَكْتُوب إِلَيْهِ وأخروا اسْم الْكَاتِب وَجعلُوا ذَاك بِغَيْر دُعَاء للْمكَاتب إِلَى ان كتب الْفضل بن سهل إِلَى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
لأبي إِسْحَاق ابقاه الله من أبي الْعَبَّاس فأنفذ الْكتاب إِلَى سُلَيْمَان عَمه مطرفا لَهُ بِهِ فَمَا وصل إِلَيْهِ حَتَّى وافاه صَاحبه بِكِتَاب من الْفضل إِلَيْهِ بِمثل مَا كَاتب إِبْرَاهِيم بِهِ وَاسْتعْمل الدُّعَاء على العنوانات من بعد ذَاك إِلَّا مَا كَانَ إِلَى الْخَلِيفَة وَعنهُ فَإِنَّهُ بَقِي على قديم رسمه فَأَما الْيَوْم فقد اسقط الملقبون ذكر ألقابهم على عنوانات كتبهمْ إِلَى الْخُلَفَاء واقتصروا على اسمهم وَاسم أَبِيهِم وظنوا ان ذَلِك إعظام للخليفة واخبات وَلَيْسَ كَذَاك فَإِن اللقب تشريف من السُّلْطَان وَكَأن التارك لَهُ تَارِك لما شرف بِهِ وَمن الْأَوَامِر فِي الْكتب بِالْأَلْقَابِ: يُكَاتب أَمِير الْمُؤمنِينَ متلقبا متسميا وَمن سواهُ متلقبا متكنيا وعَلى هَذَا فإنني أرى إِسْقَاط اللقب الْآن جميلا لآن الألقاب قد زَادَت على حُدُودهَا وتجاوزت مَا كَانَ عهد قَدِيما مِنْهَا فَأَما صدر الْكتاب بعد بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَيكون
[ ١٠٥ ]
لعبد الله أبي جَعْفَر عبد الله الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ بِغَيْر دُعَاء من عَبده فلَان سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي احْمَد إِلَيْهِ الله الَّذِي لَا اله إِلَّا هُوَ وأسأله ان يُصَلِّي على عَبده وَرَسُوله وَقد كَانَ مَا يكْتب بِهِ قَدِيما فِي الصُّدُور لأبي فلَان فلَان سَلام عَلَيْك أما بعد حَتَّى كَانَت أَيَّام الْمَأْمُون صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ زيد بعد سَلام عَلَيْك: فَإِنِّي احْمَد إِلَيْك الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وأسأله ان يُصَلِّي على مُحَمَّد عَبده وَرَسُوله وَيكون الصَّدْر الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي سطرين وَيُقَال بعده: أما بعد أَطَالَ الله بَقَاء سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأدام عزه وتأييده وكرامته وسعادته وحراسته وَأتم نعْمَته عَلَيْهِ وَزَاد فِي إحسانه وفضله عِنْده وَجَمِيل بلائه وجزيل عطائه لَهُ فَالْحَمْد لله ويوصف الله بصفاته ان كَانَ الْكتاب ابْتَدَأَ فِي أَخْبَار بِفَتْح أَو مطالعة بأثر وان كَانَ جَوَابا قيل أما بعد فَإِن كتاب سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ ويستتم الدُّعَاء ورد على عَبده بِكَذَا وبقبض الْكتاب وفهمه وَفعل وصنع وتشرح الصُّورَة فِيمَا يُرَاد ذكره وَأول من تكلم بأما بعد: قس بن سَاعِدَة فِي موقفه بعكاظ وخطبته واستحسنها رَسُول الله فاستعملها وَاتبع رَأْيه وَفعله فِيهَا وَالْمعْنَى فِي ذَلِك: أما بعد ذكر الله فالحال كَذَا وَإِذا فرغ من الْكتاب وَختم بإن شَاءَ الله قيل أتم الله على أَمِير الْمُؤمنِينَ نعْمَته وهنأه كرامته وَألبسهُ عَفوه وعافيته وأمنه وسلامته وَالسَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ ورحمت
[ ١٠٦ ]
الله وَبَرَكَاته وَكتب يَوْم كَذَا من شهر كَذَا من سنة كَذَا وَلَا يذكر اسْم كَاتب لِأَن ذَاك يفعل فِيمَا يكْتب بِهِ عَن الْخُلَفَاء لَا إِلَيْهِم وَأما قَوْلهم فِي صدر الْكتاب سَلام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَفِي آخِره السَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِن الأول ابْتِدَاء ونكرة وَالثَّانِي إِشَارَة إِلَى الأول وَمَعْرِفَة وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالسَّلَام الْمُبْتَدَأ بِهِ مَرْدُود على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأما الْكتب إِلَى وُلَاة العهود فعلى مثل هَذَا التَّرْتِيب وَيُقَال للأمير واللقب ان كَانَ ملقبا: إِلَى فلَان ولي عهد الْمُسلمين وَابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ ان كَانَ ولد الْخَلِيفَة وَأما المكاتبات الْخَاصَّة بَين الْخَلِيفَة ووزيره وَصَاحب جَيْشه الْمُقِيم على بَابه فَإِنَّهَا تفتتح بِذكر الإغراض من مطالعة واستئمار وَمَسْأَلَة والتماس وكذاك يكون مَا يرفع من قصَص المتظلمين إِذْ لَيْسَ تكون تِلْكَ السَّبِيل الأولى إِلَّا فِي الْكتب الْوَارِدَة من الْبِلَاد والصادرة إِلَيْهَا وَمن الْمَأْخُوذ على كاتبي الرّقاع ورافعي الْقَصَص إِذا تجاوزوا الْوَزير وَصَاحب الْجَيْش وَأهل الرتب ان يذكرُوا أَسْمَاءَهُم وَأَسْمَاء آبَائِهِم على الرّقاع من غير ان يَقُولُوا الْخَادِم وَلَا العَبْد إِذْ كَانَ هَذَا من الرتب الَّتِي لَا يؤهل لَهَا كل أحد وَمِمَّا كَانَ الرَّسْم جَارِيا بِهِ ان يقْتَصر فِي الْكتاب إِلَى الْخَلِيفَة أَو مِنْهُ أَو من الْوَزير إِلَى عماله وَمن عمالة إِلَيْهِ على معنى وَاحِد وَتَكون الْمعَانِي إِذا كثرت فِي عدَّة كتب.
[ ١٠٧ ]