قد قدم من ذكر الحضرة المعظمة النَّبَوِيَّة المطهرة لَا زَالَت سعودها طالعة وانوارها ساطعة وعزها مستعليا وسلطانها مستوليا فِيمَا افْتتح القَوْل بِهِ مَا اقْتَضَاهُ ان يحدده فِي اختتامه بِبَعْض التَّفْصِيل لَا كُله ومجموع التَّلْخِيص لَا جَمِيعه إِذْ كَانَت غَايَة ذَلِك لَا تبلغ والإحاطة بِهِ لَا تمكن لاتصال المدد وتطاول الأمد وانما يبْذل الوسع فِي نشر مَا ينشر وإيراد مَا يُورد اتبَاعا لأمر الله سُبْحَانَهُ فِي قَوْله: (وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث) وَمَعْلُوم أَن أكبر أُمُور الدُّنْيَا الَّتِي أسكن فِي ذراها خلقه وَأوجب عَلَيْهِم فِيهَا حَقه أَمر الْإِسْلَام الَّذِي انار بِهِ برهانه وَأقَام فِيهِ سُلْطَانه وَجعل أَهله خير الْأُمَم وأوفاهم ذمَّة وأظهرهم حجَّة وأوضحهم محجة وأولاهم مِنْهُ بمزيد الرِّعَايَة وَزِيَادَة الْعِنَايَة إِذْ كَانُوا لأَمره قابلين وبطاعته عاملين وبر بوبيته عارفين وبوحدانيته معترفين وَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فَلم يكن تبَارك اسْمه ليستخلف عَلَيْهِم إِلَّا أكْرمهم محتدا وأطيبهم مولدا وأعظمهم أرومة وأفضلهم جرثومة وأشرفهم أسرة وأعزهم زمرة وَلَا ليجتبي من هَذِه الطَّبَقَة إِلَّا أطهرهم نسبا وأكبرهم حسبا وَأَكْثَرهم علما وأوفرهم حلما وأوفاهم حزما وَأَقْوَاهُمْ عزما وأكملهم خَلِيقَة وأقومهم طَريقَة وَأَحْسَنهمْ للأمور مُلَاحظَة وعَلى الصّلاح مُحَافظَة وَذَلِكَ سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ مَا امْتَدَّ الْبَقَاء فِي أدوم
[ ١٤٠ ]
الْعِزّ والْعَلَاء على الإفصاح لَا الإدماج والإيضاح لَا الإدراج وَالتَّحْقِيق لَا الْمِثَال والتخصيص لَا الْإِجْمَال والإعلان لَا المواراة والأفراد لَا الموازاة حَتَّى لَو قيل انه الأول إِذا تميز النَّاس والأوحد إِذا وَقع الْقيَاس وَالسَّابِق إِذا وضع الرِّهَان وَالرَّاجِح إِذا رفع الْمِيزَان الَّذِي رام الأمد ففصل وَرمى الْغَرَض فنصل وَطلب الْغَايَة فَابْتَدَرَهَا وحاول النِّهَايَة فأحرزها لما روعي مُنَازع وَلَا خيف مدافع إِلَّا مَا كَانَ من جَاحد حق لَا يعْتد بقوله وحاسد فضل قد رده الله بغيظه وَلَيْسَ الْإِخْبَار عَن الْموقف الأكرم أدام الله ملكه كالأخبار عَن غَيره إِذْ كَانَ مَا يُورد من أَحَادِيث الماضين عَن رِوَايَات قد تحكمت فِيهَا الآراء الْمُخْتَلفَة وتسلطت عَلَيْهَا الْأَهْوَاء المتشعبة وأحالتها الدهور الْمُتَّصِلَة المتقلبة وحرفتها الْأَسَانِيد المتنقلة فَلَا سَبِيل لنا فِيهَا إِلَى غير التَّقْلِيد وَالتَّسْلِيم اللَّذين لَا يفصلان بَين المعتل والسليم وَمَا يُورد فِيمَا يتَعَلَّق بالحضرة المقدسة أعز الله نصرها مَا يشوبه شكّ أَو يسوء بِهِ ظن أَو يتَطَرَّق عَلَيْهِ رد لاننا نَدْعُو إِلَى أَمر يصدقهُ العيان ويحققه الْبُرْهَان ويصححه الامتحان فشاهده قَائِم وَدَلِيله ثَابت وَمَا كَانَ الله تبَارك اسْمه لينزل رسالاته إِلَّا على من اصْطفى أَو يَجْعَل خِلَافَته إِلَّا فِيمَن ارتضى أَو يستودع أمته إِلَّا الْأمين الوافي أَو يستحفظ مِلَّته إِلَّا القؤوم الْكَافِي لتطرد السِّيرَة العادلة وتبأى الْمصلحَة الشاملة وَيعلم أَنه جلّ وَعز لخلقه حَافظ ولدينه حَائِط ولحكمته مبرم ولمشيئته متمم ذَلِك لطف مِنْهُ وتوفيق وَفضل يؤتيه من يَشَاء انه ذُو فضل عَظِيم وَقد رُوِيَ فِي الْإِخْبَار المأثورة وَالْأَحَادِيث المنقولة من مَوَاقِف الْمُجْتَهدين فِي أَمر الدُّنْيَا وَالدّين مَا إِذا قيس بمواقف الْموقف الْأَشْرَف
[ ١٤١ ]
النَّبَوِيّ وَالْإِمَام الْمهْدي عرف موقعه من الْفَضِيلَة وترقيه مِنْهَا فِي الْمنزلَة الجليلة هَذَا على ان وَجه الزَّمَان كالح وقياده جامح وأبواب الصّلاح منسدة وَأَسْبَاب الْفساد مشتدة وعقود الِاسْتِطَاعَة محلولة وعهود الاسْتقَامَة مستحيلة لكنه حرس الله أَيَّامه بالرفق المقرون بالتوفيق واللطف المعضود بمساعدة الْمَقْدُور وَالْفِعْل المنوط بِحسن الِاعْتِقَاد والعزم الْمُتَصَرف على بذل الِاجْتِهَاد أمسك هَذِه الْبَقِيَّة فتماسكت وراعى هَذِه الثميلة فانحرست وعصم هَذِه الْأمة فاستعصمت وَحفظ هَذِه الْملَّة فثبتت وَلَوْلَا ذَاك لأعضل الدَّاء وَتعذر الدَّوَاء واتسع الْخرق وَامْتنع الرتق: وان أمرءا لم يدر انك نعْمَة حقيق عَلَيْهِ شكرها لجهول وَالله لطيف بعباده وَهُوَ الْمَحْمُود على ان كشف بالحضرة المقدسة مَا كشف وَصرف مَا صرف وأزال من الشُّبْهَة مَا أَزَال وَانْزِلْ من الرَّحْمَة مَا انْزِلْ والمسؤول لَهَا تَمام التَّمْكِين والتأييد وَلِلنَّاسِ بهَا دوَام الْخَيْر والمزيد (إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون)
وَمَا يزَال الْخَادِم يقف من التوقيعات الْعَالِيَة الشَّرِيفَة وَمَا يتَضَمَّن من الْأَلْفَاظ البليغة الفصيحة والمعاني البارعة الصَّحِيحَة مَا يُورد عِنْد عيانه وسماعه قَول الله تَعَالَى الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته.
وَلما علم ان بضاعته المزجاة فِي صناعته المجتواة نافقة على الْعرض السَّامِي وجائزة على النَّقْد العالي أقدم بوسيلة الثِّقَة بِتِلْكَ المكارم الفائضة على مَا يمْنَع من مثله الهيبة الفائضة وأمل من الْمُسَامحَة مَا يرجوه مثله من أهل الأدلال بِالْحُرْمَةِ وأولي الْحِرْص على الْخدمَة وَهُوَ يَرْجُو ان يظفر فِيمَا فعل بلطف الْقبُول فَيجمع الله لَهُ بَين التَّوْفِيق وبلوغ المأمول بمنه وجوده وَقدرته.
عورض بِهِ الأَصْل بِخَط المُصَنّف وَصَحَّ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
الْحَمد لله وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم تَسْلِيمًا وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
كَانَ الْفَرَاغ من نُسْخَة يَوْم الثُّلَاثَاء التَّاسِع من رَجَب سنة خمس وَخمسين وَأَرْبع مائَة من الأَصْل بِخَط الْأُسْتَاذ ابي الْحُسَيْن هِلَال بن المحسن بن إِبْرَاهِيم رَحْمَة الله هـ.
[ ١٤٢ ]