سَبِيل الْحَاجِب ان يكون نصفا مكتهلا قد أحكمته الْأُمُور وحنكته أَو شَيخا متماسكا قد عجمته الدهور وعركته وَله عقل وحزم يدلانه على صَوَاب مَا يَأْتِي وَمَا يذر فَهُوَ صبحان لَهُ مسالك مَا يُورد ويصدر وان يرتب الْحَوَاشِي فِيمَا يتولونه ترتيبا لَا يُجَاوز بِكُل مِنْهُم فِيهِ حَده وَلَا يحملهُ مَا لَا يطيقه ثمَّ يراعيهم مُرَاعَاة تدعوهم إِلَى التَّحَرُّز فِي الْأَفْعَال والتحفظ فِي الْأَعْمَال ومداومة الْخدمَة من غير إخلال وملازمة الحشمة من غير استرسال.
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ: حَدثنِي جَعْفَر بن وَرْقَاء الشَّيْبَانِيّ قَالَ: كنت فِي أَيَّام المعتضد رحمت الله عَلَيْهِ مَعَ
[ ٧١ ]
نظرائي من أَوْلَاد الْأُمَرَاء والقواد مرسومين بالْمقَام فِي الدَّار على رسم الْخدمَة بنوائب كَانَت لنا وَكُنَّا نَجْتَمِع فِي حجرَة نستريح فِيهَا بعد انْقِضَاء الْخدمَة وانصراف الموكب فننزع خفافنا وَنَضَع عمائمنا عَن رؤوسنا وَنَلْعَب بالشطرنج والنرد فَاطلع علينا أحد أَصْحَاب الْإِخْبَار فِي الدَّار فَكتب بخبرنا إِلَى المعتضد بِاللَّه وَنحن لَا نعلم فَلم يبعد ان خرج خَادِم صَغِير من خَواص الخدم وَفِي يَده الْفَصْل الْمَرْفُوع فِي أمرنَا وعَلى ظَهره توقيع بِخَط المعتضد بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ حكايته: يستصفعون وَمَا لَهُم من صَافح فسلمه إِلَى خَفِيف السَّمرقَنْدِي الْحَاجِب وصنع الله لي ان لم يكن ذَلِك فِي يَوْم نوبتي فحين وقف على الْفَصْل والتوقيع انزعج ونهض واستدعى من كَانَ فِي النّوبَة فَضرب كل وَاحِد مِنْهُم عدَّة مقارع فَمَا رئي بعد ذَلِك إِلَّا لَازم للتوفر على الْخدمَة متجنب للتبذل
وَحدث ابْن دهقانة النديم قَالَ: شرب المعتصم بِاللَّه رحمت الله عَلَيْهِ دَوَاء فَلَمَّا خرج مِنْهُ دَعَا بصينية ذهب فِيهَا رَطْل بلور
[ ٧٢ ]
فِي جلاب يُغير بِهِ المَاء فَوضع بَين يَدَيْهِ وَدخل إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم المصعبي وَجَاء وصيف فَاسْتَأْذن لجَماعَة من الْقُضَاة لأمر احْتِيجَ إِلَى حضورهم فِيهِ فَأذن المعتصم فِي دُخُولهمْ فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق: لَا تَأذن لَهُم ثمَّ قَالَ لمارد الْخَادِم: أرفع هَذَا الشَّرَاب من بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ فرفعه وَقَالَ لايتاخ: ايذن لَهُم الْآن فَدخل الْقَوْم ثمَّ خَرجُوا وَقَالَ إِسْحَاق لَا يتاخ ارْدُدْ شراب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَرده وَأنكر المعتصم فعله وَقَالَ لَهُ: مَا حملك على خلافي وَإِنَّمَا هُوَ جلاب أردْت تَغْيِير المَاء بِهِ فَقَالَ: مَا أردْت خِلافك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنَّك الإِمَام الَّذِي يُقيم الْحُدُود ويغير الْمُنكر وَشَهَادَة هَؤُلَاءِ الْقُضَاة تضرب الْأَعْنَاق وبمشورتهم تعقد الْأُمُور وَلَو رَأَوْا الشَّرَاب بَين يَديك لم يقدم أحد على ان يَسْأَلك عَنهُ أَو يستشتك فِيهِ ولقال وَاحِد: جلاب وَقَالَ آخر: خمر فعدو يُحَقّق الظنة وَولي يدْفع ذَلِك وَقد قيل: ادْفَعْ مَا يريب إِلَى مَا لَا يريب قَالَ: أصبت يَا أَبَا الْحسن ووفقت
وَكَانَ مُحَمَّد بن عمر بن يحيى الْعلوِي حضر دَار الْمُطِيع رحمت الله عَلَيْهِ فِي أَيَّام شرف الدولة وَمَعَهُ نحرير الْخَادِم وَمُحَمّد بن الْحسن بن صالحان الْوَزير إِذْ ذَاك وَابْن الْخياط صَاحب
[ ٧٣ ]
ديوَان الرسائل وَالْحسن بن مُحَمَّد بن نصر صَاحب ديوَان الْخَبَر والبريد وَكلهمْ بِالسَّوَادِ سوى مُحَمَّد بن عمر فَإِنَّهُ كَانَ ببياض فَخرج إِلَيْهِم مؤنس الفضلي الْحَاجِب وَقَالَ لمُحَمد بن عمر لَيْسَ هَذَا اللبَاس أَيهَا الشريف لِبَاس الدَّار وَلَا حضورك حُضُور من يُرِيد الْوُصُول فَقَالَ لَهُ: كَأَنَّك أنْكرت الْبيَاض قَالَ: نعم قَالَ: هَذَا زيي وزي آبَائِي قَالَ: مَا الْأَمر على هَذَا وَلَا رَأَيْت أحدا من أسلافك دخل هَذِه الدَّار إِلَّا بِالسَّوَادِ وَلَقَد حضر عمر بن يحيى
[ ٧٤ ]
أَبوك عندنَا فِي أَيَّام الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ لتقرير أَمر الْحَاج وَمن يخرج مَعَه وَهُوَ بسواد اسود فَقَالَ: مَا معنى سَواد أسود قَالَ لَهُ: سَواد مصبوغ وإنني لأذكره وَقد عرق والسواد يجْرِي على جَبينه وَهُوَ يمسحه بشستجه فِي يَده قَالَ لَهُ مُحَمَّد بن عمر: فَمَا الَّذِي تريده أَيهَا الْحَاجِب قَالَ: ان تغير هَذِه اللبسة وَتفعل مَا جرت بِهِ الْعَادة قَالَ: أَو انْصَرف قَالَ: الِاخْتِيَار إِلَيْك وَقَامَ مُحَمَّد بن عمر وَنزل إِلَى زبزبة وَانْصَرف إِلَى دَاره ووجمت الْجَمَاعَة مِمَّا جرى وَعَجِبت مِنْهُ حَدثنِي بذلك عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان.
وَمِمَّا يُنكر دُخُول الدَّاخِل إِلَى دَار الْخلَافَة بنعل أَو خف أَحْمَر ولالكة حَمْرَاء لِأَن الْأَحْمَر لِبَاس الْخَلِيفَة وَبعده الْخَوَارِج عَن الطَّاعَة وَاتفقَ ان دخل ابْن أبي الشَّوَارِب القَاضِي وَكَانَ من جلة الْقُضَاة وَمِمَّنْ يرجع بنسبه إِلَى بني أُميَّة دَار الْمُطِيع لله رحمت الله عَلَيْهِ بخف أَحْمَر وَرَآهُ المكني أَبَا الْحسن بن أبي عَمْرو الشرابي الْحَاجِب وَكَانَت بَينهمَا عَدَاوَة فَقَالَ لَهُ: تَأتي أَيهَا القَاضِي إِلَى خَليفَة آبَائِك فِي العناد والمباينة يَا غُلَام انْزعْ خفه وأعل بِهِ
[ ٧٥ ]
رَأسه وتناوله من الْمَكْرُوه قولا وفعلا بِمَا اسرف فِيهِ وَعرف الْمُطِيع لله ذَلِك فَلم يُنكره وَانْصَرف ابْن أبي الشَّوَارِب إِلَى دَاره فاحتجب فِيهَا وَلم يخرج مِنْهَا حَيَاء وكمدا وَكَانَت وَفَاته عقيب هَذِه الْقِصَّة
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ حَدثنِي المكني أَبَا عَليّ الْحسن بن مُحَمَّد الانباري قَالَ: كنت أخط بَين يَدي دلوية الْكَاتِب وَهُوَ يتَوَلَّى كِتَابَة سَلامَة أخي نجح الملقب فِي أَيَّام القاهر بِاللَّه بالمؤتمن وسلامة إِذْ ذَاك حَاجِب القاهر بِاللَّه وَكنت أَجْلِس فِي دهليز بَاب الْخَاصَّة الَّذِي يَلِي دجلة من دَار السُّلْطَان فأخدم صَاحِبي فِيمَا يستخدمني فِيهِ فَإِنِّي لجالس مُتَعَلق على دكة هُنَاكَ إِذْ جعلت إِحْدَى رجْلي على الْأُخْرَى وَكَانَ بإزائي صديق لي من خلفاء الْحجاب يودني ودا شَدِيدا فَوَثَبَ إِلَى وَضرب رجْلي ضَرْبَة مؤلمة بعصا كَانَت فِي يَده فَقُمْت مذعورا فَقَالَ: يَا أَبَا عَليّ اعرف لي مَوضِع مسامحتي اياك وَوَاللَّه لَو ان هَاهُنَا من أَتَخَوَّف ان يرفع الْخَبَر لما قدرت على مسامحتك فَقلت: وَأي شَيْء انكرت مني وَبِأَيِّ شَيْء سامحتني فَقَالَ: نَحن مأمورون إِذا رَأينَا أحدا من النَّاس كلهم قد جلس فِي دَار السُّلْطَان هَذِه الجلسة الَّتِي جلستها وَوضع إِحْدَى رجلَيْهِ على الْأُخْرَى بِأَن تجر رجله من مَوْضِعه حَتَّى
[ ٧٦ ]
نخرجهُ من حَرِيم الدَّار ونهاني عَن المعاودة إِلَى ذَلِك وَعَن ان أكشف رَأْسِي أَو أتبذل أَو أمزح أَو أرفث فِي شَيْء من تِلْكَ الْمَوَاضِع فشكرته على مَا عاملني بِهِ وأرشدني إِلَيْهِ.
وحَدثني جدي: ان المكني أَبَا الْهَيْثَم حضر يَوْمًا فِي دَار عضد الدولة وَأخذ عمَامَته من رَأسه ووضعها بَين يَدَيْهِ وَرَآهُ بعض أَصْحَاب الْإِخْبَار فَكتب بِمَا كَانَ مِنْهُ وَخرج استاذ دَار فحزق بِهِ وَشَتمه وَأخذ الْعِمَامَة وَضرب بهَا رَأسه حَتَّى تقطعت قطعا ووكل بِهِ واعتقله فَسئلَ فِيهِ عضد الدولة وَقيل: هَذَا رجل محرور الرَّأْس وَلَا يَسْتَطِيع ترك الْعِمَامَة على رَأسه وانما فعل هَذَا لذاك لَا لجهل بأدب الْخدمَة فَبعد مراجعات مَا أَمر بِإِطْلَاقِهِ.
وَلَيْسَ للحاجب ان يقبل على أحد مِمَّن يكون السُّلْطَان معرضًا عَنهُ وَلَا ان يرضى عَمَّن يكون السُّلْطَان ساخطا عَلَيْهِ وَلَا ان يوليه من الْبر وَالْإِكْرَام مَا كَانَ يوليه من قبل وَلذَلِك فعل نصر القشوري الْحَاجِب بحامد بن الْعَبَّاس مَا فعل وَقد كَانَ وزر وَذَاكَ
[ ٧٧ ]
ان حامدا لما خَافَ من عَليّ بن مُحَمَّد بن الْفُرَات فِي وزارته الثَّالِثَة أصعد من وَاسِط إِلَى بَغْدَاد مستترا وَدخل دَار السُّلْطَان بزِي الرهبان متنكرا وَاسْتَأْذَنَ على نصر القشوري فَلَمَّا أوصله إِلَيْهِ وَرَآهُ نصر لم يقم إِلَيْهِ وَلَا وفاه من الْحق مَا كَانَ يُوفيه أَيَّاهُ، لكنه قَالَ: إِلَى أَيْن جِئْت قَالَ: جِئْت بكتابك قَالَ: إِلَى هَذَا الْموضع كاتبتك بِأَن تَجِيء وَاعْتذر إِلَيْهِ من تَقْصِيره بِهِ، وَقَالَ لَا يمكنني مَعَ مَا أعرفهُ من تنكر الْخَلِيفَة عَلَيْك ان أتجاوز مَا وقفت عِنْده.
وَإِذا اتّفق يَوْم الموكب حضر حَاجِب الْحجاب بأكمل لِبَاسه من القباء الْأسود المولد والعمامة السَّوْدَاء وَالسيف والمنطقة وقدامه الْحجاب وخلفاؤهم وَجلسَ فِي الدهليز من وَرَاء السّتْر وَحضر الْوَزير وأمير الْجَيْش وَمن لَهُ رسم فِي حُضُور الموكب فَإِذا تَكَامل النَّاس راسل الْخَلِيفَة بِذَاكَ فَإِن أَرَادَ ان يَأْذَن الْإِذْن الْعَام خرج الْخَادِم الحرمي الرسائلي فاستدعى حَاجِب الْحجاب وَدخل وَحده حَتَّى يقف فِي الصحن وَيقبل الأَرْض ثمَّ يرسم لَهُ إِيصَال الْقَوْم على مَنَازِلهمْ فَيخرج وَيَدْعُو ولي الْعَهْد ان كَانَ فِي الْوَقْت ولي عهد وَأَوْلَاد الْخَلِيفَة ان كَانَ لَهُ ولد ثمَّ يدْخل الْوَزير
[ ٧٨ ]
وَيَمْشي الْحجاب بَين يَدَيْهِ إِلَى ان يقرب من السرير فَإِذا قرب تَأَخَّرُوا عَنهُ وَيقدم الْوَزير بعد تَقْبِيل الأَرْض إِلَى ان يدنو من الْخَلِيفَة فَإِن شرفه بِمد يَده إِلَيْهِ، أَخذهَا وَقبلهَا وتراجع حَتَّى يقف عَن يمنه السرير على خمس أَذْرع مِنْهُ وَأدْخل بعده أَمِير الْجَيْش فَقبل الأَرْض ووقف يسرة السرير ثمَّ أَصْحَاب الدَّوَاوِين وَالْكتاب وأوصل القواد يقدمهم خلفاء الْحجاب على مَرَاتِبهمْ ودعوهم ووقفوا يَمِينا وشمالإ على رسومهم وَنُودِيَ ببني هَاشم وَمن يلبس الدنيات ويتقلد الصَّلَوَات فيقدمون إِلَى أول الْبسَاط ويسلمون ويقفون مفردين. ثمَّ يدعى الْقُضَاة فَيقدم مِنْهُم من يَلِي قَضَاء الْقُضَاة أَو قَضَاء الحضرة وَيَقَع الْإِذْن الْعَام حِينَئِذٍ فَيدْخل الْجند ويقومون صفّين بَين حبلين ممدودين فِي صحن السَّلَام جعل الْغَرَض مِنْهُمَا ان يمنعا من الازدحام والتضايق والاختلاط والتضاغط وان يُشَاهد الْخَلِيفَة من يدْخل بَينهمَا على بعد فَيعلم من هُوَ وَيكون ذَاك أروع وأهيب.
[ ٧٩ ]