حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي فِيهِ بِمَا قَالَ: حَدثنِي سِنَان بن ثَابت جدي قَالَ: كَانَ وَالِدي ثَابت من أعرف النَّاس برسوم خدمَة الْخُلَفَاء فَكنت أرَاهُ فِي أَسْفَاره مَعَ المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ إِذا استدعاه إِلَى مسايرته وَأمره بمحادثته يخرج عَلَيْهِ فِي المسايرة حَتَّى يكون كالسابق لَهُ قَلِيلا فَظَنَنْت أَولا انه فعل ذَلِك سَهوا إِلَى ان كثر كَثْرَة علمت بهَا انه متعمد لَهُ فَسَأَلته عَن السَّبَب فِيهِ فَقَالَ لي: يَا بني ان من الإدب الْمَأْخُوذ على من أَهله الْخَلِيفَة لمسايرته ومطاولته فِي مواكبه ان يكون مركوبه مُخْتَارًا سليما من المعايب الَّتِي تعرض فِي المسايرة فَإِنَّهُ ان كَانَ كثير اللعاب أَو كثير الْعَبَث بِرَأْسِهِ أَو مداوما للصهيل والشغب أَو مُعْتَادا للحران والتحصن لم يصلح ان يُسَايِر الْخَلِيفَة على مثله وَلأَجل ذَاك يخْتَار الإتباع مسايرة رُؤَسَائِهِمْ على البغلات الطاهرات الْأَخْلَاق نعم وَمن أدب المسايرة للخلفاء والكبراء ان يكون التَّابِع سائرا من تَحت الرّيح ليَكُون الرئيس فِي أَعْلَاهُ فَلَا يتَأَذَّى بالغبار الَّذِي يثيره الْحَافِر وَلَا بروائح الروث وان يَأْخُذ أَيْضا الْجَانِب الَّذِي يُقَابل الشَّمْس ليَكُون الْخَلِيفَة والرئيس الَّذِي يسايره مستدبرا لَهَا وان يخرج عَلَيْهِ فِي المسايرة شَيْئا يَسِيرا كَمَا تراني أفعل ليَكُون هُوَ الملتفت إِلَيْهِ وَلَا يكلفه الِالْتِفَات حَتَّى إِذا انْقَضى مَا يُخَاطب فِيهِ وَأَرَادَ التباعد عَنهُ تقدم وَكَانَ فِي أَوَائِل موكبه مَتى احْتَاجَ إِلَيْهِ استدعاه من أَمَامه وَلم يتجشم التَّوَقُّف على انْتِظَاره.
[ ٨٦ ]
وَكَانَ عضد الدولة عِنْد قدومه إِلَى الحضرة فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلثمائة وانهزام الأتراك المعزية وَخُرُوج الطائع رحمت الله عَلَيْهِ مَعَهم وخلو دَار الْخلَافَة أحب ان يشاهدها ويستقرئ أبنيتها ومجالسها ودورها وصحونها ودواخلها وغوامضها فَصَارَ إِلَيْهَا وطافها موضعا موضعا وَبَين يَدَيْهِ مؤنس الفضلي الْحَاجِب يرِيه شَيْئا شَيْئا ويعرفه مَكَانا مَكَانا حَتَّى إِذا انتهي إِلَى دَار السِّرّ المرسومة بِالْحرم وقف مؤنس وَقَالَ هَذَا أَيهَا الْملك مَوضِع مَا طرقه فَحل غير الْخُلَفَاء وَالْأَمر أَمرك فِي دُخُوله أَو تَركه على مَا جرى بِهِ رسمه فَقَالَ: ارْجع بِنَا عَنهُ وتجاوزه وَلم يدْخلهُ فَكَانَ أدب مؤنس فِي الْوُقُوف الَّذِي وَقفه أفضل أدب وَفعل عضد الدولة فِي الْعُدُول عَنهُ أحسن فعل.
وأياك مُرَاجعَة السُّلْطَان قولا عِنْد التغضب واستكراهه على اللين اثر التصعب فَإِن المحاجة دَاعِيَة اللجاجة والحرص على الصّلاح فِي غير أَوَانه باعث على قُوَّة الْفساد وتطاول زَمَانه وَعَلَيْك بِالصَّمْتِ عِنْد الفورة والحصر عِنْد النعرة واجتهد فِي الْبعد عَن عيانه عِنْد بَوَادِر لَفظه وشوارق غيظه وانتظر فِي ايراد عذرك وان كنت واثقا بِهِ سُكُون صَدره من توهجه وخلو قلبه من توقده ثمَّ أت بِهِ لطيفا يكون غرضك فِيهِ زَوَال الشُّبْهَة لَا الإدلال بِبَرَاءَة الساحة فَإِن الْعذر الْخَالِي من اللطف شَرّ من الذَّنب الْخَالِي من الْعذر واسلك فِي الاستعطاف سَبِيل الرِّفْق من غير إكثار فِي المعاودة وَلَا كد بالشفاعة فالعود على مَحْمُود الْعَاقِبَة مَا كَانَ عَن نِيَّة طَائِعَة وأرادة صَادِقَة وَأحذر زلات قَوْلك وفلتاته وعاص مَا يتملكك من شهواته ولذاته وَاجعَل جوابك عَمَّا تراعى عواقبه وَتخَاف بوائقه إِشَارَة لَا إفصاحا
[ ٨٧ ]
وتعليلا لَا إغراقا فَإنَّك على قَول لم تقله أقدر مِنْك على رد مَا قلته وَاحْتمل هجنة العي فِي هَذَا الْمقَام فانها هجنة مَأْمُونَة وان لم تكن على الْحلم مَحْمُولَة لم تكن إِلَى الْعَجز معدولة وَقيل لأرسطاطاليس: مَا أصعب شَيْء على الانسان قَالَ: الصمت وَاحْذَرْ عِنْد لِقَاء سلطانك انبساط الدَّالَّة أَو انقباض الهيبة فَإِن ذَاك يَدْعُو إِلَى الاسترسال فِيمَا يجب التَّحَرُّز مِنْهُ وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال بِمَا يجب الْقيام بِهِ وَكن فِي الْأَمريْنِ متوسطا وَمن عَثْرَة الهجوم وغفلة الإحجام متحفظا وَلَا تعول لصاحبك وكفايتك على الِاعْتِذَار فَقل عَاجز إِلَّا وَله عذر يصوغه وَقل كَاف إِلَّا وَله عائق يعوقه وَإِنَّمَا تتبين الكفاة فِي مغالبة الْعَوَائِق ومعاصاة الْمَوَانِع وَاحْذَرْ ان يوردك موارد المزح إِلَى مَا يغِيظ السُّلْطَان مِنْك وَاجعَل حِكَايَة مَا تحكيه لَهُ وَإِشَارَة مَا تضحكه بِهِ عائدتين عَلَيْك دونه وَلَا يحملك مَا ترَاهُ من ضحكة على الإستمرار فِيمَا حذرك مِنْهُ فَرُبمَا أظهر قبولا من وَرَاء تكره ورضى من أثْنَاء تسخط
وَمَتى أَعْطَاك برا فَلَا تستقصره أَو أولاك فضلا فَلَا تستصغره ودع الشكوى فَإِنَّهَا ثَقيلَة على السُّلْطَان والإلحاح فانه من اكبر دواعي الحرمان وَعَلَيْك بالشكر فَإِنَّهُ مَادَّة للإحسان وَالصَّبْر فَإِنَّهُ عدَّة للانسان وَكن أَصمّ عَمَّا تسمعه وأعمى عَمَّا تلحظه وكتوما لما تستحفظه وأمينا على مَا تحضره وَلَا تدخل فِي سر كَانَ مطويا عَنْك وَلَا تنصت إِلَى قَول كَانَ مَسْتُورا مِنْك.
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن هِلَال جدي قَالَ: حَدثنِي هِلَال أبي قَالَ: حَدثنِي إِبْرَاهِيم ابي قَالَ: كنت وَاقِفًا بَين يَدي المكتفي بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ وَهُوَ يفاوضني فِي بعض الْأُمُور إِذْ جرى ذكر ثَابت بن قُرَّة وسلامة طرائقه وَمَا كَانَ فِيهِ من أدب النَّفس فحدثنا خَادِم رومي كَانَ وَاقِفًا بَين يَدَيْهِ وأسماه وانسيت اسْمه قَالَ: دخلت إِلَى
[ ٨٨ ]
المعتضد بِاللَّه صلوَات الله عَلَيْهِ لأخاطبه بسر كَانَ يراعيه من أَمر حرمه وَهُوَ يحادث ثَابتا ويشاوره فَبَدَأت أخاطبه بالرومية وَكَانَ المعتضد عَارِفًا بهَا فَخرج ثَابت مبادرا ورده المعتضد بِاللَّه وَقَالَ لَهُ: لم خرجت قبل ان يَنْقَطِع الْكَلَام بيني وَبَيْنك فَقَالَ: لانني أحسن الْكَلَام بالرومية وكرهت ان اسْمَع من سر أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا اعْتمد الْمُتَكَلّم بِهِ كِتْمَانه عني فَاسْتحْسن هَذَا الْفِعْل مِنْهُ وَزَاد استرجاحه إِيَّاه.
[ ٨٩ ]