وحَدثني عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن حَاجِب النُّعْمَان: ان عضد الدولة راسل الطائع لله عِنْد اسْتِقْرَار مَا اسْتَقر من الْخلْع عَلَيْهِ وتلقيبه تَاج الْملَّة والعهد إِلَيْهِ بِولَايَة الْأُمُور وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وثلثمائة وَقَالَ: أسأَل ان يكون دخولي دَار السَّلَام رَاكِبًا لأتميز تميزا يعرف بِهِ موضعي من زِيَادَة التكرمة وان يمد فِي وَجه الْخَلِيفَة ستارة لِئَلَّا يرَاهُ أحد قبل مثولي بَين يَدَيْهِ وَأَرَادَ بِهَذَا أَلا يرَاهُ النَّاس وَهُوَ يقبل الأَرْض فوعد بِمَا سَأَلَهُ وَعمل دون الْبَاب الَّذِي يدْخل مِنْهُ قطع بِأَجْر وطين فَلَمَّا دخل رَاكِبًا لم يُمكنهُ تجاوزه وَكَانَ تَرْتِيب الْأَمر ان جلس الطائع لله رحمت الله عَلَيْهِ على السرير فِي صدر السدلى من دَار السَّلَام فِي دست خَز أسود نَسِيج بِالذَّهَب وَحَوله من خدمَة الْخَواص نَحْو مائَة خَادِم بالزينة الْحَسَنَة والأقبية الملونة والمناطق وسيوف الحمائل المحلاة وبأيديهم الدبابيس والطبرزينات وَمن جَانِبي السرير الخدم الشُّيُوخ الصقالبة المطيعية وَمِنْهُم: خَالص وطريف وَبدر وأهيف وسابور
[ ٨٠ ]
ورياض ومواهب وصلف إِلَى من دونهم وَفِي أَيْديهم الْمُذَاب وَبَين يَدَيْهِ مصحف عُثْمَان رحمت الله عَلَيْهِ وعَلى كَتفيهِ الْبردَة وَبِيَدِهِ الْقَضِيب وَهُوَ متقلد لسيف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَعَلِيهِ ثِيَاب سود وعَلى رَأسه رصافية وَضربت على الأساطين الْوُسْطَى ستارة ديباج أنفذها عضد الدولة لتَكون حِجَابا للطائع لله حَتَّى لَا تقع عَلَيْهِ عين لأحد من الْجند قبله ومدت الحبال فِي صحن السَّلَام على أعمدتها وَسبق الديلم والأتراك إِلَى الدُّخُول من غير ان يكون مَعَ أحد مِنْهُم حَدِيدَة فضلا عَن غَيرهَا ووقف الديلم من الْجَانِب الْأَيْسَر والأتراك من الْجَانِب الْأَيْمن، والأشراف والقضاة وَأَصْحَاب الْمَرَاتِب فِي الصحن دون الأساطين من الْجَانِبَيْنِ على مَرَاتِبهمْ وحجاب الْخَلِيفَة إِذْ ذَاك مؤنس الفضلي ووصيف وَأحمد بن نصر العباسي وخلفاؤهم ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ وجميعهم بالأقبية السود
[ ٨١ ]
المولدة وَالسُّيُوف والمناطق المشمرة وحجاب عضد الدولة قيام فِي مقدم الحبال من الْجَانِبَيْنِ ثمَّ أُوذِنَ الطائع لله لعضد الدولة فَأذن لَهُ فحين أحسن بِدُخُولِهِ الصحن أَمر بِرَفْع الستارة فَرفعت وَوَقع طرفه على عضد الدولة فَقَالَ لَهُ مؤنس ووصيف وَقد تلقياه ومشيا بَين يَدَيْهِ: قد رآك أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقبل الأَرْض فَفعل وأخذا بعضديه وَكرر ذَلِك مرَارًا إِلَى ان قرب مِنْهُ وَمن جانبيه المطهر بن عبد الله وَعبد الْعَزِيز بن يُوسُف ووراءه جِبْرِيل بن مُحَمَّد ومُوسَى ودرنتا شيري وَالْحسن بن إِبْرَاهِيم وأسفار بن كردويه وزيار بن شهراكويه وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس ووكيد بن سُلَيْمَان فَقيل ان زيار بن شهراكويه أكبر تَقْبِيل عضد الدولة الأَرْض وَقَالَ: هَذَا هُوَ الله وسَمعه عضد الدولة فَقَالَ لعبد الْعَزِيز بن يُوسُف: عرفه انه خَليفَة الله فِي أرضه وَوصل عضد الدولة إِلَى بَاب السدلي بَين السماطين وَمَا يَتَحَرَّك أحد مِمَّن وَرَاء الحبلين وَكَانَ مرجان الْخَادِم وَاقِفًا فِي الصحن وَبِيَدِهِ قَوس جلاهق حَتَّى إِذا طَار غراب أَو نعب رَمَاه وَمنعه وَلما انْتهى عضد الدولة إِلَى بَاب السدلى الْتفت الطائع لله إِلَى خَالص وَقَالَ لَهُ: استدنه فصد عضد الدولة العتبة وَقبل الأَرْض دفعتين فِي عرض السدلى وَقَالَ لَهُ الطائع: أدن
[ ٨٢ ]
إِلَيّ فَدَنَا وأكب على تَقْبِيل يَده وَرجله فَثنى الطائع عَلَيْهِ يَمِينه وَكَانَ بَين يَدي سَرِيره مِمَّا يَلِي الْجَانِب الْأَيْمن الْكُرْسِيّ المربع المغشى بالأرمني برسم جُلُوس الْأُمَرَاء فَقَالَ لَهُ: أَجْلِس فَأَوْمأ وَلم يفعل حَتَّى قَالَ لَهُ: أَقْسَمت عَلَيْك لتجلسن فَقبل الْكُرْسِيّ وَجلسَ وَقَالَ لَهُ الطائع: مَا كَانَ أشوقنا إِلَيْك وأتوقنا إِلَى مفاوضتك فَقَالَ: عُذْري ظَاهر بِحَضْرَة مَوْلَانَا فَقَالَ نيتك موثوق بهَا وعقيدتك مسكون إِلَيْهَا فأموأ بِرَأْسِهِ وَقَالَ الطائع لله: قد رَأَيْت ان أفوض إِلَيْك مَا وَكله الله ﵎ إِلَيّ من أُمُور الرّعية فِي شَرق الأَرْض وغربها وتدبيرها فِي جَمِيع جهاتها سوى خاصتي واسبابي وَمَا تحويه دَاري فتول ذَلِك مستخيرا لله فِيهِ فَقَالَ عضد الدولة: يُعِيننِي الله على طَاعَة مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وخدمته ثمَّ قَالَ عضد الدولة: أُرِيد المطهر وَعبد الْعَزِيز بن يُوسُف ووجوه القواد الَّذين دخلُوا معي ليسمعوا لفظ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا شرفني بِهِ وَكَانُوا قد وقفُوا صفا وَاحِدًا دون العتبة بَين سماطي أَصْحَاب الْمَرَاتِب فأدنوا وَقَالَ الطائع: وهاتوا الْحُسَيْن بن مُوسَى وَمُحَمّد بن عمر وَابْن مَعْرُوف وَابْن أم شَيبَان والزينبي فقربوا وتكللوا وَرَاء عضد الدولة وَأعَاد الطائع لله
[ ٨٣ ]
القَوْل فِي التَّفْوِيض إِلَيْهِ والتعويل عَلَيْهِ ثمَّ الْتفت إِلَى طريف الْخَادِم فَقَالَ: يَا طريف: تفاض عَلَيْهِ الْخلْع ويتوج فَنَهَضَ عضد الدولة وَحمل إِلَى الرواق الَّذِي يَلِي السدلي وَدخل مَعَه عبد الْعَزِيز بن يُوسُف وخرشيد بن زيار بن مافنة الخازن وَأَرْبَعَة نفر من الثيابيين وألبس الْخلْع وَعصب عَلَيْهِ التَّاج وأرخيت إِحْدَى ذؤابتيه الْمَنْظُومَة بالجوهر الْجَلِيل الفاخر وَعَاد يتهادى من ثقل مَا عَلَيْهِ من الْخلْع والحلى فَأَوْمأ ليقبل الأَرْض وَلم يسْتَطع فَقَالَ لَهُ الطائع لله: حَسبك حَسبك وَأمره بِالْجُلُوسِ على الْكُرْسِيّ وَجلسَ ثمَّ استدعى الطائع لله من مؤنس الفضلي تَقْدِيم ألويته وَكَانَ ذَلِك إِلَيْهِ فَقدم اللواءين أَحدهمَا على الْمشرق وَالْآخر على الْمغرب فاستخار الطائع لله الله ﵎ وَصلى على رَسُوله وعقدهما وأعادهما إِلَى يَد مؤنس ثمَّ قَالَ: يقْرَأ كِتَابه فقرأه عبد الْعَزِيز بن يُوسُف فَلَمَّا فرغ مِنْهُ قَالَ لَهُ الطائع لله: خار الله لنا وَلَك وللمسلمين آمُرك بِمَا أَمرك الله بِهِ وانهاك عَمَّا نهاك عَنهُ وَأَبْرَأ إِلَى الله مِمَّا سوى ذَلِك انهض على اسْم الله وادن إِلَيّ فَدَنَا إِلَيْهِ وَأخذ الذؤابة المرخاة فعقدها على التَّاج فِي مَوضِع كَانَ قد أعد لعقدها وَذَلِكَ لمسألة تقدّمت من عضد الدولة وموافقة ثمَّ أَخذ الطائع لله سَيْفا كَانَ بَين المخدتين اللَّتَيْنِ تليانه بجفن أسود وَحلية فضَّة فقلده اياه مُضَافا إِلَى السَّيْف الَّذِي قَلّدهُ مَعَ الخلعة فَلَمَّا أَرَادَ عضد الدولة ان ينْصَرف راسل الطائع لله وَقَالَ: إِنِّي اتطير ان أرجع على عَقبي وأسأل ان يتَقَدَّم بِفَتْح هَذَا الْبَاب لي وَأَوْمَأَ إِلَى الْبَاب الدواري المنفتح من السدلي إِلَى الحدائق وَكَانَ للحدائق بَاب ينفتح إِلَى دجلة فَأذن فِي ذَلِك قَالَ ابْن حَاجِب النُّعْمَان: وشوهد فِي الْحَال نَحْو
[ ٨٤ ]
ثلثمِائة صانع قد أعدُّوا حَتَّى هيئ للْفرس مسقال قدم عَلَيْهِ إِلَيْهِ والطائع لله يرَاهُ وَركب وَسَار وَحده رَاكِبًا وَسَائِر الْجَيْش يَمْشُونَ فِي طول الرقة بَين الشوك والدغل إِلَى ان خرج من بَاب الْخَاصَّة ثمَّ ركب القواد والجند من هُنَاكَ وَسَار فِي الْبَلَد.
فَأَما مَرَاتِب النُّزُول وَالرُّكُوب من الدّور والأبواب فلهَا حُدُود يعرفهَا البوابون وَيَأْخُذُونَ النَّاس بِالْوُقُوفِ عِنْدهَا وَترك تجاوزها وعَلى خلفاء الْحجاب والبوابين ان يمنعوا الْجند من دُخُول الدَّار بسلاح إِلَّا من كَانَ برسمها من الخدم والغلمان الدارية وَمن أذن لَهُ فِي ذَاك وَأُرِيد مِنْهُ وَلَيْسَ لأحد ان يجلس فِي دَار الْخلَافَة على كرْسِي إِلَّا حَاجِب الْحجاب وأمير الْجَيْش.
[ ٨٥ ]