٢٠٧ - قال أصحابنا جميعًا:
والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع، فإن كان مسجد بجنب داره فله ذلك وإن قضي في داره جاز، والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر أن لا يخفي على أحد جلوسه ولا يوم حكمه.
٢٠٨ - وقد كان الشعبي يقضي في الجامع، وشريح يقضي في المسجد إلا يوم المطر فإنه يقضي في داره، وكان محارب بن دثار يقضي في المسجد ويخطب بالسواد.
[ ١ / ٩٨ ]
وقد قضى النبي في مسجده بين الأنصار في مواريث، وكان الأئمة يقضون في المسجد ولأن المسجد أرفع المواضع وأوسعها عليهم.
٢٠٩ - وقال الشافعي:
وكره أن يجلس للقضاء في المسجد لأن الخصومة يحضرها اللغط والسفلة، فنزه المسجد من ذلك، ولأنه قد يقضي بين الحائض والجنب فلا يمكنهما المقام في المسجد.
٢١٠ - قال:
وإن جلس في المسجد لغير الحكم فحضر خصمان أكره له أن يحكم بينهما وذكر في الحجة حديث الحسن في عثمان ﵁ أنه دخل المسجد ورأى سقاء على رقبته قربة فحطها ومعه خصم فقضى بينهما عثمان ﵁.
٢١١ - وقد قال عمر بن عبد العزيز:
[ ١ / ٩٩ ]
لا يقعد قاض في المسجد فيدخل فيه المشركون فإنهم نجس، وتلا الآية.
٢١٢ - وكان يحي بن معمر يقضي في الطريق، وقصده رجل إلى منزله فقال:
القاضي لا يؤتى في منزله.
٢١٣ - قال الشافعي:
والمستحب أن يجلس للحكم في موضع بارز يصل إليه كل واحد، ولا يحتجب من غير عذر.
٢١٤ - ويستحب له أن يكون المجلس فسيحًا حتى لا يتأذى بضيقه الخصوم ولا يزاحم فيه الشيخ والعجوز، ويكون موضعًا لا يتأذى فيه بحر ولا برد ولا برائحة نتنة.
فصل
٢١٥ - ويجب أن يعرف للعالم والشريف والشيخ وأهل الفضل حقوقهم، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:
إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، ونزلوا الناس منازلهم، وأقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم.
٢١٦ - وينبغي له إذا دخل عليه سلطان أن يرفعه ويوسع له ويكرمه.
٢١٧ - وكذلك يكرم صاحب العلم والقرآن فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال:
«من إكرام الله إكرام ذي الشيب المسلم وحامل القرآن، وغير الغالي فيه، ولا الجافي عنه».
٢١٨ - وإن قام لرجل من أهل العلم في مجلسه كان حسنًا لا بأس به، فقد قام النبي ﷺ إلى زيد بن حارثة، ورأى قومًا من الأنصار مقبلين فقام إليهم.
[ ١ / ١٠٠ ]
وقام ﷺ لعكرمة بن أبي جهل لما جاءه مسلمًا، وقال للأنصار: قوموا إلى سيدكم سعد بن معاذ.
فصل
٢١٩ - وإن قام القاضي ليخرج أو يدخل إلى بيته أو قام ليستريح فينبغي لجميع من في مجلسه أن يقوموا له، فقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان إذا قام يدخل منزله قمنا له قيامًا حتى يدخل.
٢٢٠ - وإنما كره أصحابنا القيام على التكفير كما قال ﷺ: «الأعاجم يقوم بعضهم لبعض تكفيرًا».
٢٢١ - وإن قام إلي إنسان فعانقه فلا بأس، فقد قام النبي ﷺ لزيد بن حارثة فعانقه وقام لجعفر بن أبي طالب لما أتاه يوم خيبر فقال: «لست أدري بأي الفتحين أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر».
٢٢٢ - قال الطحاوي:
وإذا استأذنه إنسان ليقبل رأسه ويديه ورجليه فعل!
٢٢٣ - وقال أبو حنيفة أكره من الرجل أن يقبل من الرجل يده أو فمه وأكره المعانقة ولا بأس بالمصافحة.
٢٢٤ - وروى عن أبي يوسف أنه قال:
تجوز القبلة والمعانقة والمصافحة، ذكر الخلاف، في كتاب الكراهة أبو الليث وغيره، والذي ذكره الطحاوي قاله في أدب الحكام الصغير له.
[ ١ / ١٠١ ]
٢٢٥ - وروي عن بريدة الأسلمي أن أعرابيًا قال للنبي ﷺ: ائذن لي فأقبل رأسك ورجليك.
فأذن له فقبل رأسه ورجليه.
٢٢٦ - وإن قال رجل للقاضي جعلت فداك جاز، فقد قال ابن عمر ذلك للنبي ﷺ وقاله عقبة بن عامر وأبو بكر وعمر وابن عباس وعمرو بن عتبة وأبو ذر وقرة المزني، كذا روى الطحاوي ﵀.
٢٢٧ - وإن قال لبعض ولده بمحضر من الناس فداك أبوك فلا بأس، فقد قال النبي ﷺ ذلك لفاطمة ﵍.
٢٢٨ - وإن قال له رجل:
- فداك أبي وأمي.
أو قال هو ذلك فلا بأس فقد قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص: أرم فداك أبي وأمي.
وجمع النبي ﷺ للزبير يوم الخندق بين أبويه.
٢٢٩ - وإن قال له رجل:
[ ١ / ١٠٢ ]
- جزاك الله خيرًا.
قال له مثله، فقد قالت ذلك الأنصار وقال ﵇ لها مثله.
٣٣٠ - وإن دعا له رجل فقال:
- أعزك الله وأصلحك الله أو عمرك الله فحسن. وقد روى ذلك عن النبي ﷺ أنه قيل له وأجاب عنه.
٢٣١ - وإن دعاه داع فلباه، أو قال:- لبيك وسعديك أو قال له: جملك الله فلا بأس به، فقد روى ذلك كله عن النبي ﷺ.
٢٣٢ - ولو أمر رجلًا بشيء فقال: سمعًا وطاعة فلا بأس. قال ظهير ذلك للنبي ﵇.
٢٣٣ - وإن أخبره رجل بخبر فقال: بخ بخ فحسن (فقد) قال النبي ﷺ لابن عمر: بخ بخ.
٢٣٤ - قال الطحاوي:
- وإن حبس رجلًا ليؤدبه فتشفع فيه شافع شفعه، فقد روى فهد بن حكيم عن أبيه عن جده أن أباه أتى النبي ﷺ فقال له: جرابي فيما أخذوا؟
فقال النبي ﷺ: خلوا له عن جرابه.
فصل
٢٣٥ - قال أصحاب الشافعي:
[ ١ / ١٠٣ ]
ويكره أن يكون القاضي جبارًا عسوفًا وأن يكون ضعيفًا مهينًا.
لأن الجبار يهابه الخصم، ولا يستوفي حجته، والمهين يطمع فيه، وينبسط عليه.
وهذه أقوال بعض أصحابنا أيضًا.
وقد روى عن بعض السلف.
وجدنا هذا الأمر لا يصلحه إلا شدة من غير عنف ولين من غير ضعف.
وقد قال أبو بكر ﵁ في خطبته أن أقواكم عندي لضعيف حتى آخذ له الحق، وأن أضعفكم عندي لقوي حتى أخذ منه الحق، فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني.
فصل
٢٣٦ - قال الطحاوي ﵀:
وينبغي له في اليوم الذي يريد الجلوس للحكم أن يتخشع، وأن تاقت نفسه إلى إصابة النساء فعل، وكذلك الطعام والشراب، ويتقدم ليبسط له في الجامع ليعلم الناس موضعه، وإن جعل ليد أبيض ووسادة فلا بأس، ويطرح لشهود الحصر والبواري إذا لم يكن حصر.
٢٣٧ - وإن قدر القاضي أن يجلس على مثل الشهود فعل، فإن المصليات والمخاد والمرافق ليس من آلة الحكام.
٢٣٨ - ولا يتروح بالمراوح الطوال ولا للخصيان القيام على رأسه بالمذاود.
٢٣٩ - وينبغي له أن يتخذ من الغلمان كل من لا يتوهم عليه الجاهل من
[ ١ / ١٠٤ ]
الناس سوءًا، ويرسم لهم أخذ القصص من غير أن ينظروا إلى ما فيها أو عليها.
٢٤٠ - ويتقدم إلى الشهود والأمناء أن لا يلزموا إنسانًا لهم ولا يأتوا أحدًا في أمر الحكم والشهادة إلا بأمره، وأن يجتنبوا الضحك في المجلس وشرب الماء والمراوح وما يدعو إلى الوضع من قدرهم.
فصل
٢٤١ - وإذا خرج إلى المسجد بعد الأكل والشرب وما يحتاج إليه من فعل حاجة خرج متواضعًا متذللًا لئلا يعلم أنه يريد أمرًا عظيمًا.
٢٤٢ - فلا يأكل من الطعام ما يكظه ويحوجه إلى كثرة شرب الماء، فإن ذلك يضع من قدره، والعطش يشغل قبله، والامتلاء بدنه، والجوع يضجره ويعسر خلقه.
٢٤٣ - ويكون قمطره محمولًا بين يديه لا يغيب عن بصره وتحت خاتمه.
٢٤٤ - ويسلم على من يمر به.
٢٤٥ - وقد روى عن إياس أنه حين استقضى جلس مجلس القضاء فنكس رأسه فجعل يبكي والخصوم ناحية، ثم دعاهم اثنين اثنين ففصل بلا شاهد إنما هو الإقرار.
[ ١ / ١٠٥ ]
فصل
٢٤٦ - وبعد دخوله المسجد ينبغي أن يصلي فيه ركعتين أو أربعا، إن أحب إذا كان في وقت تجوز فيه الصلاة ويخفف ذلك ويدعو الله تعالى أن يفرغ عليه السداد ويجري على لسانه الصواب، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
٢٤٧ - وليكن من قوله: ما شاء الله، توكلت على الله، اعتصمت بالله.
٢٤٨ - ويقول: اللهم سلمني من مجلسي هذا، وأعني عليه.
٢٤٩ - ويجعل القمطر عن يمينه.
٢٥٠ - قال الطحاوي:
ولا أحب له القيام إلى من جرت عادة بالقيام إليه إذا جلس للحكم، ولكن يرد السلام.
٢٥١ - ويجلس الشهود والأمناء مجلسًا لا يسمعون كلامه حيث يراهم كلهم.
٢٥٢ - ويكون اجتماع الخصوم بين يديه، يكون بينهم وبينه مكان واسع.
٢٥٣ - وأن يتقدم إلى الحاجب بأن يأمر بكف الأصوات والسكوت وأن لا يسار أحد بين يديه أخر ولا يحدثه، فإن ذلك يشغل قلبه.