١٥٥ - اعلم أن القاضي من عمال المسلمين وأجل عمالهم وهو القيم بمصالح الجميع.
١٥٦ - وقد قال أصحابنا جميعًا: لا بأس أن يطلق الإمام للقاضي من الرزق ما يكفيه من بيت المال، حتى لا يلزمه ولا أحد على بابه مؤونة ولا كلفة، ولا أحد أسبابه، فأن جميع ما يأخذه من على بابه يفضحه ويضع من قدره، وإن علم به فلم ينكره لحقه وزر:
كذا قال الطحاوي في أدب القضاء الصغير له.
١٥٧ - وقال الخصاف: ولا بأس أن يأخذ القاضي الرزق من بيت المال
[ ١ / ٨٥ ]
لأنه عامل المسلمين، وقد أوجب الله له أجرًا، والنبي ﷺ فعل ذلك وأبو بكر وعمر ﵄ فرضًا لأنفسيهما من بيت المال، وهكذا فعل الأئمة.
١٥٨ - ويفرض له ما يكفيه، ويوسع عليه حتى لا يشره إلى أموال المسلمين.
١٥٩ - وذكر في الباب أن عمر ﵁ كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل بالشام أن انظروا رجالًا من أهل العلم من الصالحين من قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم في الرزق ليكون لهم قوة وعليهم حجة.
١٦٠ - وكان زيد بن ثابت يأخذ على القضاء أجرًا وأرزق علي ﵇ شريحًا خمس مائة درهم.
وأرزق النبي ﷺ عتاب بن أسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة.
قال إسحق: لا أدري ذهب أو فضة.
وأرزق عمر بن الخطاب ﵁ أبا موسى في السنة ستة آلاف درهم وهو على البصرة، وكان مسروق لا يأخذ على القضاء رزقًا وكان شريح يأخذ.
١٦١ - وقال القاسم بن عمير لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا، ولا صاحب بعثهم.
١٦٢ - فأما الشافعي فقال:
«ومن تعين عليه القضاء وهو في كفاية لم يجز أن يأخذ رزقًا، لأنه فرض تعين عليه، وإن لم يكن له كفاية فله أن يأخذ الرزق عليه، لأن الكفاية لابد منها،
[ ١ / ٨٦ ]
والقضاء لابد منه، وإن لم يتعين عليه: فإن كان له كفاية كره أن يأخذ عليه الرزق، وإن لم تكن له كفاية لم يكره.
١٦٣ - ويعطيه مع ذلك شيئًا لأعوانه، وما يصرفه في القرطاس.
وأصحابنا لم يفصلوا هذا التفصيل بل لفظهم في الكتب مطلق.
١٦٤ - وإذا كان (القاضي) عاملًا على المسلمين فهو كالعامل على الزكاة يجوز أن يأخذ الأجر والرزق مع غناه فكذلك هذا، فهذا ما قيل في هذا الباب.
فصل