وهذا باب نذكر فيه التحكيم من الرجلين لغيرهما:
١١٦ - اعلم أنه يجوز أن يحكم الخصمان رجلًا واحدًا، ويجوز أن يحكما رجلين فما زاد.
١١٧ - وقد حكم علي ﵇ أبا موسى الأشعري، وحكم معاوية عمرو بن العاص، ورضيا بحكمهما عليهما، وحكم عمر بن الخطاب ﵁ وأبي بن كعب زيد بن ثابت، وحكم عثمان وطلحة ﵄ جبير بن مطعم
[ ١ / ٧٨ ]
وذلك جائز في الشرع والدين، وهو قول الشعبي وابن سيرين وعبد الله بن عتبة، وهو قول أصحابنا جميعا.
١١٨ - ولهما أن يخرجا الحكم من الحكم ولأحدهما ما لم يحكم ويمض الحكم عليهما.
١١٩ - وليس لواحد منهما أن يرجع عن ذلك بعد الحكم.
١٢٠ - وقال الشافعي لا يلزم الحكم إلا برضاهما بعد الحكم في أحد قوليه، لأن في إلزام حكمه افتئاتًا على القاضي والإمام، ولأن رضاهما معتبر في التحكيم، فكذلك في الحكم، والثاني مثل قولنا لا يعتبر رضاهما لأن من جاز حكمه لزمه حكمه.
ما يجوز فيه التحكيم
١٢١ - واختلف أصحاب الشافعي فيما يجوز فيه التحكيم فمنهم من قال يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان كما يجوز حكم الحاكم الذي ولاه الإمام.
١٢٢ - ومنهم من قال يجوز في الأموال فأما النكاح واللعان والقصاص وحد القذف فلا يجوز لأنها بنيت على الاحتياط، فهذا قولهم في هذا الباب.
١٢٣ - وقال أصحابنا: وإذا حكم الحكم بشيء ثم رفع إلى القاضي نظر في ذلك، فإن كان موافقًا للحق ورأيه أمضاه، وإن كان لا يوافق رأيه والحق رده.
١٢٤ - وقال بعضهم إذا كان مخالفًا لرأيه ومذهبه فهو بالخيار: إن شاء
[ ١ / ٧٩ ]
أمضاه وإن شاء رده.
١٢٥ - وقالوا: لو حكمًا محدودًا في قذف أو أعمى أو ذميًا أو عبدًا فذلك باطل لأن حكمهم كشهادتهم.
١٢٦ - وإذا كان الحكم رجلين لم يمض الحكم حتى يجتمعا عليه.
١٢٧ - وإذا لم يشهد الحكم في مجلس حكمه الذي حكم فيه على حكمه لم يصدق على ذلك، ولم يقبل قوله أنه يحكم بكذا.
١٢٨ - قال الخصاف:
«ولا يجوز أن يحكما في حد ولا قصاص، وإن حكماه في دم خطأ فحكم على العاقلة بالدية لم يجز لأن العاقلة لم ترض به».
١٢٩ - وإن قضى ما بيا (كذا) يمين أو إقرار أو بينة فذلك جائز.
١٣٠ - ولو قال الحكم: قد أقررت عندي بكذا أو شهد عليك هذا، وعدلت الشهود وقد ألزمتك ذلك وحكمت عليك [به لهذا وأنكر المقضي عليه] أن يكون أقر عنده أو قامت بينة عليه لم يلتفت إلى قوله وأمضى القضاء عليه ما دام لم يخرجه من التحكيم.
١٣١ - فإن كان قد عزله ثم قال ما قال لم يقبل منه، ولم يجز حكم عليه،
[ ١ / ٨٠ ]
كالقاضي إذا عزله الإمام لم يقبل أنه كان قد حكم، وإن كان قد حكم من لا يجوز قضاؤه له كالابن والزوج وكل من لا تجوز شهادته له، فإن حكم لابنه أو أبيه أو من ذكرناه أبطل القاضي حكمه، وإن قضى عليه أمضاه كما يمضي الشهادة.
١٣٢ - ولا يحكم فاسقا ولا صبيا ما لم يبلغ، كما لا يصح منهما ولاية القضاء ولا ينفذ الحكم من الحكم على غير الخصم الذي حكمه، كما لو ادعى دينًا على رجل أنه كفل عن هذا وشهدت بذلك بينة قبل الحكم على الحاضر دون الكفيل. وإن كان الكفيل هو الحاضر لزمه الحكم دون المكفول عنه.
١٣٣ - ومتى كان الحكمان رجلين فاختلفا في الحكم والاجتهاد لم يجز (حكم) واحد من الحكمين حتى يجتمعا على شيء واحد، وكان وجود حكم أحدهما كعدمه.
١٣٤ - ولو شهد عند الحكمين شاهدان بالحق فلم يحكما حتى غابا أو ماتا، أو حكمًا فسأل المدعى الحكمين أن يشهدا عند الحاكم على شهادة من شهدا عندهما لم يكن للحكمين ذلك.
١٣٥ - ولو شهدا رد الحاكم شهادتهما لأنهما لم يشهداهما على شهادتهما ولا حملاهما ذلك.
١٣٦ - وكما يجوز أن يكون الحكمان اثنين فكذا عندنا يجوز أن يلي القضاء اثنان وما زاد.
فصل