وهذا باب يذكر فيه الحاجب، وما ينبغي أن يكون عليه من الصفات.
٣١٧ - اعلم أن المرجع في هذا الباب في جواز اتخاذ الحاجب للقاضي والأمير إنما هو الشرع، وقد كان هذا أيضًا في الجاهلية، وكان بنو شيبة حجبة
[ ١ / ١١٨ ]
البيت الحرام، وقد حجب النبي ﷺ أنس، وكان لأبي بكر الصديق ﵁ حاجب هو سديف مولاه، وكان لعثمان بن عفان حمران، ولعلي ابن أبي طالب ﵇ منبر مولاه.
٣١٨ - وقد قال النبي ﷺ:
«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي فعضوا عليها بالنواجذ».
٣١٩ - وقد فعل ذلك أئمة العدل وولاة الجور، وهو فعل الناس في كل زمان، ومع كل إمام وسلطان.
٣٢٠ - وقال أصحابنا:
ينبغي أن يختار (من) الحجبة من لا يتجهم الخصوم ولا يختص بعضهم دون بعض بالوصول وتكون له معرفة بأوقات ما يجوز أن يستأذن فيها بالحضور لمن يقصد القاضي. ويعرف من جاء خصمًا أو زائرًا أو سائلًا له أو طالبًا لرفده أو مستفتيًا له في الحكم والشرع.
[ ١ / ١١٩ ]
٣٢١ - ويوعز القاضي إليه في بسط الوجه ولين الكنف وحسن اللفظ ورفع المؤونة، وكف الأذية والسرعة في أمره، بإدخال كل إنسان مع خصمه إذا أذن بدخوله من غير تأخير لا حد منهما عن صاحبه بأوجز بيان، ويسهل لهما السبيل.
٣٢٢ - وإذا كان الداخل رجلًا له قدر (و) لا خصومه (له) مع أحد، وإنما أتى لزيارة القاضي فينبغي للحاجب أن يتقدم بين يديه ويستقبله قبل دخوله على القاضي، ويدخل بين يديه ينبه الجماعة على موضعه ومكانه.
٣٢٣ - وينبغي أن يكون دخول الحاجب على القاضي قبل جميع الناس ليعرف من حضر على الباب من الناس ثم يأذن لمن يريد الدخول عليه والحديث معه فقد روى أنه كان لإياس بن معاوية موضع يجلس فيه وينظر الخصوم ويسمع كلامهم قبل الدخول عليه.
٣٢٤ - وسنحكى في آخر الكتاب (شيئًا) من ملح قضاياه إن شاء الله.
٣٢٥ - وحكي شيخنا قاضي القضاة أن أبا خازم القاضي كان يقضى في الجانب الغربي ببغداد وأن أبا عمرو القاضي كان يقضي في (الجانب) الشرقي فحصل في حبسهما رجل عليه دين، وكان له قريب يخدم علي بن عيسى الوزير، فسأله لعله يمشي في الرجل المحبوس، فأنفذ علي بحاجب له إلى أبي خازم وأبى عمر يسألهما في الرجل فمنعه حاجب أبي خازم، وكان إذا جلس إلى قبل الزوال ونهض (و) غلق الباب لا يستأذن عليه لأحد من الخلق، فحضر الحاجب فسأل البواب أن يستأذن فقال له:
- ما جرت العادة بذلك.
[ ١ / ١٢٠ ]
فقال:
- أنا صاحب الوزير، وقد أتيت في حاجة فقال:
- ما جرت العادة فإن كان لك شغل ترجع وقت العصر حتى تصل إليه.
فقعد الحاجب في مسجد قرب داره، وكان يومًا صائفًا شديد الحرير، فقاسى كل أذى من الصبر، فلما كان وقت العصر خرج البواب ورش الباب، ودخل المسجد فقال للحاجب:
قد جلس القاضي.
فقام الحاجب ودخل علي أبي خازم وعرفه ما فعل البواب من الجفاء وسوء العشرة اعتقادًا منه أنه يتقدم بهوانه، فقال له:
- كذا جرت العادة، وما أذن له بعد قيامي أن يستأذن لأحد فاغتاظ الحاجب، وبلغ الرسالة بأحسن لفظ، فقال له ابن خازم:
ليس هذا الرجل في حبسي فأخرجه، وإنما هو في حبس صاحب الدين فسلوه أو أعطوه حقه حتى يخرج.
فقام الحاجب أشد غضبًا مما كان فقصد أبا عمر فساعة رأوه أصحابه بادر إليه حاجب أبى عمر وسائر الأعوان فاستقبلوه وأكرموه ودخلوا بين يديه، فقام له أبو عمر وعظمه وأكرمه، وادي الحاجب الرسالة، فقال له أبو عمر.
- ذاك المولى والعضد والسمع والطاعة، لننظر بما حبس عليه من دفتر المحبس، فلما وقف علي ذلك قال لأمينه.
- لك هذا المال عن الرجل وفك حبسنا عنه، واعتذر إليه.
فقام الحاجب مسرورًا بما لقي، وحدث الوزير بما جرى وأحسن فيما بلغ عن أبى عمر، وقبح ما قال له أبو خازم وما فعل معه بغاية ما قدر عليه، فقال علي بن عيسى:
- أي الرجلين أعظم.
فقال الحاجب:
- أبو عمر.
[ ١ / ١٢١ ]
فقال له الوزير.
- أبو عمر عقل كله (وأبو خازم) دين كله، وصدق أبو خازم فيما قال لك، وهذا كان الواجب أن يفعل في المحبوس.
٣٢٦ - وقال الشافعي:
نكره له أن يتخذ حاجبًا لأنه ربما منع من له ظلامة، وإذا كان كما وصفناه أمن ذلك.
وقد قال لا يكره للإمام أن يتخذ الحاجب فالقاضي ينبغي أن يكون مثله.
٣٢٧ - وإذ قد ذكرنا صفة الحاجب، وهو يتقدم في الدخول على الوكلاء، وجب ذكر صفة الوكلاء.